صامت

 يشدد القانون على أهمية الصمت في الحياة الرهبانية: يجب على الراهب أن يلازم السكوت بإفراز. عليه حفظ الصمت المطلق من صلاة الستار (1) إلى صلاة الثالثة، (2)، وفي الكنيسة، وعلى المائدة (3).
القانون يدعو الرهبان إلى لزوم ما يسميه مار مبارك بكلمة بليغة، "جلال الصمت". الصمت هو الوسيلة الفضلى التي استخدمها شربل لضمانة تغذية روحه بالتأمل العقلي والاتحاد بالله. كان على يقين من أن العزلة لا تكون حقيقية الا مغمورةً بالسكون والصمت. فالضجة تبلبل جو التخشع الباطني وانسحاق القلب. نقض السكوت لدافع غير محبة الله أو القريب ينافي، في نظر شربل، الاتحاد الحميم بالله ويبدد عرف زيارة المسيح في مناولة الصباح.
قال معاصر لشربل لرفيق له:
- إن الصمت في فمه مستمد من فيض مناجاة الله في قلبه.
- عقله، اجاب الآخر، مسلطٌ على لسانه، وهو عقلٌ سكرانُ بالله، فكيف لا يولع لسانه بالصمت؟
وراح رفيق ثالث يرد عليهما:
- لا يعجبني كثيراً صمته البليغ. مراراً حاولت أن أصرح له برأيي وأحجمت، كأن أقول له:"أنت انسان ناطق لا بهيمة عجماء أو صخرة صماء!" ما تراه يجيب لو فعلت؟
- يركع مستغفراً كأنه مذنب يستوجب العقاب. بل هيام شربل بالصمت، علاوة على كونه فريضة قانونية، كان منشأه التعقل وسلامة الطوية، وكان مقروناً بالبساطة والفطنة "والإفراز"، بعيداً عن روح التشاؤم والأنانية والتطير.
كتاب الإقتداء بالمسيح، كتاب شربل المفضل، يقول:"في السكوت والهدوء تكتسب النفس تقدماً عظيماً، وتكتشف معنى الأسفار الإلهية الخفي" (1، 20).
كانت العذراء في الناصرة، بسكوتها وتأملها في سر ابنها، تشاركه في خلاص العالم. كل صومعة بجوار كل دير كانت "ناصرة" تتأمل فيها النفوس العذارى سرَّ الخلاص وتفتدي العالم بالاتحاد مع المسيح ومع أمه الإلهية.
عبقرية شربل الصامت تحليق جناح في أجواء الروح حيث لا قول ولا لغة سوى الكلمة التي كانت في البدء، والتي كانت هي الله.

من كتاب شربل سكران بالله