"حيث يكون كنزكم يكون قلبكم" (لو 12: 34) - عظة سيادة المطران نبيل العنداري

 الجمعة 23 آب سنة 2002 - كنـيسة مارشربل عنّايا
عظة سيادة المطران نبيل العنداري
"حيث يكون كنزكم يكون قلبكم" (لو 12: 34)

المقدّمة:

من بقاعكفرا، الـبلدة العامودية المطلّة على الوادي المقدّس، إلى حردين وكفيفان وجربتا، ومنها إلى عنايا، تنمو وتتوسّع رقعة أرض القداسة .
من التلميذ شربل إلى الـمعلّم نعمة الله إلى الجرح السادس ورسولة الألم رفقا، من نسّاك قنوبين إلى الطوباويين والقديسين، تأثير القدوة والنهج والمثل الصالح، "فيعرف الابن بأبيه"، وحسب التلميذ أن يكون مثل معلّمه"، تاريخ أسس لتيّار معاكس للزمن: تيّار زهد وتخلّ عن كلّ شيء، أتت وتأتي نتائجه إشعاعاً روحيا بدّد ويبدّد ظلمات الزمن الصعب، وتلته صحوة ونهضة روحية تجاوزت حدود الجماعة الرهبانية والمكان لتفوح رائحة القداسة تعطّر العالم وتشهد بأنّ لبنان ـ بلد الرسالة ـ هو أرض للقداسة والرجاء، يتوافد إليه الحجاّج من كلّ مكان، مزارا يتبرّكون من قديسيه طلبا للشفاعة وإيفاء للنذور.

التوسيع:
1- في هذه العشية المباركة، ونحن نحتفل مع عيلة مار شربل بالذبيحة الإلهية، نتأمّل معا بسرّ عميق هو في صميم حياتنا المسيحية، وفي أساس الخطوط العريضة لهذه العيلة ولكلّ مؤمن، والتي تحدّدت معالمها على التلمذة والجذرية والشهادة .
فالتمثّل بالمسيح والتزام الجذرية الإنجيلية هما في قواعد وأساليب الحياة "لأنّنا لا نتّصل بالله الاّ بمقدار اعتناقنا الفضيلة وبمقدار سيرنا على طريق "البنوّة الإلهية" (رجاء جديد للبنان، 52)، خاصّة أنّ قداسة البابا يدعو الكنائس الشرقية، في ورشة الإرشاد الرسولي، إلى أن تنهل من ينابيع الحياة التوحيدية القويمة، فتستعيد حرارة البدايات الروحية(عدد57).

ولنا في هذا الـتأمل، من وحي الإنجيل الذي سـمعنا، فكرتان رئيستان:
أ - محاور الجذرية الإنجيلية
ب - دواعي هذه الجذرية

2- قد لا يكون مألوفا استعمال التعبير اللغوي "للجذرية" في المجالين الكتابي واللاهوتي قبل النصف الأول من القرن العشرين وما جاء على لسان بعض اللاهوتيين أمثال بولتمن وبراونوشناكنبورغ إلى البابا بولس السادس وغيرهم.
أما مفاهيم ومضامين هذه الجذرية ومجالات التطبيق، لمن يعتنق الحياة الإنجيلية، فهي من قواعد الإنجيل الأساسية وأساليب وأنماط عيش الجماعة الأولى في الكنيسة.

3- الـمحاور الرئيسية لهذه الجذرية:
أ- التلمذة للمسيح: من أراد أن يتمثّل بالمسيح ويكون له تلميذا – خاصة بالنسبة إلينا أبناء العهد الجديد والـمسيرة الفصحية – لا بدّ له من أن يكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعه .
وهذا يعني مجابهة تحدّيات موانع العقبات والانقسامات والاضطهادات حتى الـموت. إن اقتفاء خطى المسيح يتطلّب ترك العائلة والملكية وربما الوظيفة أيضاً. فالمسيح يوصي تلاميذه بالتجرّد:"لا تحلموا في الدرب عصا، لا زادا ولا ملبساً" وينصحهم بالاتّكال على الله وقبول من يحملون إليهم البشارة الجديدة.
ولعلّ أكثر درجات التمثّل جذريّة في التلمذة تكمن في نهج الشهادة بما فيها من علاقة حميمة ومشاركة حيّة للصليب والمصلوب.
ب- جذرية الحبّ: ترتكز محبة القريب على تبنّي حنان وعطف الله من عيش للمصالحة والغفران وابتعاد عن الكلام الجارح والأحكام الـمسبقة وهجر للدينونة "لا تدينوا لئلاّ تدانوا". وتتخطّى هذه المحبة حواجز "العداوة الأخوية"، فالمحبة الجدّية بجذريتها تسلك درب التطويبات "طوبى للودعاء والرحماء والساعين إلى السلام لأنّهم أبناء الله يدعون فيرثون الأرض ويُرحمون".
وفي قلب الجماعة، حيث بنى الشراكة من سلطة ومسؤوليات، فانّ العظمة والمرؤة الحقيقية هي في التصاغر والخدمة: "فالضعيف والصغير في ملكوت الله يدعى عظيماً، وابن الإنسان جاء ليخدم لا ليخدم".
ج- التواضع وعدم الادّعاء: "طوبى للفقراء بالروح فانّ لهم ملكوت السماوات"، فمن واضع نفسه ارتفع ومن أخلى ذاته امتلأ.
وحدهم النقيّة قلوبهم يعاينون الله. لكن من جعلوا ذواتهم عبيدا بطاّلين رغم أعمالهم الـمشكورة وجهودهم الخيّرة - وإن استجابوا لاستغاثة الفقير والضعيف- إن لم يكن فيهم وداعة وتواضع القلب، لا يستطيعوا إيفاء الفادي الذي اتخذ صورة العبد وسفك دمه الثمين فداء وخلاصا.
فالذي أشرق شمسه على الأخيار والأشرار، يدعونا إلى الإمّحاء الإختياري الكلّي مثل يوحنا المعمدان الذي كان عليه أن ينقص ويدلّ على حمل الله لا على حجب صورته.
د- الـمشاركة: إذا كانت المقتنيات تشكّل تهديدا لاعتناق الفقر الإنجيلي، فانّ الإنجيل لا يجعل من الزهد غاية، بل يحذّر من عبودية المال. أمّا دعوة الشاب الغني "اذهب وبع ما لك وأعطه للمساكين وتعال اتبعني" فهي دعوة إلى العطاء والمشاركة.
يصوّر لنا كتاب أعمال الرسل سعي المسيحيين الأولين إلى تطبيق وعيش هذا المثال الإنجيلي، لكنّه في الوقت عينه يكشف لنا عن حرص الجماعة وهمّها في سدّ عوز المحتاجين وإنصاف المحرومين بروح المساواة والمشاركة الأخوية .

4- دواعي الجذرية :
إذا كان سلوك درب الإنجيل يتطلّب التزاما تامّا بيسوع وتعاليمه، فانّ القبول بهذه الجذرية لا يتحقّق يلقائيا وبصورة سهلة أو اعتباطية، انّما يخضع لدواع متعدّدة نذكر منها: الانتماء للمسيح، التمثّل برحمة الله، الإطار النهيوي أو الاسكاتولوجي، ودواع أخرى متفرّقة.
أ- من أجل المسيح: حين يدعو يسوع تلاميذه "ليكونوا بصحبته" إنّما يدعوهم لكي يقبلوا إليه ويصحبوه ويشاركوه الحياة والرسالة والـمصير. أن يترك المدعو أباه وأمّه واخوته ليكون أهلاً له. وأن يحمل صليبه ويتبعه، وأن يفقد حياته في سبيله. فهذه مستلزمات الخيار الجذري الذي اعتمده من أجل المسيح. وهي حال التخلّي غير المشروط وتفضيل يسوع على ما عداه.
ب- التمثّل برحمة الله: لماذا يتصاغر الإنسان ويصير خادما؟ لماذا يقاسم خيراته المحتاجين؟ ولماذا يتلافى الغضب والانتقام؟ لماذا يسامح ويحب ويتحلّى بالوداعة والمسالمة؟ لكلّ هذه التساؤلات حوافز، منها: "كلّ ما أردتم أن يفعل الناس لكم، افعلوه أنتم لهم". ولكّن السبب الأساس، هو ما جاء في الإنجيل بحسب لوقا: "كونوا رحماء كما أنّ أباكم رحيم". انّ حبّ القريب محبة الله للناس لا داع له سوى الحبّ عينه: "كونوا كاملين كما أنّ أباكم السماوي كامل".
ج- الإطار النهيوي أو الاسكاتولوجي: "حان الوقت واقترب ملكوت الله". إذا تبنّينا دعوة يسوع هذه، تكون هذه المتطلّبات الجذرية "أخلاقيّة مؤقّتة"جديرة بانتظار المجيء الثاني. "لأنّ الذين يستفيدون من هذا العالم كأنّهم لا يستفيدون حقاً. لأنّ صورة هذا العالم في زوال" (1قور 7: 31)، ولأنّ من يستحي بي وبكلامي في هذا الجيل الخاطئ يستحي به ابن الإنسان متى جاء في مجد أبيه ومعه الـملائكة الأطهار".

د- الدواعي الأخرى: بالإضافة إلى ما ذكرنا، تبدو الالتزامات الجذرية:
- شرطا لدخول الحياة الأبدية أو الملكوت: "إذا كانت عينك سبب عثرة لك فاقلعها، فلأنّ تدخل ملكوت الله وأنت أعور خير لك من أن يكون لك عينان وتلقى في جهنم".
- أو عنصرا أساسيا لكمال حياة التلميذ: "إذا أردت أن تكون كاملا، فاذهب وبع أموالك وأعطها للفقراء فيكون لك كنز عظيم في السماء وتعال فاتبعني".
- أو مكافأة:"وأبوك الذي يرى في الخفية هو يجازيك". لأنّ كلّ ما نتركه من أجل يسوع ننال "في الآخرة الحياة الأبديّة".
- أخيراً لا آخراً، إنَّ الإرسال للبشارة والشهادة يتضمّن توصيات لتفعيل العمل الرسولي وتسهيل عوائقه: "لا تحملوا كيس دراهم ولا مزودا ولا حذاء...".

الخاتمة:
يا ربّ، يا من أنعمت علينا بالدعوة المقدّسة، دعوة الالتزام الجذري بإنجيلك، أعطنا أن نجاهد الجهاد الحسن، وننتصر بك، فنتمّم إرادتك، ونشهد لك علامة في هذا الزمان بانتظار ملكوتك الآتي – آمين!

أنطوان نبيل العنداري
الـنـائب الـبطريركي الـعـام
على منطقة جونية