"عيالنا لَوَين"

خلق الله الإنسان على صورته وكمثاله، ذكراً وأنثى خلقهما، وكانَ الإنسان صورة الله البهيَّة وقد جعله الله كاهناً يرفع لهُ المجد باسم جميع مخلوقاته وملكاً مسلطاً على جميع الكائنات يقودها نحو الله  ونبيَّاً يسمِّي المخلوقات ويعلن الحقيقة تمجيداً لله. أراد الله أن يطبع صورته بالإنسان صورة المحبَّة والفرح والمجد فأراد أن تكون العائلة البشريَّة على صورة الثالوث تُجسّد الحبّ الإلهي والفرح الأبدي.

سقط الإنسان في الخطيئة فتشوَّهت صورة الله فيه بعد أن خرج عن طاعته وفقد الشراكة معه فقد الحبّ والسلام وتاه الإنسان على الأرض يعبد المخلوقات بدل الخالق وغرق بالموت. جاء يسوع إلى العالم ليعيد بهاء صورة الله ومجده في الإنسان ويعطيهِ الحياة من جديد فتجسَّد في عائلة ليعيد للعائلة البشريَّة صورة الثالوث وتعود كما أرادها الله مكان حبّ وفرح ووسيلة لتقديس أفرادها وتقديس العالم.

أين عائلاتنا اليوم من هذه الصورة؟ هل هي مكان حبّ وفرح ومكان تقديس لأفرادها وللعالم؟ كيف تبنى عائلاتنا اليوم؟ على أيَّ أساس؟

إنَّ كلّ علاقة بين إثنين من البشر تُبنى على ما يُسمَّى "الشخص الثالث" وهو شخص يتجاوز الإثنين ويكون أعلى منهما وفائق ومتعالٍ بالنسبة لهما وهو الذي يجمعهما وإذا زال هذا "الشخص الثالث" زالت العلاقة. هذا "الشخص الثالث" ربَّما كان فكرة أو عقيدة أو هواية أو رغبة مشتركة أو أي شيء يتعلَّق به الإثنان فيتعلَّقان ببعضهما بواسطته. مثلاً: كرة قدم، موسيقى، وطن، قضيَّة، رغبة، هواية، فن، شخص ما...إلخ.

من هو الشخص الثالث الذي يجمع الأزواج اليوم؟ مهما كان هذا "الشخص الثالث" إذا لم يكن المسيح فعبثاً يثبت الزواج فتصمد العائلة. المسيح هو "الشخص الثالث" الوحيد الذي يستطيع أن يجمع الزوجين في مسيرة قداسة للحياة الأبديَّة وكلّ ما عداه يتحوَّل ويزول فتتحوَّل العائلة من مكان حبّ وفرح ودفء إلى مكان للحزن والقلق والقهر والخلاف الهدَّام. لا يكفي الإنجذاب والرغبة بين إثنين وتأمين الحياة الماديَّة للإرتباط بسرّ الزواج، كما يحدث في أيَّامنا. فهل هو المسيح "الشخص الثالث" في عيالنا اليوم؟ أم الإنجذاب والشهوة والمادة والمصلحة والترتيبات الذين سرعان ما يزولون ويُخلِّفوا الدمار والكآبة.

إنَّ ما يُطلب من العائلة لتؤمِّنه لأفرادها هو ثلاث مقوِّمات:

1-السند المادي 2-السند المعنوي أو النفسي  3-السند الروحي.

إنَّ عائلاتنا اليوم تبرع في السند الأوَّل فنؤمِّن لأولادنا المأكل والمشرب والملبس والتعليم والترفيه وكلّ ما يرغبون به ونستطيع تأمينه لهم بكلّ الوسائل وهنا تنجح عائلاتنا تماماً.

في السند المعنوي والنفسي هناك إخفاقٌ كبير. إنَّ العائلة هي مكان للشفاء. إنَّ العالم الخارجي هو عالم عدائي غالباً ما يجرح الإنسان ويسبِّب له ألماً ومعاناة فيحتاج الإنسان إلى ملجأ يلجأ إليه ليُشفى من جراحه ويستعيد معنويَّاته ليتابع مسيرتهُ في العالم. هو بحاجة إلى قلبٍ محبّ يهتمُّ به فيسمعه ويرشده ويسنده ويقوِّيه ليتابع معركته في قلب العالم.

هلّ عائلاتنا اليوم مكان للشفاء؟ أم إنَّ التواصل شبه مقطوع فلا أحد يعطي إهتماماً وأذُناً صاغية لأحد لأنَّ كلّ فرد لهُ عالمه وانشغالاته الكثيرة واهتماماته الخاصَّة فلا يلتفت ولا يهتم وحتَّى لا يُدرك أنَّ أحد أفراد عائلتهِ مجروح ويلزمه عناية؟ فيبحث المجروح عن مكان شفاء آخر غالباً ما يوصله إلى الضياع وربَّما الإنحراف أحياناً كثيرة.

أمَّا عن السند الرُّوحي في العائلة فحدّث ولاحرج. فيكادُ يكونُ مختفياً تماماً. غابت الصلاةُ عن أكثريَّة عيالنا وغاب التوجيه الرُّوحيّ وحتى الحديث عن الله وعن يسوع والحياة الرُّوحيّة بالكاد يظهر في بعض العائلات وربَّما بخجل وضعف. لا تربية روحيَّة ولا تعليم ولا صلاة ولا توجيه. الله غائب عن معظم عائلاتنا ولا يحضر إلَّا بالحديث عن بعض عجائب القدِّيسين أو عندما تقع مصيبة في البيت فنلجأ إلى الله طالبين العون بعد غيابٍ طويل.

"فالشخص الثالث" الذي يجمع عائلاتنا اليوم للأسف هم آلهة هذا العالم:

أكل، شرب، لبس، علم، شهادات، مسكن، سيارات، رفاهيَّة، أشغال، مظاهر، وحبّ ظهور... ويغيب الله. فأصبحنا نشبه كهنة البعل الذين يدورون حول الذبيحة طالبين من آلهتهم أن تحرقها ولا تستجيب ولا يحدث أي شيء سوى النزاع بينما الله الحقيقي في مكانٍ آخر يستجيب للَّذين يعبدونه فيحفظ عيالهم بالحبّ والفرح.

يقول البابا القديس يوحنا بولس الثاني: إذا انهارت العائلة انهار المجتمع فهي الخليَّة الأساسيَّة التي تكوِّن كلّ المجتمع ويدعو لأن تكون عائلاتنا كنائس بيتيَّة. إنَّ الأخطار الكثيرة تحيط بعائلاتنا اليوم وتهدِّدُها وبدأت عائلاتنا تتفكَّك.

فالتحدّي الكبير الآن الذي يجب أن نلتزم به بوجه تلك الأخطار والتهديدات هو إعادة وجه الله وحضوره إلى عائلاتنا لتعود كنائس بيتيَّة ومكان حبّ وفرح وأمان ونموّ بالقداسة. وليس فقط مكاناً ينمو فيه الإنسان بالجسد والمادَّة ويموت بالنفس والرُّوح. هل نحضِّر أولادنا اليوم ليكونوا قدِّيسين أم نرسلهم لا سمح الله إلى الهلاك الأبديّ؟

الدواء
واحد: يسوع المسيح. حضور المسيح في عيالنا يكون بالصلاة أوَّلاً. "عائلة تصلِّي عائلة تحيا". أي عائلة لا تصلّي عائلة تموت وتتفكَّك. فالصلاة تفتح قلوبنا على عمل الرُّوح القدس رباط المحبَّة الذي يجمع ويقوِّي ويُحصِّن العائلة ضد الشرّ والشرِّير. الصلاة اليوميَّة بين الزوجين أوَّلاً ثمَّ بين جميع أفراد العائلة أمرٌ أساسيّ وضروريّ وليس إضافة يمكن الإستغناء عنها.

ثانياً القدَّاس المشترك. من أجمل ما يستطيع الإنسان أن يشاهده أو يختبره هو حضور العائلة في القدَّاس حول سرّ القربان، الإفخارستيَّا مصدر كلّ نِعم وقداسة. لا حياة دون القربان.

ثالثاً المشاركة في النشاطات الرُّوحيَّة لجميع أفراد العائلة ورابعاً الأحاديث الرُّوحيَّة في العائلة.

إقترب الله من الإنسان فاشتعل الإنسان دون أن يحترق مثل علَّيقة موسى. اشتعل بالحبّ والمجد والبهاء والحياة. فلندع الله يقترب منّا ليشعل عائلاتنا بحضوره وبمحبَّته فيُنير حياتنا ويقدِّسنا ويجعلنا أبناءً له على صورته وكمثاله فنستحق معه المجد والحياة الأبديَّة.

*للتأمُّل:
الله أوَّلاً  والعائلة بتصرُّف الله:

- القدِّيس يوسف والعائلة المقدَّسة – ابراهيم وإسحق – حنِّة وصموئيل.

*يسوع المسيح والعائلة: الله أوَّلاً.

دعوا الأموات يدفنون أمواتهم (متى 8) –أمي وإخوتي (متى 12/ 49) - طوبى للثديين الذين أرضعاك (لوقا 11/ 27)....

من إختبارات ريمون ناضر مع القديس شربل:
"صونوا عائلاتكم واحفظوها من كيد الشرّير بحضور الله فيها. صونوها واحفظوها بالصلاة والحوار، بالتفاهم والغفران، بالصّدق والأمانة، والأهم بالإصغاء. حافظوا على دفء العائلة، لأنّ دفء العالم كلّه لا يقدر أن يعوّضه".

مقصد:
"نصلي يوميًا في عائلاتنا مع من حضرَ".

صلاة:
ساعدنا يارب، في رسالتنا على نقل الإيمان الذي قبلناه عن آبائنا.  إفتح قلوب أولادنا لتنمو فيها بذور الإيمان الذي قبلوه والمعمودية. شدّد إيمان شبيبتنا لتكبر بمعرفة يسوع. أفض الحب والأمان على كل العائلات خاصة تلك التي تمرّ في أوقات الألم والمصاعب.
أجزل نعمتك وبركتك على كل عائلات العالم. وامنحنا الحكمة والقوة والفرح، بالإتحاد مع يوسف ومريم. نسلمك عائلاتنا بيسوع ابنك وربّنا. آمين (صلاة المؤتمر العالمي الخامس للعائلات)

مع ريمون ناضر – تشرين الثاني 201