الكنيسة سرّ الخلاص - للأب مارون مبارك

الكنيسة سرّ الخلاص"

للأب مارون مبارك - المرسل اللبناني
لقاء الأربعاء الأول من شهر تشرين الثاني 2000
كنيسة مار شربل أدونيس

(ملاحظة: هذا الموضوع منقول عن التسجيل الصوتي لهذا هو أقرب الى اللغة المحكيّة).

نحتفل اليوم بتذكار جميع القديسين. هم عاشوا مثل كل الناس لكنهم دخلوا جوّ قدسيّة الله وصاروا قدّيسين، واليوم كانوا معنا وكنّا معهم لهذا تذكرناهم، بالحياة المسيحيّة نتخطّى حدود الزمن ونعيش كلنا في حضرة الله.
اليوم تذكّرنا أشخاص كثيرين ومنهم القديس شربل. ومنهم مَن لا نعرفهم ومنهم مَن لم يُعلَن عنهُم. فلهذا نتذكّرهم كلهّم اليوم بعيد جميـع القدّيسين. وصلوا للقداسة لأنّهم عاشوا الأمانة لله ولإرادته من خلال أعمالهم. ووصلوا لأنهم عاشوا الصدق بالألتزام بعيشهم لمسيحيتهم، لمعموديتهم؛ لم يواربوا بل كانوا بسطاء.
إنطلاقاً من هذا العيد اليوم ومن هذه الأجواء ومن خلال صفات القديسين نبدأ حديثنا تحت عنوان:

"الكنيسـة سـرّ الخـلاص".
1- نغوص في فهم "الكنيسة" الكلمة الأولى في موضوعنا:

عادةً نقول هي جماعة المؤمنين... لكن إذا عدنا الى جذور هذه الكلمة فإنّ لها أصلان:
- أصل سرياني او آرامي (كنوشتو).. فعل (كَنِشْ) يعني جمع.. جماعة، مجموعة ناس.. لكن اكثر من مجموعة ناس "مع بعضها".. نحن نعمل جماعة، وفعل (كَنِشْ) يحوي نوع من عيش المعيّة المع Être avec ، يعني هي ليست عمليّة حشر اشخاص، هي عملية ترابط بين الأشخاص وتفاعل، والذي يربطنا حضور الروح القدس... والذي يجعلنا نتفاعل هي المحبة بفعل الروح القدس..
هكذا تغيّر كل مفهوم الجماعة صار لها عمق، والترابط بالروح القدس والتداخل؛ بالإضافة إلى التفاعل بالمحبة التي يزرعها الروح.. ليست المصالح هي التي تجمع بل روح الله... هو قادر ان يجمع ما تعجز كل البشريّة عن جمعه.. فالروح يخرق ويزرع بزرة المحبة التي تنمو كل يوم... ويبقى علينا أن نسهر عليها لتَنموَ وتَكبُر...
- والأصل الثاني اليوناني Ecclesia،ec تعني "من" وkaleo تعني دعا ونادى ومعنى كل الكلمة، نادى – من – إلى. بمعنى ننادي أحدهم من أجل أن يترك مكانه ويأتي إلى هنا لعمل شيء سوية.
نداء: من – ألى - لإجل؛ لإجل موضوع او شخص نجتمع حوله ويرسلنا، واذ لم يتوفر هذا الإرسال لا نعود كنيسة. الكنيسة تجمع وتعود تُرسل إلى الذين مِن أجلهم أجتمعنا. الكنيسة هي أن نعيش في حضرة الله ونكون مع بعضنا البعض بإرادته. نحن مسيحيين لننطلق إلى المكان الذي يريده الله. كلّ دعوة بقلبها رسالة. أولاً أن نكون كنيسة هو أن نكتشف حضور الربّ بأعمالنا، بقلبنا وكل حواسنا، وأن نستسلم لعمل الله بحياتنا.

2- الكلمة الثانية في موضوعنا هي سـرّ :
بالعربي كلمة سرّ تحمل ابعاداً كثيرة... اما بالأجنبي فلها اقلّه ثلاث تفسيرات.
1- السر: Secret الأمر الخفي، السرّ الخفي الذي لا يعلمه الكلّ.
2- سرّ الذي منه نتعلم الأسرار السبعة وهو بالفرنسيSacrement . الأمر الحسّي المنظور الذي يدلنا على حقيقة غير منظورة، مثلاً القربان، هو منظور حسّي يدل على حقيقة يسوع الحاضر والغير منظور. نؤمن به بحواسنا الباطنية، بإيماننا. امور مادية تُظهر امور غير ماديّة وتعلن حضورها.
3- هو حقيقة كبيرة جداً بقدر ما نتعمّق بها نكتشف ابعادها. انّه البير العميق على عكس السر في المعنى الأول، كلما كشفنا سرّه وغوره ظهرت قيمته. مثلاً بقدر ما نتعلم كيف الله صار إنساناً نكتشف قيمة الله ومحبّته الكبيرة. فكلما اقتربنا اكتشفنا عظمته...

3- الكلمة الثالثة في موضوعنا هي الخـلاص:
خطة الله كانت أن يخلق الإنسان على صورته ومثاله ليبني علاقة مع هذا الإنسان الذي يشبهه بالحرية والإرادة. خلق إنسان مميّز ليخلق معه علاقة بنويّة أبويّة بمعنى مسيحي إيماني. هذه خطة الله بالأساس. فالله لإنه يحبّ، تدفعه محبّته لأن يشارك بها الغير. الربّ غني ليس بالإنغلاق بل بالإنفتاح. لكن دخلت الخطيّة، كسرت العلاقة. فتخربط المخطط. فرجع الله من جديد يجدّد خلق الإنسان بالخلاص، وليرجع السلام إلى الإنسان من بعد أن اصبح في حالة اضطراب بسبب الخطيئة.
عَبَرَ الله نحوَ الإنسان أول مرة بالخلق. ورجع الله عبر نحو الإنسان بالفداء لما مات وقام من أجله. الخلاص هو العبور، الفصح، ويعني العبور من الخطيئة إلى النعمة، من البعد إلى القرب مع الله.
أذاً. "الكنيسة هي سرّ الخلاص"..

يعني نحن جماعة المؤمنين علامة إن الله عبر بنا من حالة الخطيّة إلى حالة النعمة والسلام. فنحن عندما نعيش فرح حضور الله وفرح لقائنا مع بعضنا البعض نصير علامة.

موضوع اليوم يُقَسَّم إلى أربعة نقاط..
الكنيسة علامة وسرّ الخلاص..
1- الكنيسة علامة الإتحاد بيسوع. الرمز الخارجي أي الجماعة تُظهر أن هناك إتحاد بيسوع عندما تكون مع بعضها البعض.
نقول في النؤمن :
"كنيسة واحدة جامعة مقدّسة"، كنيسة مقدّسة لأنها علامة الإتحاد بيسوع. يقول القديس بولس إنّ يسوع أحبّ الكنيسة وطهّرها بدمِهِ ونقّاها وإتّخذها عروساً. عروس المسيح وجسد المسيح. فالجسد يعني أنها لوحدها منفصلة عن يسوع وبنفس الوقت لأنها عروس المسيح هي متّحدة بيسوع. باللاهوت نشغل إيماننا مع فكرنا. نقول بالزواج إن العروس والعريس يصيران جسداً واحداً. والكنيسة؛ يسوع أخذها له عروساً يعني توحّد فيها وصارا جسداً واحداً، أن هذا الإتحاد صار اتحاداً روحياً. وتبقى الكنيسة محافظة على كيانها البشريّ، أي ضعفها ونواقصها ولكن المسيح خطبها واتحدت به إتّحاداً روحياً معنوياً فعلينا أن نسعى للمحافظة عليه.
كلنا معمدين ولبسنا المسيح لكن هذا لا يعني أننا صرنا بالألوهية. أنا ما زلت إنساناً وعليَّ أن أسعى وأعي أن يسوع حاضر معي روحياً وهو حاضر بالآخر أيضاً. الإتّحاد حاصل وليس ملموس. عليَّ أن أسعى لإنفتاحي على الله وعمه فيَّ.

2 - إنها علامة اللقاء بيسوع..
هي كنيسة رسوليّة: الكنيسة تُرسِلُنا نحوَ المسيح من خلال الصلوات والتعاليم وخدمة الأسرار. والكنيسة تُرسِلنا نحو الإنسان الآخر. اللقاء بالمسيح من خلال العمل. يسوع يدعو الجميع وما زال الى اليوم يدعو الجميع للقاء به من خلال الكنيسة. يسوع يطلب ان نلاقيه على طريقتِه من خلال سرّ الإعتراف. الكنيسة هي علامة اللقاء بيسوع. اسّسَ الرب الكنيسة. "كما أرسلني الآب أُرسلُكُم". الكنيسة مطبوعة بطابع الرسالة.
علينا أن نقوّي الباطن وهذه الطاقة الداخلية لا تستطيع أن تبقى في الداخل عليها أن تطلع. فالقديسين كانوا يمتلئون من الله وهكذا نرى الله في وجوههم.
هو ارسَلَ الرُسل. "تلمَذوا وبشّروا وعمّدوا". كل ما في الكنيسة دليل على يسوع. الأسرار، التعليم، المحبة الأخوية، اللقاءات، كلّ نشاطاتنا ستدل على يسوع. نحن مؤتمنين على رسالة. الكنيسة علامة يسوع الحاضر الفاعل الذي يُنعم علينا بالعطايا. هو الخير الأعظم الذي يضع الخير بحياتنا ويجعلنا نعطي مثله. يسوع يُعطينا لنعطي. لنكون علامة من خلال عملنا وحضورنا. أن الله حيّ في ألأشخاص. حيّ فينا. "لست أنا الحيّ بل المسيح حيّ فيَّ". ونحن بخدمتنا للآخر الله يرسلنا وهو حاضر فينا.

هنا نتوقف لنسأل ثلاثة أسئلة:
أ‌) هل أنا احترم الإنسان فيَّ وفي غيري وكأنه علامة لحضور الله؟
ب‌) هل أنا مستعدّ أن اتعلّم قراءة إرادة الله من خلال الإنسان قربي؟
بمعنى اذا انا او اي احد تعرّض لمصيبة هل ارى فيها كارثة او أن الله يناديني لرسالة ما؟ هل أقرأ علامات حضور الله؟.
ج‌) هل في حال الكنيسة أعطت تعليم قاسٍ ولست قادراً عليه، هل أرى فيه إرادة الله أو أقوم عليه وأعترض؟ وهل نقرأ نحن بتعليم الكنيسة إرادة الله؟.
كلنّا قادرين بعمل صغير أن نجعل الله حاضراً..

3 - إنها علامة الوحـدة بين البشر..
نسمّيها جامعة. الإتحاد فيما بيننا. هكذا يقول المجمع الفاتيكاني الثاني. "علامة واداة الوحدة بين افراد الجنس البشري". الكنيسة لا تتوقف عند عرق او لون او عنصريّة، ليست مخصّصة لإحد، هي للكل.
نحن جماعة صغيرة ببحر كبير. نحن الخميرة. اقامنا الله شعباً لكي نشترك بالحياة والمحبة والحقيقة مع بعضنا البعض. نصبح اداة وخميرة نخمّر كل من حولنا. وهكذا دعوتنا أن نكون ملح ألأرض ونور العالم.. ملح الأرض ليس لنكون مميّزين، الملح وحده لا ينفع، علينا الذهاب للعمل لنملّح الكل ليكونوا بطعمة المسيح. رسالتنا رسالة جمع.
"أتُحِبّني. إجمَع خرافي."
علينا أن نعيش روح ونفَس الجماعة. وهنا دور الأسقف في أن يجمع. ونحن نكون جزء من جماعة المسيح الذي بدمِهِ أبعّدَ العداوة.
ونحن لما نطلع من انانياتنا، نجمع. البغض والمصلحة يفرّق، وكل ما يدل على التكبّر يفرق. وما يجمع هو الحب، المسامحة، الحوار والإصغاء. مهم جدّاً أن نسمع لبعضنا البعض. وبالإصغاء لإلهامات الروح تقوى الجماعة وتكون علامة وحدة بين البشر.
لا نخاف على كنيستنا اذا انفتحت على الآخرين. نخاف فقط عندما لا تعود منفتحة على الروح القدس وعلى الآخرين. كنيستنا مدعوة لتكون علامة الوحدة بين البشر.
- كيف أقبل من هوَ متغيّر عنّي؟. كيف أتقبّل الذي يفكّر غير أفكاري وعنده غير تقاليد؟. كيف أكون واسعاً على قدر قامة المسيح؟.

4 - إنها علامة ديمومة حضور المسيح معنا.
مَثل تلميذي عِماوس. لم يعرفاه إلاّ عند كسر الخبز. ولما غاب عنهما دخل قلبيهما وتغيّرت كل حياتهما. يسوع ينادينا وهذه الكنيسة تعطيني علامة لحضوره الخفي الدائم كما فعل عندما غاب عن أعينهما لما عرفاه عند كسر الخبز. الكنيسة هي علامة حضور يسوع المسيح الدائم، هي تُعَرِّفنا على يسوع الذي يُصغي إلى أسئلتنا، يسمع لنا ويسمح لنا أن نسأله، ننتقده، نلومه، ننتفض أمامه.. عندما نؤمن بأن الله يمشي معنا ونعيش معه صادقين، نشهد له. هو دائماً معنا يسمع لنا ويلهمنا بما نعمل.
هو الذي يسير معنا على دروب حياتنا..
يسوع هو سرّ الآب علامة حضور الله..
الكنيسة هي سرّ الآب والأبن علامة حضور الله..
ونحن علامة للآب ويسوع المسيح والكنيسة من خلال حياتنا.

اسئلة للتفكير والتأمل:
كيف نكون علامة للمسيح (ليس هيئة بل رونق)..
هل الذي يرانا يشعر أن الله حاضر؟ مَن ينظر ألينا هل يرى فعلاً أن الله حاضر وفاعل؟.
آميــن.