"ها أنا أبشّركم بفرحٍ عظيم"

الموضوع:
"ها أنا أبشّركم بفرحٍ عظيم"
الخوري بيار سمعان

مقدمة:
نجتمع اليوم على أبواب عيد الميلاد لنتأمّل بهذا الفرح العظيم الله صار إنساناً، نجتمع كأسرة واحدة إسمها: "عيلة مار شربل" رهبان علمانييّن بقلب العالم أوكلت إليهم بناء حضارة المحبّة وثقافة السلام وفرح الإيمان وحب الأرض والوطن. هنيئاً لكم التكريس الفوج الأول من اسبوعين في دير سيدة الجبل فتقا.

أشكركم جميعاً على دعوتي على هذه الرياضة وكما أشكركم أيضاً أنتم الذين لبّيتم الدعوة لتنمية إيمانكم المسيحي وللتفكير بالمسؤوليّة الملقاة على عاتقكم: مسؤولية العيلة الصغيرة والكبيرة مع كلّ الأجيال الصاعدة وإعدادها أفضل إعداد لتواجه تحدّيات العصر وتنجح في تحقيق مستقبل زاهر وتساهم في إعادة بناء الإنسان في وطننا الحبيب لبنان على أسس الحق والخير والجمال.

أمّا الموضوع الذي طلب مني فهو"ها أنا أبشّركم بفرحٍ عظيم" لوقا2/ 8-11

أي فرح الميلاد وإليكم عرض لتصميم الموضوع:

أولاً: فرح البشارة بالخلاص

إنّه فرح العبور
كيفيّة هذا العبور
معرفة الله هي مصدر فرح وحياة

ثانياً: عشر نقاط تساعد في اختبار هذا الفرح المسيحي

خاتمة: كلام البابوات وبعض المراجع الكتابيّة مع أسئلة لحلقات الحوار

أولاً فرح البشارة بالخلاص

"لا تخافوا ها إنّي أبشّركم بفرحٍ عظيم يكون فرحَ الشعب كلّه، لأنّه قد ولد لكم اليوم مخلّص...وهو المسيح الربّ..."(لوقا2/8-11). من بين كلّ البشر إختار الله الرعاة"الساهرون" البسطاء بمعنى غير معقّدين، الأحرار غير مقيّدين، مستعدّون لمواجهة الردّ والخطر في سبيل خرافهم.

القلق والخوف يقتل فينا كل مبادرة نحو الفرح والإزدهار والتقدّم... من غير الممكن أن ننفصل بين مصير المؤمن ومصير المسيح في ميلاده وموته وقيامته، فإذا كانت الغلبة للمسيح فهي لنا أيضاً، ودخول الإنسان في الرجاء أساسي لإختبار الفرح وعدم الخوف، وكما قال الشاعر المؤمن البولوني:"نحن لا نمشي خلف المخلّص الذي يحمل صليبه، بل خلف المسيح الذي يحمل صليبنا" والعبور إلى الرجاء أي أن نكتشف أن لنا آب يحبّنا.

لمن بشّر الملاك فرح الميلاد وما هو هذا الفرح؟
فرح الميلاد موجّه لكلّ الناس دون إستثناء: للأغنياء وللفقراء على السواء، للأصحّاء وللمرضى، للناس الذين ينعمون بالسلم وللناس الذين يقاسون مرارة الحروب والمنازعات، للناس السعداء وللذين يعانون من مصائب هذه الدنيا، لأن ملاك الرب أكّد قائلاً:"أبشّركم بفرحٍ عظيم يكون فرحَ الشعبِ كله"، ولكن يجب أن نفهم معنى هذا الفرح، والسبب الذي من أجله صار ابن الله إنساناً.

يمكن لأي إنسان أن يكون صادقاً ونزيهاً ومستقيماً دون الميلاد، لكن عمله يبقى ضمن حدود الطبيعة البشريّة، أما الإيمان بميلاد المخلّص فهو جواب على دعوة الله لمشاركته حياته الإلهيّة، أي إنّ حدث الميلاد هو أصلاً الإيمان بالقدّوس الذي يقدّسنا، أكثر بكثير من حسن السلوك، هناك مشروع إلهي لتأليه الإنسان، ليشارك هذا الإنسان الله في مجده في حياته الأبديّة في مقرّ عزّته في الفرح الدائم في وليمة عرس الحمل..

  • إنّه فرح العبور:

كما كان مع موسى فرح العبور من أرض العبوديّة إلى صحراء الحريّة، هناك فرح جديد وعبور جديد، إلى ارضٍ جديدة وموطن جديد، فرح لم تصنعه أيدي بشريّة، عبَرَ يسوع إلينا عِبرَ مريم لنعبر به إلى السماء، ابن الله حلّ في أحشاء مريم، فصار حشاها أوسع من السماء، لقد أخذ جسدنا، وأعطانا جسده.

يحدّثنا سفر الخروج عن مسيرة الشعب في البريّة.
لنفكّر بهؤلاء الأشخاص السائرين في البريّة بقيادة موسى، كانوا قبل كلّ شيء عائلات: آباء، أمهات، أجداد، رجال ونساء من مختلف الأعمار فضلاً عن العديد من الأطفال والمسنّين المتعبين... إنّ هذا الشعب يجعلنا نفكّر بالكنيسة السائرة في بريّة عالم اليوم، يجعلنا نفكّر بشعب الله المؤلّف بغالبيّته من عائلات.

هذا ما يحملنا على التفكير بالعائلات، بعائلاتنا السائرة يوميّاً على دروب الحياة والتاريخ... ليس بمقدورنا أن نتصوّر حجم القوّة والزخم الإنساني والفرح الموجود بالأسرة: المؤازرة المتبادلة، المرافقة التربويّة، العلاقات التي تنمو مع نموّ الأشخاص، مقاسمة الأفراح والمصاعب... على مثال فرح يوسف ومريم والرعاة في مغارة بيت لحم...

لكن العائلة في المقال الأول هي المكان الذي ننمو فيه كأشخاص، "بالقامة والحكمة والنعمة" كما أنها في الوقت نفسه "الحجارة" اللازمة لبناء المجتمع والكنيسة.

  • كيفيةهذا العبور:

بالروح القدس عرفت مريم نداء الروح وتبعته، نحن أيضاً حلّ فينا الروح القدس، مريم مثال الحبّ، والروح يصنع المعجزات.

فرح الميلاد هو البشرى السارة وهو أقوى من أي ضيق في الحياة،

فرح الميلاد هو الرجاء الصالح لبني البشر والرجاء الوطيد، وسط المحن والصراعات التي تطبع تاريخ البشر. ليست البشارة حدثاً ينتهي في الماضي، بل هي في آن بشرى مستمرّة للبشريّة بأن الكلمة النهائيّة ليست للظلم والعبوديّة ليست لقوى الشرّ مهما عظمت، بل لله الذي خلق الكون، والإنسان أعاد له الحريّة في تمام الأزمنة...

فرحي هو بعمّانوئيل الله معنا، هو إيماني بالله "المحبّة" الذي تعرّفت عليه بإبنه الوحيد يسوع المسيح الذي صار مثلي إنساناً لأصير أنا مثله ابناً لله.

فرحي هو كنيستي صلتي بالله، بسرّيّ التجسّد والفداء أي سرّي العبور نزولاً وصعوداً...

فرحي هو أسمى من أن يكون مجرّد مباهج خارجيّة أو شكليّة.

فرحي هو بشرى سارّة، خبر مفرح: إلهي صار معلن، صار مثلي إنساناً، كشف عن ذاته وينتظر منّي أن أكشف له عن ذاتي بكلّيتها أمامه. (السامريّة...)

هذا هو عيد ميلاد يسوع المسيح:"إنّه البشرى بأنّ الله دخا في حياة الإنسان"

ويقول بولس الرسول: "ولمّا كنّا أمواتاً بخطايانا أعاد إلينا الحياة في المسيح، حتى يجبُلَنا ويخلُقَنا من جديد".

فالميلاد إذاً هو خلقٌ من جديد وفرح جديد.

الميلاد يرفع شأن الإنسان ويعيد له الكرامة التي خسرها بالخطيئة، فيُصبح من جديد شريك الله في الكون ومسؤولاً عن حياته وعن حياة باقي المخلوقات. وهذا هو الفرح العظيم.

  • معرفة الله هي مصدر فرح وحياة:

تنظر الكنيسة إلى الإنسان كما ينظر إليه خالقه، فهو كائن ماديّ ونفسي وروحي، والمستوى الأسمى فيه هو الروح. إنّه مشروع إلهي، الله الرامي إلى إعطائنا الفرح الحق الفرح الأبدي إذا عرفنا الله ندرك الفرح "الحياة الأبديّة وهي أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي" (يو17/3)

الإنتماء إلى المسيح هو حسٌّ داخلي شخصيّ وجماعيّ، من جهة يربطني بكلّ أقوال وأفعال المسيح ومن جهة يربطني بالجماعة المسيحيّة التي تصبح بدورها مصدر فرح بكلّ من فيها وبكلّ ما فيها. وذلك يتطلّب وعياً لأبعاد معنى الفرح الذي يترجم بالإلتزام الحرّ والفعّال.

الميلاد خلقٌ جديد والكلّ مسؤول عن عملية الخلق هذه، أي كل العائلة البشريّة، لنعمل معاً على تحقيق هذا المشروع الإلهي، على مثال زكريّا واليصابات ومريم ويوسف والرعاة والمجوس والملائكة ويوحنا و... ولولا مشاركتهم جميعاً لما تمّ عمل الفداء والخلاص ولما كانت الحياة بوفرة لبني البشر.

لنسعى بجديّة لتحقيق ما نؤمن به وما نعرفه وما نعلّمه ليكون عمّانوئيل الله معنا هو الفرح المنشود.

ورأس الحكمة مخافة الله، لا الخوف من الله، عندما ندرك قوة الإنجيل الذي يحرّرنا من كل خوف ومن كل عبوديّة ويمنحنا الخلاص ويجعلنا مستعدّين لخدمة الإنسانيّة والأمم والبشريّة جمعاء، بروحيّة هذه الحقيقة الإنجيليّة، إذاك يصبح العالم بأسره مغارة بيت لحم التي كانت وستبقى من دون باب منفتحة على كل العصور والثقافات والحالات...

  • ثانياً: عشر نقاط تساعد في اختبار هذا الفرح المسيحي
  1. العلاقة الشخصيّة بالمعلّم: قبل أيّ شخص آخر، عاشر الإنجيل كلمة حياة
  2. الإيمان الناضج العملي: أكثر منه القائم على العاطفة الظرفيّة...
  3. الصلاة من القلب: أولى ثمار الصلاة هي السلام والفرح...
  4. المشاركة: هي أولى علامات الفرح وأولى ثماره. السهر على أعمال الرّحمة...
  5. الجماعة: تخلق في حياتك جواً فرحاً تحييه روح إنجيليّة قائم على الحريّة والمحبّة..
  6. إعطاء المثال الحيّ: بالغيرة والإندفاع والإلتزام بفرح صادق جذّاب
  7. يضاً يشبه ملكوت السموات كنزاً مخفي في حقل وجده انسان فأخفاه ومن فرحه مضى وباع كل ما كان له واشترى ذلك الحقل (متى13/44).
  8. المغفرة: لا فرح يضاهي فرح السامريّة والمجدليّة... الإبن الضال، الدرهم والخروف الضائع.. "أقول لكم إنّه هكذا يكون فرح في السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين بارا لا يحتاجون إلى توبة" (لو15/7)
    المغفرة فرصة حقيقية للفرح بين أعضاء العيلة. التضامن مع الخاطئ يولّد الفرح. الأصحّاء ليسوا بحاجة إلى طبيب والقداسة عمل مشترك ومستمرّ، يتضامن الجميع لإنجاحه ولا يقتصر على عمل فردي. ليصل فرح الميلاد إلى أهدافه السامية وهو فرح القديسين. علينا وضع مشروع القداسة الأول في سلّم الأولويّات. "ولكن لا تفرحوا بهذا أنّ الأرواح تخضع لكم بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السموات" (لو10/20).
  9. حضور: كن حاضراً وليس موجوداً... مساعدة الذات والآخر على اكتشاف الفرح المبني على حضور الربّ العمانوئيل وحضورك في قلب العالم. "فخرجتا سريعاً من القبر بخوف وفرح عظيم راكضتين لتخبرا" (متى28/8)
  10. الحوار: الحوار يسبّب الفرح والعكس صحيح. الإصغاء والحوار لإيجاد الحلول معاً للمشاكل كافّة، ولتفاديها. مثل زكا "فأسرع ونزل وقبله فرحاً" (لو19/6)
  11. الأمانة: هي سبب فرح كبير وإذا فقدت فقد الإنسان فرحه، والأمانة تسبب الإستقرار العاطفي والعائلي والرعوي والعملي... الأمانة في الإعتراف والمناولة أكبر سبب للفرح عند المؤمن.
    "فقال له سيّده نعما أيّها العبد الصالح والأمين كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير. أدخل إلى فرح سيّدك" (متى25/21).

خاتمة: كلام البابوات وبعض المراجع الكتابيّة مع أسئلة لحلقات الحوار

جاء في كتاب البابا لاون الكبير: "لأنّه لم يكن هو الذي نزل إلينا بتواضعه فلا يستطيع أحدٌ أن يصل إليه باستحقاقاته الخاصّة "لولا تواضع المسيح ما كنّا إستطعنا أن نصل إلى فرح ملكوت الله. ويضيف البابا نفسه قائلاً: "تذكار ميلاد الرأس هو أيضاً تذكار ميلاد الجسد" من هنا فرح الميلاد هو فرح شخصي وجماعي، عيد ميلاد المسيح هو عيد ميلادنا نحن، هو الرأس ونحن الجسد، وهذا التشبيه يدل على الوحدة الحميمة الموجودة بين المسيح وبيننا وبين المؤمنين بعضهم مع بعض. تنوع الأعضاء هو غنى كبير وسبب فرح كبير، ويجب أن يقوّي الوحدة إن مارسه الأعضاء من أجل خير الجسد كلّه.

إعلان البشارة سبب فرح عظيم: جاء في "رسالة الفادي" للقدّيس البابا يوحنا بولس الثاني: "يترسّخُ الإيمان بالإعلان". إنَّ محبّة المسيح هي التي تملأ قلوبنا فرحاً وتدفعنا إلى البشارة. واليوم كما بالأمس ترسلنا محبّة المسيح على طرقات العالم لنعلن إنجيله إلى شعوب الأرض كلّها. فالمسيح، بحبّه، يجتذب الناس إليه من جميع الأجيال: ويدعو الكنيسة في كلّ وقت، ويعهد إليها إعلانَ الإنجيل بتوكيلٍ جديد. لذلك تبرزُ اليوم ضرورة التزام كنسيّ أكثر قناعة لإعلان البشارة الجديدة من أجل إعادة اكتشاف فرح الإيمان واستعادة حماسة نقل الإيمان.
- ولا يغيب عن بالنا الإرشادان الرسوليّان فرح الإنجيل وفرح الحبّ لقداسة البابا فرنسيس...

أسئلة حلقات الحوار: بعد قراءة إنجيل لو 2/ 1-20

  • هل يمكن للحياة الروحيّة أن تنمو وتزدهر، إذا كانت رهينة الخوف والقلق؟ 
  • ​وما هي أهمية فرح الميلاد بعد 2016 سنة؟ وما معنى عبارة "والرجاء الصالح لبني البشر"؟ وما هو دور كل واحد منا في تحقيق هذا العبور إلى الرجاء؟
  • عمانوئيل =إلهنا معنا: هل تؤمن انه فرح الماضي والحاضر والمستقبل؟ لماذا القلق والخوف ما دام موجوداً؟ وهل كان ميلاد المسيح ضروريّاً لخلاص البشر؟ ولمَ الإنسانيّة بحاجة للخلاص؟
  • كيف تكون ساهراً كالرعاة لتكون فرحاً مثلهم؟ وهل أنت مستعدّ للفرح العظيم؟ ما الذي يمنعك؟
  • في وسط المشاكل في وسط القلق وعدم الأمان، عن أيّ فرح نتكلّم؟ وهل مسيحك نائم في مذوده ضعيفاً مهان؟ أم ماذا؟ ولِمَ لا يمكنه أن يُلغيَ الشرَّ والألم؟

نورد بالختام بعض المراجع الكتابيّة في الفرح (وهناك المئات غيرها)

  • (يوحنا3/29) "من له العروس فهو العريس. وأما صديق العريس الذي يقف ويسمعه فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس. إذا فرحي هذا قد كمل".
  • (يوحنا15/11) "كلمتكم بهذا لكي يثبت فرحي فيكم ويكمل فرحكم".
  • (يوحنا 16/22) "فأنتم كذلك عندكم الآن حزن. ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم".

رياضة فصلية لعيلة مار شربل 10كانون الأول 2016