انجيل يوحنا (10/25-30)
باسم الآب والابن والروح القدس الاله الواحد آمين.
"خرافي تسمع صوتي هي تتبعني وأنا اعطيها الحياة الابدية."
الرب يسوع يدعونا ان ندخل في حوار معه نحن الذين يسمينا خراف. "خرافي تسمع صوتي": لأنه يحاور ومن يسمع صوت الرب يتبعه، يسير في طريق جديد، في رؤيا جديدة، هذا الطريق يؤدي الى الحياة: سماع واتباع وحياة.
هذا هو الحوار الذي بدأه الرب يسوع مع البشرية وهذا هو الحوار الذي منه تنطلق كل حياة إجتماعية في الأسرة الدمويّة وفي الأسرة الوطنية. وهذا ما نحن بأمس الحاجة اليه اليوم.
وهذا هو موضوع تأملنا حول الأرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان": الحوار في الشأن الوطني اللبناني.
نجتمع اليوم، كما العادة، كل ثاني جمعة من الشهر لكي نتذكر زيارة قداسة البابا ولكي نقدم الذبيحة على نيته وبخاصة على نواياه من خلال دعوته لانعقاد سينودوس من أجل لبنان الذي توج بالارشاد الرسولي: "رجاء جديد للبنان". ولكي نصلي من أجل الكنيسة في لبنان و من أجل التزامنا في عيش العنصرة الجديدة التي يعبر عنها قداسة البابا في السينودوس: "أن نصغي لما يقول لنا الروح" فنعود لنبني معاً" مجتمعنا اللبناني.
ونذكّر بأن هذه العادة ابتدأناها سنة 1998 لكي نتذكر هذا الحدث التاريخي في حياتنا وقد اتفقنا أن نلتقي حول ضريح القديس شربل، قديس لبنان لكي تقدم صلاتنا على يده، نقدمها على نيّة الكنيسة في لبنان، على نيّة قداسة البابا وعلى نيّة كل أبناء الكنيسة، مؤمنين ومؤسسات وأبرشيات ورهبنات وبخاصة الرهبانية اللبنانية المارونية التي أعطت القديس شربل والقديسة رفقا والطوباوي الحرديني هذه الرهبانية التي تحتفل بعد يومين في العاشر من الشهر ب307 سنوات من عمرها . بدأت سنة 1675 و تثبتت قوانينها في العاشر من تشرين الثاني.
نصّّّّّّّّّلي بنوع خاص من أجل الرهبنة اللبنانية المارونية لكي تستمرّ شاهدة للمسيح في مجتمعنا اللبناني وتحت كل سماء وحيث تنتشر برسالاتها في العالم ونلتمس شفاعة القديس شربل، هذا القديس الذي دخل في حوار عميق مع كل الناس وكل الذين يزورون ضريحه يشعرون بهذا الحوار الذي يقيمه معهم وهم معه.
تأملنا الليلة حول الحوار، وبالأخص حول الحوار الوطني. نذكر أنه وصلنا إلى الفقرات "89-90-91 و92" في الارشاء الرسولي التي تتكلم عن الشأن الوطني في لبنان، كذلك في برنامج الكنيسة المارونية الذي يتناول لسنة 2003 الحديث عن تطبيق الشأن الوطني.
لكن قبل الدخول في موضوع الإرشاد، نعود ونذكّر أن الرب يسوع دخل معنا في حوار وهوَ "الكلمة". ولو أنه في زمن تجسده على الأرض استعمل كلمة حوار لما فهمه الناس. وبما أن المجتمع آنذاك كان مجتمع رعاة، فقد خاطبهم باللغة التي يفهمونها، متخذاً أفضل صورة للتعبير قائلاً: "أنا الراعي الصالح". دعا نفسه "راعٍ" ودعا كلّ الناس "خرافه". وتابع يقول: "أنا أعرف خرافي واحداً واحداً وهذه علامة ثقة كبيرة وعلامة رجاء، إذ انّ كلّ واحد منّا ليس مجهولاً عند الربّ يسوع. كل واحد منا في حظيرة يسوع المسيح. ويقول الرب: "أدعوها بأسمائها" وهذا ما ينفي منّا كل ضياع وكل خوف. هذا يعني أن الرب يعرفنا واحداً واحداً ويحدثنا كل يوم ونحن نسمع صوته. وفي الحقيقة، فالربّ يحاورنا كل يوم في كلام الإنجيل، في تعاليم الكنيسة، في أحداث حياتنا اليوميّة، في صوت الضمير، في إيحاءات الروح القدس، في الطبيعة، في الخلق في الناس الذين يحيطون بنا.
اذاً الربّ يسوع في حوار دائم مع كلّ واحد منا، وكلّ واحد منا يسمع هذا الحوار، يسمع صوت الربّ أينما كان، أفي السيارة أو البيت أو العمل. نحن نستطيع أن نفتح قلبنا ونسمع هذا المتكلّم معنا. كما نسمع أي شيء آخر من أخبار وأغان...
إلا أن الآلة التي نسمع بها صوت الربّ هي القلب. وقفة صامتة تأملية: هذا هو عمق الصلاة. فقبل أن تكون كلمات، الصلاة هي إصغاء للربّ المتكلّم وأمّا جوابي إليه فيكون صلاة.
لا يستطيع الإنسان أن يصلّي إلاّ إذا سمع صوت الربّ. فالصلاة اذاً هي إصغاء ثم كلام. وكلامنا هو عبارة عن موقف. (من يسمع صوتي يتبعني). فنتيجة حوار الله معنا، هو إتّباعنا له في طريق جديد. طريق الحقيقة الموحاة إلينا في أحداث حياتنا الصعبة أو السهلة، في مرضنا وفي صحتنا، في مشاكلنا مع الناس، في البحث عن معنى لوجودنا، في الأمانة لوظيفتنا، لدعوتنا... نحن بحاجة لمن يخاطبنا. في محطات حياتنا الصعبة التي لا نجد لها حلولاً، في تساؤلاتنا التي نبحث لها عن أجوبة. الأجوبة والحلول تأتينا من هذا الحوار مع الربّ يسوع. لذلك: "خرافي تسمع صوتي فتتبعني". اذاً الربّ يفتح لي طريقاً جديداً ويعطني حلولاً ويمشي أمامي. هو الذي قال عن نفسه: "أنا الطريق والحق والحياة". وقد اختبر حياتنا البشرية كلها في مصاعبها ومشاكلها. اختبرها وأعد أمامنا الطريق، طريقاً جديداً نسلكه فيعطينا الحياة: أحاور الرب، أسلك طريقاً جديداً ويعطيني الحياة؛ بكل معانيها: الحياة الوجود والحياة النعمة والحياة الفرح. وكلمة "حياة" في الإنجيل تعني كلّ خيرات هذه الدنيا. كل ما يريده الإنسان يعطيه إياه الرب. وهو يريد أن نفعل ذلك مع بعضنا البعض.
نعيش هذا الحوار ونصغي لبعضنا البعض ونتبادل الآراء فنكتشف حقيقة ما، ثم تأتي الحلول. لا نجد حلولاً لأي مشكلة الاّ بالحوار. ابتداءاً من المنزل الزوجي بين الزوج والزوجة، الأهل والاولاد، مروراً بالأصدقاء في الجيرة والشارع وفي الحَيّ أو الضيعة وصولاً إلى الوطن. لا حلولاً تأتي من دون حوار. نجلس ونتحاور بشرط أن يُصغي أحدنا للآخر وأن يبحث كل واحد منّا من جهته عن الحقيقة الغير موجودة عنده. لذلك فالحوار الذي ينطلق من حقيقة ثابتة عندي، ليست موجودة عند الطرف الآخر لا يكون حواراً. فما من خلاف يقع ويكون كلّ الحق مع طرف واحد. لذلك يجب علينا أن نقر بأننا مخطئون في شيء ما وأن نقبل أن نعترف بهذا الخطأ. من واجبنا اذاً أن نسمع للآخر من كل قلبنا وعندئذ سوف نجد طريقاً جديداً نسلكه معاً. أما أن نغلق أفواهنا وآذاننا في وجه الآخر وأن نعاتب ونلوم فهذا لن يؤدي بنا الى أي مكان، بل على العكس سيزيد الامور تعقيداً، ويبعدنا بالتالي عن بعضنا البعض وهكذا نبتعد الحقيقة.
وأما إذا سمعنا وتفاهمنا مع بعضنا البعض وجدنا الحقيقة التي تجمعنا وسرنا لنجد الحياة.
هذا هو الواقع الذي يدعونا إليه كلّ يوم الربّ يسوع، لكي نكون جماعة الحوار لأن الربّ الذي يحاور، يحاور كل حين كما يقول القديس برناردوس: "ان يسوع هو الكلمة المتكلّمة دوماً في كل إنسان".
أن ندخل في هذا الحوار مع الله، هي قيمة الصلاة والتأمل لأن الصلاة ليست فقط أن نصلي ونرن، بل هي قبل كل شيء حوارعميق بيني وبين الله، يكشف لي وجهاً جديداً وحقيقة جديدة ويجعلني فعلاً ومن كل قلبي أصغي لما يقول هذا المتكلم معي أبداً لكي أنا بدوري أحمل هذا الحوار للآخرين.
والحوار الوطني الذي يميّز لبنان بين كل الدول، أقله في الدستور (لأن الدستور لم يتغير، بل الممارسة هي وحدها تغيرت) الذي يقول أن لبنان قائم على الحوار الوطني. وكون النظام اللبناني في الدستور لا يزال نظاماً ديمقراطياً لا يستطيع أن يكون نظاماً ديكتاتورياً ولا نظاماً توتاليتارياً ولا نظاماً عسكرياً ولا قهرياً ولا تسلّطياً كما هي سائر الأنظمة في هذا العالم العربي المسكين. فلبنان وحده حامل رسالة أرض الحوار.
لذلك تنص المادة /9/ من الدستور اللبناني: "لبنان يحترم الله ويحترم كل الطوائف الموجودة فيه ويعترف بخصوصياتها ويقوم الحكم فيه على التوافق. "نعم فالحوار اذاً هو ميزة لبنان. والإرشاد الرسولي يحدثنا في الفقرة /89/ ويقول: إنّ لبنان لا يستطيع أن ينهض من مشاكله، خاصة اليوم، إلاّ إذا ما اعتمد على لغة الحوار القائمة على ثلاثة أمور:
1- احترام متبادل بين المواطنين.
2- الغفران.
3- تغيير الذهنيات.
نحن اليوم لا نستطيع أن نتحاور كلبنانيّين لأن هذه الأمور الثلاثة ليست موجودة. فليس هنالك إحترام للآخر ولا لرأيه. فهنالك فريق معه كلّ الحقّ وفريق آخر ليس معه أي حق. وأصبحت الأمور: "إذا أنا قلت أبيض تقول أنت أسود واذا سبقتك وقلت أسود تقول أبيض" هذا يعني أنه ليس هنالك احترام.
وثانياً ليس هنالك غفران لأننا كلما نظرنا إلى بعضنا البعض نتذكر كلّ الإساءات ونراها تطل امامنا قبل أن يطل وجه الآخر. وهذا يتجلى في حياتنا العادية اليومية، فحين نرى وجهاً ما نرى فوراً أعماله السيّئة. أما الربّ فلا ينظر إلينا هكذا بل هو يرانا ويقبلنا ويريدنا أن نترك هذه الأعمال السيّئة. أمّا تغيير الذهنيات فهذا ليس موجود عندنا بعد. فكل واحد منا متسلط، متحجر في مواقفه وتطلعاته. لم نغير بعد شيئاً في ذهنياتنا.
لغة الحوار من جهة ثانية، تقتضي احترام كرامة الإنسان، فأنا لا أستطيع أن أحاور بالإساءة. والذي يحصل اليوم ، كما في وسائل الإعلان بين المسؤولين الكبار في الدولة اللبنانية، هو أحاديث اساءة وجرح لكرامة الاشخاص. لا يحق لأحد أن ينتهك كرامة الإنسان الذي يحاوره. فعندما نحاور بالتجريح وكلامنا يكون كسكاكين، لا يكون هذا حواراً. كن كبيراً، كن نبيلاً واحترم الآخر كشخص وقل الذي تريده. كلنا بحاجة لهذه الفضيلة .
ثم هنالك حرية الضمير، فنحن لا نستطيع أن نتحاور والضمائر عندنا ممسوكة والعقول ممسوكة والارادات ممسوكة. ضميرنا هو صوت الله في أعماقنا. لذلك لا يستطيع ضميري أن يكون مسخراً لأحد. أطرح السؤال: هل ضميري حرّ؟ ليس فقط على الصعيد السياسي في لبنان حيث الضمائر مأسورة ومأجورة ومستعبدة بل أيضاً في حياتنا العادية في بيوتنا ومجتمعنا حين نتحادث مع بعضنا: بين الأزواج ، الأولاد وأبناء الحي الواحد، هل ضميرنا حر؟ هل ضميري هو فعلاً صوت الله في أعماقي؟
عندما يكون ضميري هو صوت الله في أعماقي يكون حراً، ولكن حين يكون ضميري هو صوت مصالحي وصوت نزواتي وصوت حساباتي وصوت تحفظاتي وحين يكون ضميري مأجوراً لمن يمنعني من قول الحقيقة، حينها يصبح من الصعب أن نجد اثنين يقولون الحقيقة، وعندها نقرأ في أعينهم علامات استفهام وخوف وضياع.
حرية الضمير الذي حرّره يسوع المسيح، حافظ عليه يا أخي، انتبه أن يكون ضميرك هو صوت الله فيك حتى تتمكن دائماً من أن تقول الحقيقة وتعمل للعدالة وأنت حرّ.
والحرية الدينية على الصعيد الاجتماعي والوطني هي عطيّة لكلّ إنسان. الحرية الدينية تكمن في أنّ كل شخص بشريّ، بعد التأمل والتفكير والدرس العميق، يحقّ له أن يقرر معتقده ويعيش بضوء هذا المعتقد، بشرط أن يلتزم بتعاليمه كاملة. أي أنه لا يستطيع أي إنسان أن يزعم أنّه مسيحي وهو يفعل ما يحلو له، لا يستطيع أن يقول أنه مسيحيّ ولا يعجبه قانون الإيمان مثلاًَ أو هو لا يقبل كلّ الأسرار. مثلاً على ذلك حين يجاهر البعض بمسيحيتهم وتراهم لا يؤمنون بسرّ الزواج المقدّس ويصوّتون للزواج المدني.
إذا أردتَ أن تكون مسيحياً، يجب عليك أن تلتزم بثلاثة أمور رئيسيّة تعلّمها الكنيسة:
أولاً الإلتزام بحقائق الإيمان الموجودة في قانون الإيمان
ثانياً الإلتزام بأسرار الكنيسة السبعة
وثالثاً الإلتزام بقوانين الكنيسة وبسلتطها.
الكنيسة هي جماعة الحبّ والمحبّة ولكن الكنيسة أيضاً هي جماعة الإيمان المنظّم، جماعة القوانين وجماعة السلطة. وها نحن نسمع الربّ يسوع يسلّم رعاية الكنيسة لبطرس والرسل، ويسلمهم مفاتيح الحلّ والربط، لكي يقول لنا أنّ السلطة في الكنيسة تشرّع وتقضي القضاء وتنفذ وتدبر. ونرى مأساة كبيرة في مجتمعنا حين نرى مَن لا يأبهون لقوانين الكنيسة ولا لسلتطها ولا يحترمون رعاتها. يا أخي، لا نستطيع اليوم أن نعيش الحوار مع بعضنا البعض ونبني مجتمعنا سليماً إلاّ إذا رجعنا إلى هذه القيم التي هي أساس كلّ لقاء.
وأخيراً يحدثنا الإرشاد عن اعتماد الحوار الذي يقتضي ويعزّز التضامن. والتضامن هي فضيلة معناها أن يشعر كلّ إنسان أنه مسؤول عن أخيه الإنسان: الكلّ مسؤول عن الكلّ. وحين نعتبر في حياتنا العائلية والإجتماعية والوطنيّة أننا مسؤولون عن بعضنا البعض، حينها نستطيع أن نحاور ونعمل على تعزيز العدالة، لأنه لا حوار بلا عدالة، وتعزيز المحبة الأخوية، والصداقة والتفاهم: هذه هي المقومات التي عليها يقوم الحوار، كل حوار. وهذا ما يذكّرنا به قداسة البابا في الارشاد الرسولي، إذ انّ الغاية من السينودوس والإرشاد هي أن يساهم كلّ منّا من موقعه في إعادة بناء مجتمعنا اللبناني.
نصلي الليلة، ومثالنا القديس شربل، لكي ندخل في حوا ر عميق مع الله، حتى إذا ما دخلنا في هذا الحوار، نمشي مع الربّ يسوع ونتبعه في الطريق الذي يوحي لنا به فنصل إلى الحياة.
على مثال القديس شربل الذي هو اليوم في حوار دائم مع كل الشعوب تحت كلّ سماء وفي كلّ أرض، كما ترينا الرسائل المعروضة والغير المعروضة الآتية من كلّ أنحاء العالم. يبقى شربل إلى الأبد رجل الحوار بيسوع المسيح الكلمة التي تكلم كلّ إنسان.
وإذا دخلنا على مثاله في هذا الحوار، دخلنا في حوار مع بعضنا البعض في الأسرة الصغيرة والمجتمع والأسرة الوطنية.
شعارنا اليوم: "خرافي تسمع صوتي، هي تتبعني وأنا أعطيها الحياة" . آمين