عيلة مار شربل – عنايا الجمعة 14 ايلول 2001
لقاء مع سيادة المطران بشارة الراعي
المناسبة : لقاء ثاني جمعة من كل شهر
عيد ارتفاع الصليب المقدّس
الموضوع : "الإرشاد الرسولي الفقرات 97-98-99 "السلام والمصالحة".
باسم الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين.
"وأنا حين أرتفع عن الأرض أجتذب إليَّ كل إنسان"... آبائي الأفاضل، أخواتي، إخوتي... بآلام السيد المسيح وموته على الصليب أصبح الصليب ينبوع غفران ومصالحة وسلام، وأصبح ينبوع قيمة خلاصيّة لآلام البشر. يرتفع الصليب على جبالنا وقباب كنائسنا وجدران بيوتنا وصدورنا كدعوة حتى نلتمس الغفران والمصالحة والسلام والقيمة الخلاصية لآلامنا. وهذا ما يعنيه السيّد المسيح عندما يقول قبل موته بخمسة أيام:
"أنا حين أرتفع عن الأرض أجتذب إليّ كل إنسان"...
يسعدنا أن نلتقي الليلة بعيد ارتفاع الصليب المقدس حتى نحتفل بينبوع خلاصنا، واقدّم التهاني لكم جميعاً بهذا العيد، ويسعدنا أن نلتقي مثل العادة مع عائلة مار شربل بثاني جمعة من الشهر لنقدّم القداس على نيّة كنيسة لبنان كي تستمر نوراً ويبقى الوطن منارة كما يقول قداسة البابا في الإرشاد الرسولي، وعلى نيتكم ونية عائلاتكم، ومرضاكم وأمواتكم.
ونقدم الذبيحة خاصة على نية قداسة البابا كي يعطيه الربّ القوّة والحكمة ويحقق أمنياته، وعلى نية هذا الدير الذي يحتضن جثمان مار شربل، ليستمر واحة رجاء وإشعاعاً روحياً.
اليوم، تأملنا بالإرشاد الرسولي يقودنا إلى موضوع
"السلام والمصالحة".
نتحدّث عنها في الفقرات 97 – 98- 99.
يقول قداسة البابا، إنّ الآلام التي عاناها اللبنانيون، تقتضي منهم سلاماً ومصالحة. فآلام الفادي أصبحت نبع سلام ومصالحة. والآلام التي نعيشها تقتضي منّا أن نثمر سلاماً ومصالحة. فالصليب هو نبع الغفران، نبع المصالحة والسلام. يقول قداسة البابا أن الأمر يقتضي منّا ثلاثة أمور لنعيش السلام والمصالحة:
1- تنقية الذاكرة والضمائر من كلّ حقد وضغينة.
2- الالتزام ببناء السلام بصبر وثبات.
3- إذا نحن نقيّنا الذاكرة والتزمنا ببناء السلام نكون نحقق العدالة وبناء الإنسان والمجتمع.
ويتحدّث بهذه الفقرات عن ثلاث نقاط نتأمّل بها:
1- نحن شهود السلام.
2- السلام مسؤولية وطنية.
3- السلام يفتح عهداً جديداً للبنان والمنطقة.
- 1- نحن شهود السلام:
السيد المسيح وهب العالم هبة ثمينة، ثمرة موته وقيامته، وهي السلام، إذ قال "سلامي أستودعكم، سلامي أعطيكم، لا كما يعطيه العالم"... لذا فسلام المسيح هو سلام الغفران، سلام المصالحة مع الله والذات وكل إنسان. سلّمنا هذه الهبة حتى يغيّرنا. نعم، السلام يغيّرنا. هو يجعلنا صانعي سلام عندما نعيش الغفران ونعرف أن نحمل صليب الألم. وهذا أيضاً أحد بنود التطويبات "طوبى لفاعلي السلام فإنّهم أبناء الله يُدعَوْن"... (متى 5/ 9).
السلام يساعدنا لنبني حضارة المحبّة القائمة:
أولاً : على الغفران والمصالحة.
ثانياً : على ممارسة الأخوة الإنسانية النابعة من الخلق والفداء: كلنّا أخوة.
ثالثا : نحن ملتزمون بخدمة المحبّة كعلامة نبويّة للملكوت.
هكذا نكون، يقول الإرشاد، شهود لسلام المسيح.
-2- السلام مسؤولية وطنية:
يقول قداسة البابا في الإرشاد "من الأمور الملحّة تغذية الضمائر على السلام والمصالحة، على الوفاق بين أبناء الوطن، ومن الأمور الملحّة جعل السلام عنصراً أساسياً في حياتنا اليوميّة وفي الحوار بين الكنائس وبين الأديان. ومن الأمور الملحّة اتخاذ مبادرات سلام تقوم على احترام الشخص الآخر وصيانة خير الآخر ويسمّيها اقتصاد السلام انطلاقاً من العيلة والمدرسة التي فيها تتم تربية الأجيال حول هذه القناعة، وأننا كلّنا أخوة. هذه التربية هي الأساس الذي يقوم عليه السلام.
بهذه النقطة نعود ونذكر أنه لكي تعيش العيلة وتصير فعلاً تربية على السلام مع الله والذات والأخوة، فإنها لا تعيش هذه الحقيقة إلا إذا كونت نفسها ككنيسة بيتيّة وكعيلة مصليّة. نحن الذين نجتمع هنا أو بالرعيّة نؤلف جماعة مصلّية... لكن الجماعة المصلّية الأولى تبتدئ ببيوتنا، لهذه نعود ونذكّركم بكتاب "صلاة العيلة" لأنّه وسيلة فيها نعيش كنيستنا الصغيرة، وطننا الصغير، ومجتمعنا الصغير، واليوم الحاجة هي ملحّة إلى التربية على السلام.
لماذا ملحّة؟
نصل إلى النقطة الثالثة:
3- السلام يفتح عهداً جديداً للبنان والمنطقة:
لأن السلام وحده الذي نتربّى عليه في بيوتنا ومجتمعنا ومدارسنا، هو يفتح عهداً جديداً للبنان والمنطقة، يقول الإرشاد "مبادرات الصفح والتعاون بين الناس تبدأ انطلاقاً من بيتنا وضيعتنا وصولاً إلى مجتمعنا الواسع"... مبادراتنا في الصفح والغفران والتعاون هي شرط أساسي لبناء لبنان ديموقراطي. لا يوجد ديموقراطيّة، يقول الإرشاد، بدون مبادرات صفح ومصالحة وتعاون. هي شرط أساسي لوجود لبنان المنفتح على الآخرين، الملتزم بالحوار مع الثقافات والأديان. لبنان القادر على تأمين وجود حرّ وكريم لجميع أبنائه. لهذا فإن التربية على السلام والغفران والمصالحة هي من الأمور الملحّة:
1) بدون السلام القائم على الغفران والتعاون لا تقوم دولة قانون.
يقول قداسة البابا، دولة القانون لا تقوم على القوة لتفرض احترامها. لكن دولة القانون تقوم على احترام حقوق الإنسان وإقامة علاقات إنسانية بين الحكام والشعب في جو من الثقة والحريّة. ولا تقوم بدون سلام ومصالحة.
يقول قداسة البابا إن القيام بمصالحة نهائية بين جميع اللبنانيين وبين مختلف الفئات اللبنانية تكون نقطة الانطلاق لرجاء وأمل لمستقبل جديد للبنان، شرط أن تكون هذه المصالحة نهائية بين اللبنانيين. ورابعاً يدعو البابا إلى جعل خاتمة الحرب المسلّحة كما يلي: "ليس المهم أن تنتهي الحرب المسلّحة، بل المهم أن تنتهي الحرب بين المصالح الشخصيّة التي هي أدهى من الحرب المسلّحة"، والكلام لقداسة البابا. لأنّ حرب المصالح الشخصيّة تتحول إلى صراع الكلّ ضدّ الكلّ. يُصاب بهذه الحرب، أي حرب المصالح، كلّ الناس. وهذه حقيقة مُرّة يعيشها مجتمعنا. فالسلام الحقيقي هو بأن تخرج من مصالحك الشخصيّة.
وننهي ونقول أنه وحده هذا السلام القائم على السلام والمصالحة والتعاون الذي يخلق جواً ديموقراطياً في لبنان منفتح يحترم حقوق الإنسان. هذا الشرط الوحيد لعودة مَن تَهَجّر وعودة مَن هاجر.
نصلّي الليلة، حتى نكون بناة سلام وفاعلي سلام نحن الذي اجتمعنا لنحتفل بعيد ارتفاع الصليب. أخوتي، أخواتي، في كل مرّة ننظر إلى الصليب، سواء على قمم كنائسنا أو على جدران بيوتنا أو على صدورنا، لنأخذ هذه الأمثولة أن نلتزم بالمصالحة والغفران وبناء السلام مع الله والذات والأخوة،
"وعندما أرتفع على صليب الغفران والسلام أجذب إليّ كل أحد"
لتكون حضارتنا حضارة الغفران والمحبّة، بشفاعة أمنّا مريم، والقديس شربل والقديسة رفقا والطوباوي نعمة الله.
آمين.