![]()
الأربعاء 9 تشرين الأول 2002
عيلة مار شربل
لقاء مع الأب يونان عبيد – معهد الرسل جونية

الموضوع: "جولة بيبليّة على بعض شخصيات الكتاب المقدس".
باسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد، آمين.
نستعرض اليوم بعض الشخصيات مع التطبيق على حياتنا اليوميّة. أي تأمل بيبليّ. فهذا الشخص التاريخي نعطيه عمره من عمرنا، ونفهم بهذه الطريقة أن كلّ الأشخاص في الكتاب المقدّس ممكن أن يكونوا "أنا". فعلينا أن نأخذ الكتاب المقدّس لا كعلم بل كنوعيّة حياة، كعلاقة مع الله في حياتنا.
شخصيات سبعة: نقرأ حياتنا من خلال حياتهم، معاطاتهم مع الله، وموقفنا نحن. فكل جملة من الكتاب المقدّس ممكن أن تتطابق مع نفسيّة أي واحد منّا. كلمة ربّنا بامكانها أن تدخل إلى كلّ العقول.
"ربّنا يعرض ولا يفرض" فلننتبه إلى هذا، هو يترك لنا الحريّة.
عرض الشخصيات:
1- آدم: هوَ الإنسان الأول الذي خلقه الله على صورته ومثاله. وصورته ومثاله لا يعني شكله، بل يعني الفكر وحريّة العقل وقوّة الحبّ... وهذه من صفات الله نقلها إلى الإنسان محبّةً به.
طلب الله من آدم المشاركة في عملّية السيادة على الأرض. أرادَهُ مشاركاً على كلّ المخلوقات. الله مدّ يده للإنسان بالخلق، وأراده إله صغير، مكمّل، مشارك، منجز ومحقّق لأعمال الله.
لكنّ آدم جُرِّبَ من قبل المجرّب (الحيّة)، ووَقَعَ آدم في التجربة.
فهنا الفرق بين آدم الأول وآدم الثاني، أو آدم القديم وآدم الجديد (الذي هوَ يسوع المسيح).
آدم الأول: هوَ إنسان أرضيّ ونفسانيّ، نقل لنا الخطيئة والموت، بعصيانه جلبَ لنا الخطيئة، وتمرّده وكبريائه وأنانيته وتخطّيه إرادة الله، فنزع يده من يد الله.
أما آدم الثاني: هوَ سماويّ وروحانيّ، أعطانا نعمة الله. نلنا التبرير والتحرير والتنوير. بطاعته رفعنا إلى البرّ والقداسة.
لا يمكن أن أفهم العهد الجديد دون المرور بالعهد القديم، أي أن بوابة العهد الجديد هي العهد القديم. مثل الساقية أو النهر الذي يصبّ في البحر. فالعهد القديم كُتِبَ صور ورموز بأشخاص وحكايات كلّها لاقت تنفيذاً وترجمةً ووضوحاً وحقيقةً وحضوراً بيسوع المسيح.
يعود كل واحد منّا إلى نفسه. أنا "آدم". وإنطلاقاً من تقبّل المعموديّة صرت من نسلٍ مسيحيّ. كنتًُ من نسلِ آدم فصرت من نسلٍ مسيحيّ. ولكن المجرّب ينتظر على باب كل واحد منّا. ولا أنظر إلى البعيد، فإن إعداء الإنسان أهلُ بيته، فلأنظر إلى نفسي، عيني، أذنيّ، جسدي، مواهبي وكبريائي... ومرّات كثيرة أنزع يدي من يد الربّ، وأسمع صوت آخر. أتخلّى عن الربّ وأقع في الخطيئة الأصليّة. وسُميَت اصليّة لأن الإنسان يظن نفسه الأصل وينسى الربّ. فقد ورث كل واحد منّا من آدم. والجميل في الكتاب المقدّس، أننا نجد نفسنا في كلّ وجه من الوجوه. فمثل آدم نحن أحياناً نتجاهل وننسى الربّ لنعمل ما يُريحنا.
2- الوجه الثاني: حواء.
المفهوم الأنثوي في عمليّة الخلق:
ما هوَ دور المرأة، وما مكانتها والأهميّة التي أُعطيَت لها في عمليّة الخلق. لا ننسى المراحل الرئيسيّة في تاريخ الخلق: خلق، تجسّد، فداء وقيامة: مختصر مفيد لتاريخ الخلاص.
إذاً بدأت قصة الخلق بالرجل اولاً دون المرأة، ثم اصبحت المرأة حاجة ملحّة، أي عظماً من عظام الرجل، أي من طينة واحدة. وهذا مفهوم فلسفي، أي حتى في عمليّة الخلق، الاختلاف وُجِدَ. “L’Unité dans la Diversité”، ذكراً وأُنثى خلقهما. فالذكر مهمّ والأنثى مهمّة، لكنهّما مهمّين مع بعضهما.
-المرأة هي الأخيرة في عمليّة الخلق، وكأن كلّ شيء كان معدّاً لاستقبالها.
-المرأة هي مجرَّبَة ومُجَرِّبة. مجَرَّبَة من الشيطان ومُجَرِّبَة لآدم. فالحيّة توجّهت بالكلام للمرأة فظهرت لها الثمرة شهيّة وجذّابة فأكلت ثمّ أكل رجلها. أغوَتْها الحيّة فأغوت آدم.
وكل واحد منّا هكذا.
وهناك أيضاً حواء الثانية التي هي "مريَم". تلكَ قالت "كلاّ"، هذه قالت "نعم". فعمل آدم وحواء سيّء جداً تجاة الرب، لكنّه مهمّ جدّاً لنفهم العهد الجديد. فممّا هوَ سلبيّ، تمرّديّ وصلنا إلى الطاعة. مثل يوضاس، عمله شنيع جدّاً، لكنّه يدخل في تصميم الله الخلاصي، وهوَ أوّل من بشّر بيسوع عندما ذهب إلى اليهود ورمى المال في وجههم وقال، اسلمتُ دماً بريئاً.
إذاً نتيجة الخطيئة المشتركة كانت طرد العائلة من الفردوس.
العائلة الأولي طُرِدَت من الفردوس وظهرا عريانَين. والعري يدل على تخلّي الله، مَن يُخطئ يتعرّى عن الله ويلبس الخطيئة، ويتخلّى عن حلّة النعمة.
حواء الأولى: أعطتنا نسل الخطيئة، مالت إلى الحيّة وفقدت الحياة، ارتمت إلى الحيّة وأعطتنا الموت.
وحواء الثانية: مريم، تخلّت عن نفسها وقالت "نعم".
على ضوء هذا الكلام كلّ واحد منّا يرى اين ال "نعم" وال "لا" لربّنا. فنعمل فحص ضمير، وعمليّة تحدّي ونرى كم "لا" عندنا في حياتنا مع العلم أن الربّ يريد ال "نعم". لكن البطولة هي أن لا نبقى ساقطين، بل ننهض والمسيح يمدّ دائماً يده إلينا.
3- الوجه الثالث: قايين.
تمرّدَ الإنسان الأول الذي هوَ آدم على الله، بينما الثاني قايين قتلَ أخاه في شخص هابيل، وامتدّ الشرّ وما زال منتشراً حتى اليوم.
قايين يمثّل كل إنسان ومجتمع وشعب... في كلّ إنسان قايين، والشهوة والطمع والحسد، هو أول مجرم في تاريخ البشريّة، الأخ تجاه أخاه. وما زالت هذه حتى اليوم. فطالما هناك حسد وطمع وأنانية وتكبّر فالقتل موجود. هذا يعني إلغاء الآخر ليسيطر هوَ. نرى في قصة قايين عامل الحسد والأنانية وكان همّه إلغاء أخيه. تجاوب قايين بالقساوة، وهو خليقة ربّنا، وعلى الرغم من الحبّ الذي أهداه إياه الربّ، تجاوب بقساوة القلب بارتكات جريمة قتل.
على الرغم من خطيئة الإنسان الأول، عاد الله إلى الإنسان. لأن الله هو الآب. ربّنا تضايق جدّاً عندما جوبِهَ بالرفض ونكران الجميل من قبل آدم وحواء، وندمَ، وقال لقايين دمُ أخيكَ سُمِعَ إليّ، ورغم هذا أعطاه سمة لحمايته. فالله لم ينبذ الخاطئ والقاتل بل أعطاه علامة عن رحمته، ولأن صورة الله هي صورة الراعي الصالح الذي يفتّش عن الخروف الضال.
4- الوجه الرابع: هابيل.
إن الكتّاب الذين كتبوا سفر التكوين كان همّهم واحد، ألا وهوَ أن يعرف القارئ تفكير الله. هابيل هو صورة عن المسيح الراعي. قدّم بواكيره لله، على مثال يسوع باكورة كلّ الخلائق. كان هابيل الحمل المذبوح بانتظار ذلك الآخر الذي صار حمل الله الحامل خطايا العالم. كان هابيل بريئاً فقتله بغض أخيه، فصرخ دمه إلى السماء طالباً النقمة.
وكان يسوع بريئاً ومع ذلكَ صلبه اليهود، فصرخ دمه إلى السماء للنعمة والمصالحة.
ربّنا هوَ دائماً مع البريء وإن لَم يُبَرّأ على الأرض سيُبرّأ في السماء. هذا الرجاء المسيحي. دم البريء يصل إلى السماء نعمة. فكل مَن يتعذّب على الأرض ويتألّم ظلماً وتعسّفاً يسمح ربّنا أن يتقدّس من خلاله كثير من الناس والأوطان. فمجتمعات تتحوّل وأشخاص تعود إلى ضميرها. فلا نخاف.
5- الوجه الخامس: نوح.
لنفهم نوح علينا أن نفهم الطوفان الذي هوَ طوفان الخطيّة. ونرى أن ربّنا استثنى اشخاص من هذا الطوفان، ليعمل معهم عهده. فإن نوح يعمل كلّ ما يأمره به الربّ ويعيش بالبرارة فحفظه الربّ من الطوفان. وهنا ننتبه، هذا لا يعني أنّي إذا عشتُ بارّاً لن تلحق بيَ المصائب... هذه صورة منذ اربعة آلاف سنة. فالطوفان بالمعنى المسيحي هو صورة عن المعموديّة. المسيح نزل مثل نوح في مياه الموت وخرج منها منتصراً مع المخلّصين. ومهما كان عدد أيام الطوفان المهمّ أنّ السبب هوَ الخطيئة. فطوفان الخطيئة قابله الله بطوفان الطبيعة، كعقاب. فحدث الطوفان هوَ اهمّ حدث بعد حدث الخلق والخطيئة.
6- الوجه السادس: أيّوب.
إنسان مسحوق في جسده، معذّب في نفسه، لا يفهم معنى وفائدة ألمه. يجاهد بعناد باحثاً عن إله يرعبه صمته، أو يرهبه بصمته. يناجي الله ولا جواب. أنّه أبٌ روحيّ، أيوب، لكلّ الذين غطسوا في ليل الروح ليل الظلمة، فاستطاعوا أن يقولوا مثله للربّ: لماذا اتّخذتني هدفاً لسهامك يا ربّ؟
لماذا كلّ هذه المصائب... وأنا اصلّي وأنتَ عرّفتَ عنّي أني نظيف... فأول شهادة أعطاها ربّنا عن إنسان هي شهادته بأيوب. ومثله مثل كلّ واحدٍ منّا... نعيش في البرارة، صلوات قداديس التزامات... والمصائب تلحق بنا.
لماذا تعاملني مثل عدوّ؟
ولم يخرج أيوب من هذا الجهاد الطويل والكأس الذي يعيشه ليجد ربّه إلاّ بفعل إيمان يجعله يتعدّى عالم البشر ليرتمي في حضن الله. ومن المؤكّد أن بيننا الكثير من أيوب. فكل واحد عنده حالته. ولكن يبقى أيوب الصورة المشرقة لإيمان كلّ واحد منّا. فكيف نتقبّل الصعوبة. فصبر أيّوب كان مرفق بتسليم. والمسيح أيضاً فُرِضَ عليه أبشع مِن أيوب وقبلَ. والمسيح أيضاً رفض الكأس ولكّنه أكمل بكلمة رائعة "لتكن مشيئتُكَ".
ونحن أحياناً نتحوّل إلى أيوب صغير، وهنا مرجلتنا، أن نرفضه بقبولنا ونقبله برفضنا. فهل أقبل المرّ اقتداءاً بالربّ وأشرب الكأس؟
7- الوجه السابع: يونان.
قال يسوع "وها هنا أعظم من يونان"، معنى هذا أن يسوع هو يونان الجديد... أي أعظم منه.
يونان ألأول، يونان النينَوي هربَ من وجه الربّ، بينما يسوع الناصرة يسير في مقدّمة القطيع.
يونان الجديد هو الإبن أمام الآب والأخ مع الأخوة.
يونان نينوى تمنّى الموت، يقول: "خذ نفسي منّي، خيرٌ لي أن أموت من أن أحيا".
وعند يونان الجديد، تتحوّل رغبة الموت لإعطاء الحياة: "لا أحد يأخذ حياتي أنا أعطيها".
يونان الجديد، يسوع، يعطي حياته كاملة لأبيه ويتضامَن عن أخوته البشر.
وأخيراً في موت يسوع وقيامته، صارت آية يونان واقعاً لم نجد لها تفسيراً إلاّ من خلال يسوع الذي أعطى الخلاص مجاناً لكل إنسان على وجه الأرض.
يونان يمثّل الإنسان المنغلق على ذاته ويرفض الإنفتاح والمساعدة. والفكرة من الحوت الذي بلعه، هي أن كلّ إنسان يرفض المساعدة التي تتطلب جهد، تصيبه العزلة، والحوت الذي بلع يونان يرمز إلى هذه العزلة.
وسنتابع مع وجوه العهد القديم الأخرى لاحقاً...
آمين.
![]()