عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 


 

الأخت ماري أنطوانيت سعادة

لقاء سيدة الجبل 19 شباط 2003

شخصية يعقوب

شخصية يعقوب شخصية بارزة في الكتاب المقدّس، نتصفّحها فصلاً تلو الآخر.

 

ولكن نتوّقف أوّلاً عند بعض الملاحظات الأساسية لفهم تاريخية الأحداث ومعناها.

 

تاريخ الكتاب المقدّس يحمل أبعاداً إيمانية للوقائع والأحداث.

يخاطب الله شعبه دائماً من خلال العقم. فمن الثوابت التي نلاحظها في الكتاب المقدّس أنّ النسوة (سارة، رفقا، راحيل...) عاقرات ويأتي الرب ليُخصب اليباس.

- الملاحظة الثالثة هي أنّ الله يسلخ شعبه دائماً من استقراره، من الأرض التي يسكنها ليُرسله الى أخرى. إذ "ليس لنا هنا مدينة باقية إنما نرجو الآخرة" كما تقول الرسالة الى العبرانيين. فمسيرة شعب الله هي ترحال نحو بيت الله.

الرّب يشتغل دائماً بنقاط ضعفنا. يتأقلم مع المادة الموجودة بين يديه. المهمّ هو أن تكون هذه المادة طائعة لإرادته، قابلة للتغيير.

 

ونعود الى جولتنا عبر النصوص التي تتكلّم عن يعقوب.

النص الأوّل تكوين 25/19-24: "وهذه مواليد اسحق بن إبراهيم. إبراهيم ولد اسحق. وكان اسحق ابن أربعين سنة حين تزوّج رفقة بنت بتوئيل الأرامي أخت لابان. وصّلى إسحاق إلى الرّب لأجل رفقة امرأته لأنّها كانت عاقِراً فاستجاب له الرّب وحبلت رفقة وازدحم الولدان في بطنها، فقالت: إن كان الأمرُ هكذا فلماذا الحياة؟ ومضت لتسأل الرّب. فقال لها الرّب: في بطنك أُمّتان، ومن أحشائك يتفرّع شعبان: شعبٌ يسود شعباً، وكبيرُ يستعبده صغير. فلما اكتملت أيّام حبلها تبين أن في بطنها توأمين فخرج الأوّل أسمر اللون كُلّه كفروة شعرٍ فسمّوه عيسو" (عيسو يعني adome: مُشعر ولونه أسمر).

" ثم خرج أخوه ويده قابضةٌ على عقب عيسو" (أي يمسك رجله وهو خارج من بطن أمّه) فدُعي اسمه يعقوب (أي ماسك عقب عيسو) وبما أن عيسو خرج أوّلاً فهو البكر والبكوريّة لها دورها المهم. وكان اسحق ابن ستين سنة لمّا ولدتهما رفقة.

فكبُر الصبيان. "فكان عيسو صيّاداً ماهراً ورجلاً يحبّ البرّية ويعقوب رجلاً مسالماً يلزم الخيام. فأحب اسحق عيسو لأنّه استطاب صيده وأمّا رفقة فأحبّت يعقوب".

"وطبخ يعقوب طبيخاً، فلما عاد عيسو من الحقل وهو خائرٌ من الجوع قال ليعقوب: أطعمني من هذا الأدام لأنّي خائرٌ من الجوع. لذلك قيل له أدوم. فقال له يعقوب: بعني اليوم بكوريّتك. (استفاد من وضعه الضعيف ليكسب حقّ البكورية. فالبكر كان شيخ القبيلةوسيّد الشعب). "فأجاب عيسو: أنا صائرٌ إلى الموت، فما لي والبكوريّة" (استهان بالنعمة التي يملكها).

"فقال يعقوب: احلف لي اليوم. فحلف له وباع بكوريّته ليعقوب. فأعطى يعقوب عيسو خبزاً وطبيخاً من العدس، فأكل وشرب وقام ومضى واستخفّ عيسو بالبكوريّة"... (تك25/29-34).

 

الفصل 27: "ولما شاخ اسحق وكلّت عيناه عن النظر دعا عيسو ابنه الأكبر وقال له: يا ابني قال: نعم، ها أنا. فقال: صِرتُ شيخاً كما ترى ولا أعرف متى أموت، فخُذ عدّتك وجعبتك وقوسك واخرج إلى البرّية وتصيّد لي صيداً، وهيّئ لي الأطعمة التي أُحب وجِئني بها فآكل وأباركك قبل أن أموت" (كان الأب يعطي بركته لابنه على المائدة. كما جرى لما اختار الرّب داوود ملكاً للشعب وباركه صموئيل).

"وكانت رفقة سامعة حينما كلّم اسحق عيسو ابنه. فلما خرج عيسو إلى البريّة ليصطاد صيداً ويجيء به إلى أبيه، قالت رفقة ليعقوب ابنها: سمعتُ أباك يقول لعيسو أخيك : جئني بصيد وهّيئ لي أطعمة فآكل منها وأباركك أمام الرّب قبل موتي. والآن يا ابني اسمع لكلامي واعمل بما أوصيك به. اذهب إلى الماشية وخذ لي منها جدييّن من خيرة المعز، فأهيئها أطعمة لأبيك كما يُحب. فتحضرهما إلى أبيك ويأكل ليباركك قبل موته. فقال يعقوب لرفقة أمّه: لكن عيسو أخي رجلٌ أشعر وأنا رجل أملس. ماذا لو جالسني أبي فوجدني مخادعاً؟ ألا أجلب على نفسي لعنةً لا بركةً؟

فقالت له أمّه: عليّ لعنتك يا ابني. ما عليك إلا أن تسمع لكلامي... فذهب وجاء بهما إلى أمّه فهيّأت أطعمة على ما يحبّ أبوه. وأخذت رفقة ثياب عيسو ابنها الأكبر الفاخرة التي عندها في البيت، فألبستها ليعقوب ابنها الأصغر وكست يديه والجانب الأملس من عنقه بجلد المعز. وناولت رفقة يعقوب ما هيّأته من الأطعمة والخبز، فدخل على أبيه وقال: يا أبي، قال: نعم، من أنتَ يا ابني؟ فقال له يعقوب: أنا عيسو بكرُك، فعلتُ كما أمرتني. قم اجلس وكل من صيدي وامنحني بركتك. فقال له اسحق: ما أسرع ما وجدتَ صيداً يا ابني. فقال: الرّب إلهك وفّقني. فقال: تعال لأجسّك يا ابني، فأعرف هل أنت عيسو أم لا. فتقدّم يعقوب إلى اسحق أبيه فجسّه وقال: الصوت صوت يعقوب ولكنّ اليدين يدا عيسو. ولم يعرفه لأن يديه كانتا مشعرتين كيدي عيسو أخيه. فقبل أن يباركه، قال: هل أنت حقاً ابني عيسو؟ قال: أنا هو.

فقال: قدّم لي من صيدك يا ابني، حتى أكل وأباركك. فقدّم له فأكل وجاء بخمرٍ فشرب. وقال له اسحق: تقدّم وقبّلني يا ابني. فتقدّم وقبّله، فشمّ رائحة ثيابه وباركه وقال: ها رائحة ابني كرائحة حقل باركه الرّب، يعطيك الله من ندى السماء ومن خصوبة الأرض فيضاً من الحنطة والخمر! وتخدمك الشعوب وتسجد لك الأممّ! سّيداً تكون لأخوتك وبنو أمّك يسجدون لك. ملعونٌ من يلعنك ومبارك من يباركك" (تك27/1-29). هنا نرى تعاضد الله مع الشخص الذي يختاره.

"فما أن فرغ اسحق من بركته، وخرج يعقوب من عنده حتى رجع عيسو أخاه من الصيد. فهيّأ هو أيضاً أطعمة وجاء بها إلى أبيه وقال له: قم يا أبي وكُل من صيدي وباركني. فقال له أبوه: من أنتَ؟ قال: أنا ابنك البكر عيسو... فارتعش اسحق ارتعاشاً شديداً وقال: فمن هو الذي صاد صيداً وجاءني به، فأكلتُ منه كلّه قبل أن تجيء وباركته؟ نعم، باركتُه ومباركاً يكون. فلمّا سمع عيسو كلام أبيه صرخ عالياً بمرارة وقال له: باركني أنا أيضاً يا أبي. فأجابه: جاء أخوك بمكرٍ وأخذ بركتك. (تك27/30-35)

فقال عيسو: ألأنّ اسمه يعقوب تعقّبني مرّتين؟ (مرّة لما خرج من بطن أمّه ومرّة أخرى الآن) أخذ بكوريتي وها هو الآن يأخذ بركتي. وقال: أما بقيت لي بركة؟ فأجابه اسحق: ها أنا جعلته سيّداً لك وأعطيته جميع اخوته عبيداً وزوّدته بالحنطة والخمر، فماذا أعمل لك يا ابني؟ فقال عيسو: أما لك نهير بركة واحدة يا أبي؟ باركني أنا أيضاً يا أبي. ورفع عيسو صوته وبكى. فأجابه أبوه: بعيداً عن خصوبة الأرض يكون مسكنك وعن ندى السماء من فوق. بسيفك تعيش وأخاك تخدم فإذا قويت تكسِر عن عنقك نيره. (ستعيش معه بخصام. وهنا نرى احتيال يعقوب الذي يبدأ مع أمّه، إلى خاله وحتى عندما يعود إلى أخيه، كل ذلك بالحيلة. كما أنه عاش حياته بالخوف، هارباً ولكن بركة الرّب رافقته أينما كان).

هنا عيسو يتزوّج ويأخذ من الحثّيين فتقول رفقة أنّها لا تريد حثيين بعد الان وتريد من يعقوب أن يتزوّج من عشيرتها ولذلك ترسله عند لابان.

 

الفصل 28: "فدعا اسحق ابنه يعقوب وباركه وأوصاه فقال: لا تأخذ امرأة من بنات كنعان. قُم اذهب شمالاً إلى سهل آرام إلى بيت بتوئيل أبي أمّك وتزوّج بامرأة من هناك".

ويتعرّف يعقوب على راحيل وهي راعية، فيحبّها. فطلب يدها للزواج من أبيها لابان. وهذا الأخير اشترط عليه أن يخدمه سبع سنين، وفي  ليلة زواجه أعطاه لابان ليئة ابنته الثانية. ولشدّة محبته لراحيل، قبل يعقوب أن يعمل المدّة ذاتها ليتزوج بها. بعد ذلك طلب أجرته من القطيع المخطط من لابان واستعدّ للرحيل. احتال يعقوب عليه واستولى على الحيوانات الممتازة. قضى يعقوب إذاً 14سنة ليتزوّج براحيل و6 سنوات كي يربح القطيع. ولابان الذي لحقه ليسترد القطيع عاد أدراجه مدركاً أنّ بركة الرب تصحب يعقوب وهو لا يستطيع حيالها شيئاً.

 

الفصل 28 / 10-22: "وخرج يعقوب من بئر سبع وذهب إلى حاران فوصل عند غياب الشمس إلى موضعٍ رأى أن يبيت فيه. فأخذ حجراً من حجارة الموضع ووضعه تحت رأسه ونام هناك. فحلم أنّه رأى سُلّماً منصوبةً على الأرض، رأسها إلى السماء وملائكة الله تصعد وتنزل عليها. وكان الله واقفاً على السلّم يقول: أنا الرّب اله إبراهيم أبيك واله اسحق! الأرض التي أنت نائم عليها أهبُها لك ولنسلك. ويكثُر نسلك كتراب الأرض، وينتشر غرباً وشرقاً وشمالاً وجنوباً، ويتبارك بك وبنسلك جميع قبائل الأرض، وها أنا معك، أحفظك أينما اتّجهت. وسأردّك إلى هذه الأرض، فلا أتخلّى عنك حتى أمني لك بكلّ ما وعدتك.

فأفاق يعقوب من نومه وقال: الرّب في هذا الموضع ولا عِلم لي. فخاف وقال: ما أرهب هذا الموضع. ما هذا إلا بيت الله وباب السماء. وبكّر يعقوب في الغد وأخذ الحجر الذي وضعه تحت رأسه ونصبه عموداً، وصبّ عليه زيتاً ليكرّسه للرّب. وسمّى ذلك الموضع "بيتَ إيل" وكانت المدينة من قبل تُسمّى لوز.

ونذر يعقوب نذراً، قال: "إن كان الله معي وحفظني في هذه الطريق التي أسلكها ورزقني خبزاً آكله وثياباً ألبسها، ورجعتُ سالماً إلى بيت أبي، يكون الرّب لي إلهاً. وهذا الحجر الذي نصبته عموداً يكون بيت الله وكلّ ما يهبه لي أُعطيه عُشره."

أولاً:  وعود الله لهذا الرجل جاءت في أكثر حالاته شقاءً.

ثانياً، يقول له الرّب: "أُكثُر نسلك أكثر من التراب وهو لا يعلم حتّى إذا كان سيتزوّج أم لا".

ثالثاً، يقول له: نسلك سينتشر شرقاً، غرباً، شمالاً وجنوباً. ويزيد: "ويتبارك بك وبنسلك جميع قبائل الأرض". "وها أنا معك أحفظك أينما اتجهت وأردّك إلى هذه الأرض، فلا أتخلّى عنك". هذا هو وعد الله. أخذ يعقوب حجراً ونام عليه. قلبه مُظلم، عقله مظلم، ليس عنده أمل ولا رجاء. في هذا الوقت بالتحديد يظهر له الرّب بسلّمٍ مفتوح من الأرض إلى السماء .

عندئذٍ يقوم يعقوب من نومه ويقيم حجر همه في الوسط ويسكب عليه الزيت علامة التكريس كما كان يفعل الوثنيون، علامة لقائه بالرب: "كان الرّب ههنا وأنا لم أكن أعرف". 

كم من مرّة يأتي الرّب ويخاطبنا، ولا ننتبه لحضوره إلا بعد أن نستفيق من نومنا، عندما نُعيدُ قراءة حياتنا، نستنتج أن الرّب كان هنا، معنا في هذا العمل أو ذاك.

ونحنُ، إذا أردنا أن ننصبّ مذابح في حياتنا، أظنُّ أنها لا تُعدّ: أولاً في المحبسة ثم في الدير ثم في سيدة الجبل، فيطرون، السهيلة، مار شربل أدونيس، في بيتنا وكنيستنا... كلّ مرّة نعيش خبرة مع الرب علينا أن نغمض عيوننا ونقول: كان الرّب ههنا وأنا لم أكن أعرف.

ثمّ  نلاحظ خوف يعقوب: "ونذر يعقوب نذراً قال: إن كان الله معي وحفظني في هذه الطريق التي أسلكها، ورزقني خبزاً آكله وثياباً ألبسها، ورجعتُ سالماً إلى بيتِ أبي، عندها يكون الرّب لي إلها".

 

الفصل 32: وفي طريق العودة، أراد يعقوب أن يعبر المضيق وهو عالم أنّ أخيه عيسو متأهب ليهاجمه في السهل المقابل.

"وأرسل يعقوب رسلاٌ يسبقونه إلى عيسو أخيه في أرض... وبلاد أدوم، وأوصاهم فقال لهم: قولوا لسيّدي عيسو، هذا ما يقوله لك عبدك يعقوب، نزلت عند لابان وأقمتُ إلى الآن، وصار لي بقرٌ وحميرٌ وغنمٌ وعبيد وجوارٍ. فرأيتُ أن أُرسل من يُخبرك يا سيدي، حتى أنال رضاك". (تك32/4-6).

هنا نرى احتال يعقوب على أخيه، وأفهمه أنه عائد مسالم. قسّم عائلته والرعيان إلى قسمين، وأرسل أمامه أشخاصاً ليقدموا الهدايا لعيسو لاسترضائه وهو ما زال في الخلف.

"فرجع الرسل إلى يعقوب وقالوا: ذهبنا إلى أخيك عيسو، فإذا هو قادم للقائك ومعه أربع مئة رجل. فاستولى على يعقوب الخوف والضيق، فقسّم الجماعة الذين معه والغنم والبقر والجمال إلى فرقتين وقال في نفسه: إن صادف عيسو إحدى الفرقتين فضربها نجت الفرقة الأخرى. وقال يعقوب: "يا اله أبي إبراهيم واله أبي اسحق، أيّها الرّب الذي قال لي: ارجع إلى أرضك والى عشيرتك وأنا أُحسِنُ إليك، أنا دون أن أستحقّ كلّ ما أظهرته لي أنا عبدك، من رحمةٍ ووفاءٍ، عبرتُ هذا الأردنّ وما لي إلا عصاي، وأمّا الآن فصار لي فرقتان. نجّني من يد أخي عيسو، فأنا أخاف منه أن يجيء فيقتلنا، أنا والأمّهات والبنين، وأنت قُلت لي: أنا أُحسنُ إليك وأجعلُ نسلك كرمل البحر الذي لا يُحصى لكثرته". (تك32/7-13).

"وبات يعقوب هناك تلك الليلة، وانتقى ممّا جاء به معه هديّة لعيسو أخيه: مئتي عنزٍ وعشرين تيساً ومئتي نعجة وعشرين كبشاً وثلاثين ناقةً مرضعة وأولادها، وأربعين بقرة وعشرة ثيران وعشرين أتاناً وعشرة حمير، وسلّم يعقوب هذه كلّها قطيعاً، كُلاً على حِدة إلى أيدي عبيده وقال لهم: تقدّموا أمامي واجعلوا فسحةً بين قطيعٍ وقطيع. وأوصى العبد الأول فقال له: إن صادفك عيسو أخي وسألك: لِمَن أنتَ والى أين تذهب، ولمن هذا الذي أمامك؟ فقل: لعبدك يعقوب، وهو هديّة أرسلها إلى سيّده عيسو. وها هو نفسه وراءنا. وأوصى العبدين الثاني والثالث وجميع السّائرين خلف القطعان بمثل ذلك، فقال لهم: ذلك ما تقولونه لعيسو إذا لقيتموه. وتقولون أيضاً ها هو عبدك يعقوب نفسه وراءنا.

فعل يعقوب هذا لأنّه قال في نفسه: أستعطِفَهُ أوّلاً بالهديّة التي تُقدّمني إليه، حتى إذا تلاقينا وجهاً لوجه لعلّه يعفو عنّي. فتقدّمته الهديّة وبات هو تلك الليلة في المحلّة". (تك32/14-22).

(نرى هنا أن يعقوب نظّم طريقة لقائه بأخيه. أدرك أن الأمر لا بُدّ منه، لا يستطيع مجابهته بالسلاح فأتاه بالحُسنة).

"وقام في الليل، فأخذ امرأتيه وجاريتيه وبنيه الأحد عشر وعبر مخاضة... أخذهم وأرسلهم عبر الوادي مع كلّ ما كان له. وبقي يعقوب وحده (كأنّه يريد أن يواجه مصيره وحده) فصارعه رجلٌ حتّى طلوع الفجر، ولما رأى أنه لا يقوى على يعقوب في هذا الصراع، ضرب حُق وركه فانخلع، وقال ليعقوب: طلع الفجر فاتركني! فقال يعقوب: لا أتركك حتّى تباركني. فقال الرجل: ما اسمك؟ قال اسمي يعقوب، فقال: لا يُدعى اسمك يعقوب بعد الآن بل إسرائيل، لأنّك غالبْت الله والناس وغلبت. وسأله يعقوب: أخبرني ما اسمك. فقال: لماذا تسأل عن اسمي. وباركه هناك. وسمّى يعقوب ذلك الموضع فنوئيل، وقال: لأنّي رأيتُ الله وجهاً إلى وجه ونجوتُ بحياتي (لأنه لا أحد يستطيع أن يرى وجه الله ويبقى حيّاً). وأشرقت له الشمس وهو يعبر فنوئيل عارجاً من وركه. لذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النّسا الذي في حُق الورك إلى هذا اليوم، لأن الرجل ضرب حُق ورك يعقوب على عرق النّسا. (تك32/23-33).

هذا النص هو قمّة خبرة يعقوب.

إذ أردنا أن نتبنّى الرّب علينا أن نحتك مع الرّب وعليه أن يدخل فينا فعلياً.

أولاً: العلاقة مع الرّب ليست سهلة، فهي تحوي الكثير من "شدّ حبال" نحن نشدّ نزولاً وهو صعوداً. نتصارع معه الليل كلهّ ولكن عند طلوع الشمس نصبح مختلفين، "مجوهرين"، لابسين وجه الله ومباركين.

ثانياً: في صراعنا مع الله، الرّب يُغيّر فينا شيئاً ما، كما استبدل الله اسم يعقوب باسرائيل.

ثالثاً : نخرج دائماّ رابحين من صراعنا مع الله، وإن "معطوبين".

رابعاً: عبارة "لا أتركك حتى تباركني"، تكشف لنا كلّ همّ يعقوب ورغبة قلبه من بداية حياته عن سعيه للبكورية، حتى النهاية.

 

الفصل 33: "ورفع يعقوب عينيه ونظر فرأى عيسو مقبلاً ومعه أربع مئة رجل، ففرّق أولاده على ليئة وراحيل والجاريتين وجعل الجاريتين وأولادهما أوّلاً، ثم ليئة وأولادها، ثم راحيل ويوسف آخراً. أمّا هو فتقدّمهم وسجد إلى الأرض سبع مرّات حتى اقترب من أخيه. فأسرع عيسو إلى لقائه وعانقه وألقى بنفسه على عنقه وقبّله باكياً (فالصراع الذي عاشه أعطاه سلاماً وطهّره، ومفعوله كان أيضاً على عيسو). ورفع عيسو عينيه فرأى النساء والأولاد فقال: من هؤلاء؟ قال: البنون الذين أنعم الله بهم عليّ يا سيّدي. فتقدّمت الجاريتان وأولادهما وسجدوا، ثم تقدّمت ليئة وأولادها وسجدوا، وأخيراً تقدّم يوسف وراحيل وسجدوا.

فقال عيسو ليعقوب: ماذا أردت من كل هذه الماشية التي صادفتُها؟ قال: أن أنال رضاك يا سيّدي.

قال عيسو: عندي كثير، فما لكَ يبقى لك يا أخي. قال يعقوب: لا، ان نلتُ رضاك، فاقبل هديّتي من يدي. رأيتُ وجهك فكأنّي رأيتُ وجه الله. (تك33/1-11). هذا ما نريد أن نصل إليه. إذا عدنا إلى آدم وحوّاء، صراعهما مع الله أدّى إلى الصراع مع الاخوة وهنا نجد الأخوة من خلال رضاهما مع الله يأتي رضاهما عن بعضهما.

-"رأيتُ وجهك فكأني رأيتُ وجه الله، لا سيّما وأنت رضيت عنّي".

والدلالة على أن الرّب راضٍ عنه هو رِضى أخيه عنه. بالنسبة ليعقوب هذه دلالة خارجية على رضى الله.

-"رأيتُ وجهك فكأنّي رأيتُ وجه الله، لا سيّما وأنتَ رضيت عني، فاقبل عطيّتي التي جئتُ بها إليك". الله أنعم عليّ وعندي من كلّ شيء يجيب عيسو وبعد أن ألحّ عليه يعقوب قَبِل.

هنا تمّت المصالحة الغير الممكنة، واكتملت بها خبرة يعقوب.

خلاصة:

الملفت والجميل في الكتاب المقدّس هم الأشخاص الذين نلتقي بهم، ونكتشف فيهم قوّة الله، وقدرته وعطفه وحنانه لأشخاص هم أقل من عاديين.

الكتاب المقدّس هو مرآةٌ لنا، أظهر لنا اليوم من خلال مراحل حياة يعقوب العابر من مرحلة إلى مرحلة الأطوار التي نمرّ بها في حياتنا مع الله فعلاقتنا بالرب مسيرة يومية، مبنيّة على أمانة الله، ومواقفنا الحياتية اليومية كما ورد في سفر تثنية الاشتراع 30/15: "انظر، ها أنا اليوم جعلتُ بين يديك الحياة والخير والموت والشّر، فإذا سمعتَ كلام الرّب إلهك الذي أنا آمرك به اليوم، وهو أن تحبّ الرّب إلهك وتسلك في طرقه وتعمل بوصاياه وسننه وأحكامه، فأنت تحيا وتكثر وتنال بركة الرّب إلهك في الأرض التي أنتَ داخلٌ إليها لتمتلكها.

وان زاغ قلبك عنّي ولم تسمع لي وضللت وسجدتَ لآلهة أخرى وعبدتها، فأنا أخبرك اليوم أنّك تبيد ولا تطول أيّامك في الأرض التي أنت تعبر الأردن لتدخلها وتمتلكها. وأنا أشهد عليك اليوم السماء والأرض بأني جعلتُ بين يديك الحياة والموت والبركة واللعنة فاختار الحياة لتحيا أنت وذرّيتك. أحِبّ الرّب إلهك واسمع كلامه وتمسّك به لأن به حياتك وطول أيامك في الأرض التي أقسم الرب إلهك لآبائك إبراهيم واسحق ويعقوب أن يعطيها لهم".

لا شيء حتميّ في علاقتنا مع الله ويمكننا بسهولة أن نتركه وننساه.  

 وتبقى دعوة الله لنا: أنا واضعٌ أمامك الخير والشر والموت والحياة وهذه الطريق. أنا أريدك أن تحيا ولكن عليك أنتَ أن تختار. وهذه مواقف حياتيّة: لقد اختارنا الرّب ولكن يبقى علينا أن نختاره يوميّاً ونكمل معه المسيرة حتى النهاية.


التعليم   |||   الصفحة الرئيسية