عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 


 

لقاء الأربعاء 13 تشرين الثاني 2002

و 15كانون الثاني 2003

سيدة الجبل مع الأخت ماري أنطوانيت سعاده

 

سفر التكوين من الفصل 12 الى الفصل 25 : إبراهيم  واسحق

    إبراهيم

 

 سفر التكوين المؤلّف من خمسين فصلا يقدّم لنا شخصية ابراهيم من الفصل 12 الى الفصل 23.

من هوَ إبراهيم

في الفصل 12: نقرأ دعوة إبراهيم وننطلق منها.

من استقراره، وأمره بالرحيل

أوّلاً قال الّرب لأبرام "ارحل من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أُريك فأجعلُك أُمّة عظيمة وأُباركك وأعظّم اسمك وتكون بركة، وأبارِك مباركيك وألعَن لاعنيك ويتبارك بك جميع عشائر الأرض. (تك 12/1-3). عاش أبرام في بلاد أور أي بلاد ما بين النهرين في بحبوحة، يملك قطعان ماشية، ومعه أشخاص يعملون في خدمته. كان إنساناً مستقّراً، رئيس عشيرة أو قبيلة. وفي ذلك الوقت كان شيخ القبيلة مسؤول عن عائلات كثيرة ويُعتَبَر أباً لكلّ هؤلاء.

هذا الإنسان المستقرّ لم يكن يعرف الإله الواحد بل يعبد  آلهته الخاصة إلى أن عاش في يوم من الأيام خُبرة جديدة، خُبرة روحية، أو خبرة إنسانية، أو رؤية سماوية؟ لا نعرف لكن الذي نعرفه انّ هذا الإنسان المستقّر نزعه الرّب  من استقراره، وأمره بالرحيل. ما معنى هذا؟ من الإستقرار الى الرحيل ، مع أنّ العكس هو الذي يحدث في الحالات الطبيعيّة، الإنسان الرحّال، يحاول أن يستقرّ، بحثاً عن الهوية والكيان.

مع الرّب سنكتشف، أنّه عندما يريد أن يتدخّل في حياة فرد، ينزعه من استقراره، من رقوده لينقله إلى شيءٍ آخر. ماذا يقول الربّ لإبراهيم : قال الرّب لأبرام، هكذا دون مقدّمات، ودون أن يعرّفنا الكاتب على أبرام، أصدر الربّ أوامره. "ارحَل من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك إلى الأرض التي أُريك ، دون أن يحدّد له. "إذا أنت رَحَلت سأجعلُك أمّة عظيمة وأُباركك وأعظّم اسمك وأجعلُك بركة"،(تك12/1-2) تدخّلَ الرّب في حياته، عاش خبرة السرّ الخفيّ، سمع صوت الرّب، سمعه، شعر به، اختبره، دخل معه في حوار، طلب منه ، وهذا الطلَب سرعان ما أصبح مشروطاً، "إن أنتَ رحلْت (سأجعلُك...) سأبارِكُك، سأكون حصّتك، وأجعلُك بركة، يعني ليس فقط أنا أُباركُك، أينما حللت ستكون أنت بركة.

بركة

ويزيد "أبارك مباركيك وألعَن لاعنيك،" ما يعني هذا؟ في اللغة الساميّة نتكلّم بلغة ثنائية "Binaire" أي إذا لم يكن هذا فليكن ذاك: "أبارك مباركيك وألعن لاعنيك" يعني إذا التزمت أنتَ فيّ أنا سألتزم فيك، أنا حصتك، يعني  je me solidarise avec toi ، أنا أتضامن معك في كلّ الأحوال، في السرّاء والضرّاء،  "فرحل أبرام". (تك12/4).

كان أبرام في يد الرّب طيّعاً، حتى انه لم يجب ولم يتكلم كما نلاحظ في الآية 4. رحل إلى المجهول، بأي إحساس، بأي شعور، لا نعرف كيف كان اختباره لكنّه تجاوب إبراهيم ولم يجادل، ولم يسأل كيف، ومشى...

مريم أنها بنت إبراهيم

طُلِبَ من أبرام الرحيل، فقام ورحل، ولهذا نقول عن مريم أنها بنت إبراهيم، لأنّ مريم عندما بلغها سلام الملاك "قوّة الرّب تحلْ عليك، ستحبلين وتلدين ابناً، أجابت "ها أنا أمة الرّب" (لو1/38). مريم أيضاً دخلت في المنطِق نفسه، دخلِت وقبلِت بطواعية ولطف وقناعة.

 هناك كثير من المواقف الداخلية التي نقفها نحن أمام الرّب، هل هذه المواقف مطواعة، فيها شيئ من الطاعة، من الطواعية، من الثقة (حتى لو لم نفهم: ارحل قام رحل)، هذا موقف مهم وهو الذي يرافق إبراهيم في كلّ مسيرته الطويلة.

خليل الرّب

وهذا ما جعله يُسمىّ الخليل (خليل الرّب)، حبيب الرّب، هذا ما جعله يبنى صداقة ودالّة وعلاقة ثقة وحب وعلاقة بنوّة للآب لله. هذا الموقف حوّله من إبن لهذا الإله الذي يتعرّف عليه إلى أب لكلّ البشرية التي ستدخل في هذا الموقف ذاته.

 هذا الموقف يخصّنا كتيراً، نحن أشخاصاً نحبّ أن نجادل وليس أسهل من عدم الثقة، لأنّنا نخاف، وهذا موقف طبيعي، إنساني، هنا نمسّ إنسانيتنا وحدودها. لكن مع ابراهيم نحن مدعوون أن ننطلق من هذا الموقف البشري إلى موقف إيماني كلّه ثقة وبنوّة وحبّ للرّب.

"فرحل أبرام كما قال له الرّب وذهب معه لوط". "وكان إبرام ابن 75 سنة عندما خَرج من حاران، وأخد أبرام ساراي" (لم يكن اسمها سارة بعد وسنرى متى تغيّر اسمها) ويأخد العبيد والماشية... "وارتحل جنوباً نحو صحراء النقب" (تك12/5-9). في الخريطة: نحن في جنوب العراق، في أور، أي على مصب الدجلة والفرات. نِزلوا في الصحراء، ثم صعدوا صَوب كنعان وبعدها نزلوا صوب مصر، هذه هي المسافة التي مِشاها أبرام. إذاً نرى أنّ أبرام مشى المسافة نفسها التي مشاها فيما بعد الشعب على أيّام موسى.  في تلك الأيّام كانت كلّ عشيرة أو قبيلة تتجوّل من منطقة إلى أخرى، و تحارب السكان المجاورين لها لتحيا، تأخذ الغنائم وتكمل طريقها، فاضطّر أبرام أن يتبع هذه الطريق. الى أن حصل خلاف بين رعيانه ورعيان لوط ابن أخيه ولكن أبرام لم يشأ أن تستمر المشاكل فطلب من لوط أن يأخذ ما يريد من مواشي ويرحل... وهكذا انقسموا إلى شعبين، وذهب لوط إلى سدوم وعامورة .

 

الفصل 14: لقاء ابرام بملكيصادق: "عند رجوع أبرام منتصراً"... ومعه ملوك حاربوا إلى جنبه، خرج ملك سدوم للقائه... وخرج ملكيصادق  الكاهن، لا نعرف من أين أتى. هو ملك شاليم، أخذ خبزاً وخمراً وكان كاهِن الله العلي فبارك أبرام بقوله "مبارك أبرام من الله العليّ خالق السماء والأرض وتبارك الله العليّ الذي اسلَم أعداءك إلى يديك" (تك14/19-20)؛ فأعطاه أبرام العِشر من كلّ شيء... كيف بارك وبماذا بارك؟ بالخبز وبالخمر، بارك الشخص الذي باركه الرّب. فهوَ كان وسيطاً وكأنّ الرّب أوصلَ بركته من خلاله. ونحن نرى فيه رمزاً ليسوع الكاهن الأوحَد وقد استعمل العناصر نفسها التي استعملها يسوع  في الافخارستيا، فعل الشكر، فعل البركة. قبلا،ً كان هناك سلالة كهنة، لكن يسوع هوَ الكاهن، والذين قبله وبعده ليسوا كهنة إلاّ بيسوع ومن خلال يسوع لكن على رتبة ملكيصادق، أي على طريقة ملكيصادق.

و "كان عُمر أبرام 75 عاماً"، خبرة أبرام، على رغم ما فيها من طاعة وطواعية، لا تعني أنّها بنت ساعتها، كلّ شيء يتحضّر ويأخذ وقته، والرّب الذي هو خارج الزمن، يتعاطى معنا من خلال زمَننا لأنّه هو الإله سيّد الزمن حصر نفسه، ليتعاطى معنا من خلال زَمَنننا، ليقودنا إلى الأبديّة.

ما هيَ المراحل التي مرّ بها؟

في عمرالخامسة والسبعين  تلقّى أوّل دعوة للربّ، أوّل شعور بهذا الإله الذي هوَ غير كل الآلهة.

وفي السادسة والثمانين ولدَت له هاجر إسماعيل (تك 16/1-6) بعد القراءة الخاطئة لوعد الرب من قبل ابرام وسارة.

 أحياناً كثيرة ينقص الإنسان الصبر وطول البال وامكانية الانتظار كي تنجلي الأمور، فنحن نقفد الصبر ونترجمها بحسب مفهومنا. ولكن الربّ كفيل بأن يعود ويقوّم مسيرتنا كما فعل مع أبرام وساراي.

 

    أسحق أي "الله يضحك" (Promesse de Dieu)

في الفصل 15 " تراءى الرّب لأبرام وقال له لا تخف يا أبرام، أنا تِرسٌ لك وأجرُك عندي عظيم جدّاً." (تك15/1). تأمّلوا كم في هذه العلاقة من الطراوة والعذوبة. "فقال أبرام يا سيدي الربّ ما نفع ما تُعطيني وأنا سأموت" (تك15/2)، فالعقم بالنسبة لهم كان عاراً، ويعتبرونه دليل عدم رضى الرب عليهم. "وقال أبرام أيضاً ما رزقتني نسلاً وربيب بيتي هو الذي يرثني، فقال له الرّب لا يرِثُك اليُعازر بل من يخرج من صلبك هو الذي يرثك، وقاده إلى الخارج وقال له أنظُر إلى السماء وعُدّ النجوم إن استطعت، وقال له هكذا يكون نسلك". كلام رائع مع انّ هذا غير ممكن،  ومع ذلك "فآمن إبرام بالرّب فبرّره الرّب لإيمانه" .(تك15/2-6).

وقال له الرّب: "أنا الرّب الذي اخرَجَك من أور، لأعطيك هذه الأرض ميراثاً لك. فقال أبرام يا سيدي الرّب كيف اعلَم أرثها فقال له خُذ لي عِجلة عمرها 3 سنوات وعنزة عمرها 3 سنوات، وكِبشاً ويمامة، فأخذ له هذا". ثم أقام معه الرب عهداً. "فأخذ أبرام ... وذبحها ولمّا مالت الشمس إلى المغيب وقع أبرام في نوم عميق، فأستولى عليه رعب والظلام شديد فقال له الرّب: اعلم جيّداً أن نسلك سيكون غريباً في أرض غير أرضه فيُستعبد من أهله... ولكنّي سأُدين الأمّة التي تستعبده". "فما إن غابَت الشمس وخيّم الظلام حتى ظهر تنّور دخان ومشعل نار عابر بين تلك القِطع من الذبائح"، وكأنّ الرّب يعلن مروره، وهذه النار وهذا الدخان هو  ظهور Une Première théophanie في قلب الذبائح "في ذلك اليوم قطع الرّب مع أبرام عهداً". (تك 15/7-16) قطعه لكنه ما زال وعداً.

في الفصل 17 يظهر التوضيح الأكبر للعهد. "ولمّا بلغ إبرام ال99 تراءى له الرّب"، كأنّ الرّب يسير بأبرام من مرحلة إلى أخرى، كي تنضج دعوته، وسنرى أن دعوته الحقيقيّة بدأت فعليّا في الفصل 22 الربّ يغيّر إسم أبرام وأسم ساراي، وهذا يعني حياة جديدة، والانتقال من عهد قديم إلى عهد جديد مع أبراهيم أب المؤمنين.

"ولما بلغ 99 تراءى له الرب وقال أنا الله القدير، أُسلُك أمامي وكُنْ كاملاً فأجعل عهدي بيني وبينك وأُكثِر نسلك جيداً فوقع أبرام على وجهه ساجدا) "وقال له الله هذا هو عهدي معك تكون أباً لأمّة كثيرة ولا تُسمّى أبرام بعد اليوم، بل تُسمّى إبراهيم لأنّي جعلتك أباً لأمَمٍ كثيرة، سأُنميك جدّاً وأجعلك أمماً، وملوكاً من نسلك يخرجون... وأقيم عهداً أبديّاً بيني وبينك وبين نسلك من بعدك جيلاً بعد جيل فأكون لك إلهاً ولنسلك من بعدك وأُعطيك أنت ونسلك من بعدك أرض غربتك، كلّ أرض كنعان ملكاً مؤبّداً وأكون لهم الهاً. فقال الله لأبرام إحفظ عهدي أنتَ ونسلك من بعدك" ولم يكن لديه ولد بعد "هذا هو عهدي الذي تحفظونه بيني وبينكم وبين نسلك من بعدك، أن يُخْتن" (تك17/1-8). هنا يؤتى على ذكر الختان المشهور عند اليهود وهو يعني الإنتماء الكليّ للرّب، "كلّ ذكر منكم ابن ثمانية أيّام مدى أجيالكم... فيُخْتن المولودون... وقال الله لإبراهيم أماّ ساراي امرأتُك فلا تُسمّى ساراي بل سارة"، معناه انّ العهد سيُقام ليس فقط مع إبراهيم، بل مع زوجته أيضاً لأنّ كلّ الموضوع هو الولادة، أي أن هذا العهد سيصير مع إبراهيم وعائلته ألتي هي الآن سارة، "وأنا أُباركها وأُعطيك منها ابناً، أُباركها فيكون منها أمَماً وشعوب... فوقع إبراهيم على وجهه ساجداً وضحِك وقال في نفسه أيولَد ولد لابن مئة سنة، أمْ ساره ستلد وهي ابنة تسعين سنة" (تك17/15-17)، استغرب ابراهيم هذا الأمر فضحك والربّ لم ينزعج، فقد أصبح بين الربّ وإبراهيم حميميّة، فسارة ايضاً تضحك في الفصل 18 والولد يسمّونه أسحق أي "الله يضحك" ، نشعر كم أن الله قريب، ونحن أيضاً بإمكاننا أن نكون بهذا القرب منه.

 

عند بلّوط ممرا

في الفصل 18 تبيّن لنا من الفصول السابقة كم كان إبراهيم رجلاً طيّباً مسالماً يضحك ولا يحبّ الحرب. أمّا هنا فنرى كم هوّ مضياف، استقبل عنده الرجال الثلاثة قبل أن يعرف هويّتهم، بما عنده من حسن الضيافة، والقلب الكبير الرحب. فإن رحابة الصدر هي صفة مقدّسة.

"وتراءى الرّب لإبراهيم عند بلّوطة ممرا، (فقد كان يسكن هناك) وهو جالس بباب الخيمة في حرّ النهار فرفع عينيه ونظر فرأى ثلاثة رجال واقفين أمامه فأسرع إلى لقائهم من باب الخيمة وسجد إلى الأرض وقال: إنْ كُنتَ راضياً عليّ يا سيدي فلا تمرّ مرورا بعبدك، دعني أقدّم لكم قليلاً من الماء فتغسلون أرجلكم وتستريحون تحت الشجرة، وأقدّم لكم كسرة خبز فتسندون بها قلوبكم ثم تستأنفون سفركم وإلاّ لماذا مررتم بعبدكم. فقالوا له افعل كما قُلت (نلاحظ في هذا النص أنّ إبراهيم يتكلم تارة بالمفرد وأخرى بالجمع). "فأسرع إبراهيم إلى ساره في الخيمة وقال لها اعجني في الحال ثلاثة أكيال من الدقيق الأبيض واخبزيها أرغفة، واندفع إبراهيم نحو البقر وأخذ عجلاً رخصاً مسمّناً إلى الخادم فأسرع بتهيئته ثم أخذ زبدة ولبناً والعجل الذي هيّأه ووضع هذا كلّه أمامهم" (نرى هنا حركة إبراهيم ذهاباً وإياباً) "فأكلوا وهوَ واقفٌ أمامهم تحت الشجرة" (تك18/1-8).

فهل الضيوف الثلاثة هم الرّب بذاته، أو هم ثلاث ملائكة؟ لا نعرف، هذا ليس واضحاً. إنما آباء الكنيسة  فقد رأوا في هذا النصّ صورة مسبقة عن الثالوث ونرى أيضاً فيه حضور إبراهيم المميز: سجد لهم، واستضافهم، وأطعمهم، ووقف يتأملهم يأكلون برحابة. من يعرف أن يستقبل البشر هكذا، يعرف أن يستقبل الله من خلال البشر.

"ثم قالوا أين ساره امرأتك (هم يعرفونها) فقال هي في الخيمة، فقال أحدهم سأرجع إليك في مثل هذا الوقت من السنة المقبلة ويكون لساره امرأتك إبن، وكانت ساره تسمع وراء باب الخيمة وكان إبراهيم وساره شيخين متقدّمين في السنّ وامتنع أن يكون لساره عادة كما للنساء" (نرى هنا بأيّ بساطة يخبرون الأشياء) فضحكت ساره في نفسها وقالت أبَعد ما عجزْتُ وشاخَ زوجي تكون لي هذه المتعة، فقال الرّب لإبراهيم، ما بالُ ساره ضَحِكت وقالت أحقاً ألِد وأنا الآن في شيخوختي، أيصعب على الرّب شيء؟" (تك18/9-15) هذه كلمة أليصابات في العهد الجديد. ساره أنكرت وقالَت أنّها لم تضحك، لأنّها خافت، فقال لها لا بل ضحكَت.

شفاعة إبراهيم

"وقام الرجال من هناك وتوجهوا نحو سدوم وسار إبراهيم معهم ليُشيّعهم (ضيافته مستمرّة للنهاية)، فقال الرّب في نفسه فهل أكتُم عن إبراهيم ما أنوي أنْ أفعله وإبراهيم سيكون أمّة كبيرة، قويّة وتتبارك به جميع أمم الأرض، أنا اخترته ليوصي بنيه وأهل بيته من بعده بأن يسلكوا في طُرُقي ويعملوا بالعدل والإنصاف حتى أفي بما وعدته به. وقال الرّب لإبراهيم (تك18/16-17). وكأنّ الرّب هنا يتكلّم مع نفسه، ويسأل نفسه ماذا يعمل، هل بخفي عن ابراهيم ما ينوي عمله أم يخبره لأنه خليله؟

يرينا الكتاب المقدّس أهمّية الدخول في هذا المنطق الشراكة مع الرب والشفاعة. ممّا يبعدنا عن  صورة الله الساحِر، الذي في يده كلّ شيء... صحيح أنه قادر على كلّ شي لكن هناك أشياء كثيرة في أيدينا نحن. "وقال الرّب لإبراهيم كثُرَت الشكوى على أهل سدوم وعامورة وعظُمَت خطيئتهم جداً، أنزل وأرى هل فعلوا ما يستوجب الشكوى التي بلغتْ إليّ، أُريد أن أعلَم"، (أُريد أن أعلم أي أريد أن اتأكّد بنفسي، اتحقّق بما أخبِرتُ). "وتوجّه الرجلان من هناك إلى سدوم وبقي إبراهيم واقفاً أمام الرّب"، "فاقترب إبراهيم وقال أتُهلك الصّديق مع الشرّير؟ ربّما كان في المدينة خمسون صديقاً، أتهلكهم كلّهم ولا تصفح عنهم من أجل خمسين صديقاً فيها، وترأف ولا  تفعل مثل هذا الأمر، فتُهلك الصّديق مع الشرّير فيتساويان" (وكأنّ الإنسان يحنّن قلب الله)، "أديّان كلّ الأرض لا يدين بالعدل"(تصوّروا هذه الجرأة، والدالة)، "فقال الرّب إن وجدتُ خمسين صدّيقاً في سدوم صفحتُ عن المكان كلّه إكراما لهم (...) فقال إبراهيم لا يغضب سيدي فأتكلّم لآخر مرّة وان وجدت هناك عشرة، قال لا أزيل المدينة إكراما للعشرة. ومضى الرّب عندما فرغ من الكلام مع إبراهيم ورجع إبراهيم إلى حيث يسكن". (تك18/27-33).

يكشف لنا هذا النص وجهاً لما نسمّيه الشفاعة، الوساطة. والوساطة شيء يتعدّى إبراهيم، فعندنا نحن وسيطٌ واحد اسمه يسوع، بولس يقول في الرسالة إلى العبرانيين "ما زال جالساً عن يمين الآب يشفع لنا" (عبر). اليوم ما زال يسوع يشفع لنا، وهذا إرثنا وكنزنا.

هو الوسيط الأوّل والأخير. وكلّ وساطة أخرى خارجاً عن يسوع المسيح لا وجود لها. ما نحن إلاّ وسطاء بالوسيط. وبيسوع المسيح تأخذ الوساطة كلّ معناها. عندها نستطيع أن نحصل على عجائب من قلب الرّب. وساطة إبراهيم هي نوع من الاستباق لهذا القُرب والدالة والعلاقة التي بين يسوع وأبيه. يُظهر لنا الكتاب لمحة صغيرة منها، ويبسط لنا الأمور، ويكشف لنا عن دورنا نحن، فنحن بصلواتنا لبعضنا البعض، نقدّم أحزاننا وأتعابنا، وكلّ هذا يأخده الرّب بملء معناه، فالرّب يريد ان ننال بواسطة طلبنا. إذا طلبتم فأطلبوا من كلّ قلبكم، بثقة وبإيمان وفي الوقت عينه يعطينا قوّة، هي امتداد لقوّة يسوع ، يعطينا مقدرة لنكون معه شركاء، فريقاً واحداً، نُناضِل من أجل هدف واحد، من أجل الملكوت. ونحن ماذا نطلب بصلواتنا... صلواتنا إذا لم تكن كلهاّ للملكوت فمن الأفضل ألاّ نطلبها، فصلاتنا لأجل الانسان المريض، التعيس، الحزين، أو السجين... فهذا يريده الربّ، لأنّه لا يريد تعاستنا، وفي حال كنّا تعساء هو يريد انّ نستفيد من هذه التعاسة، كي تكون لنا سلّماً، قفزة لسعادة أكبر، سعادة بعلاقة مع الرب.

اذاً للشفاعة شديد الأهمية في المسيحية ولا حدود لها. فكلّ فعل إيجابي أو فكر أو عمل أو تضحية أو صلاة، له أصداء في العالم، في البشرية كلّها من الآن حتى آخر الزمان. هذا يعني أن عندنا قوّة لا نعرف قيمتها دائماً. وهنا يرينا إبراهيم نوعاً ما، كيف نعيش دالة الأبناء. فالآب، والابن والروح القدس، يسكنون فينا، هم ضيوفنا. علينا ان نتعلّم كيف نطلب. والآباء منكم والأمّهات يختبرون كيف ينال الولد مبتغاه بالغنج. فيأخذ قلبكم، أي يطلب منكم ما يريد، وأنتم البشر تعطونه، فنحن البشر، مهما أحببنا تبقى محبّتنا ناقصة، فكم بالحريّ محبة القدوس؟ فلنتعرّف على حبّ الربّ ولا نكون خاسرين.

 

خلاصة

البركة، الثقة، الطواعية، حبّ إبراهيم للرّب، وتعلّم قراءة علامات الأزمنة، فالرّب يطلب شيئاً، يعد بشيء، لكن إرادته ليست واضحة دائماً... واستضافة الرّب، فلنتمتّع بالكرم، نفتح أبوابنا، نستقبله عندنا وبكلّ افخارستيا نستطيع أن نعيش ما عاشه إبراهيم، وأكثر.

 

مولِد اسحق ابن الوعد

في الفصل 21: "وتفقّد الرّب سارة كما قال، وفعل لها كما وعَد، فحمِلَت سارة ووَلدَتْ لإبراهيم ابناً في شيخوخته، في الوقت الذي تكلّم الله عنه فسمّاه اسحق، وختَن إبراهيم اسحق ابنه وهو ابن ثمانية أيّام كما أوصاه الله. وكان إبراهيم ابن مئة سنة حين وُلِد اسحق". في شيخوخته، أعطاه الله ولداً وهو الذي قال عنه مار بولس: "وآمن بالرجاء ضدّ الرجاء" رغم استحالة الوضع بسبب شيخوخته، وعمره وغربته. وقالت سارة: "مَن كان يقول أنّ سارة ستُرضِع لإبراهيم بنين؟وها أنا ولَدتُ له ابناً في شيخوخته". (تك21/1-7).

تمتّع إبراهيم بالنزاهة، وكرم الأخلاق حتى سُمّي خليل الله. ورغم ذلك كان متشرّداً غريباً في أرض لا يملك فيها إلا القبر، جباناً، وقد خاف أبيمالك فكذب عليه بشأن زوجته ودعاها أخته. والأسوأ أنّه كان عاقراً. العقم في الكتاب المقدّس، وصمة عار ودليل على غضب الرب وعدم رضاه. وهنا تدّخل الرب ، إنطلاقاً من ضعفه ومن محدوديته؛ وآمن إبراهيم "وحُسب له ذلك برّاً". ونحن، مرّات عديدة نستسلم لليأس وللمستحيل، وحتى لعدم الثقة بالله، فنحجّمه على "قياسنا" ونستسلم للعجز.

وما إن وفى الله بوعده، حتى خافت سارة على ميراث ابنها من أخيه اسماعيل، ابن الجارية، فطرده ابراهيم مكرهاً، ولكن الله الأمين كان له السند والبركة والعناية.

 

إبراهيم الذي بدأ مسيرته مع الرب عن خمس وسبعين سنة من العمر، ووُعد بنسل في السادسة والثمانين، وفي السنة التاسعة والتسعين أقام معه الله عهداً، كان يتقدّم من خبرة الى خبرة نحو علاقة وثيقة مع الله. في السنة المئة من عمره تحقق الوعد . وما إن استقرت حياته من جديد، حتى عاش خبرة ثانية مؤلمة وعنيفة نقرأها في الفصل 22.

تاريخياً، كانت القبائل التي تحيط بإبراهيم تقدّم الذبائح البشرية لأصنامها إسترضاءً لها. فتساءل إبراهيم عمّا إذا كان يبخل على الإله الحيّ الحقيقي بابنه البكر. هذه الخبرة أوصلته الى خلاصة نستعرضها في سفر تثنية الإشتراع الفصل 15 الآية 9: "إذا جئتم الأرض التي يُعطيكم الرّب إلهكم، فلا تتعلّموا أن تُمارسوا ما تُمارِسه الأمم من الرّجاسات، لا يكُن فيما بينكم من يحرُق ابنه أو ابنته ذبيحة في النار، ولا من يتعاطى العرافة، ولا الشذوذ، ولا الفال ولا السِحر، ولا مَن يَرقي رقيةً، ولا مَن يسأل جاناً أو تابعةً، ولا من يستشير أرواح الموتى، هذه كلّها رِجس عند الرّب إلهكم وبسببها سيُطرد أولئك الأمم من أمامكم. كونوا كاملين عند الرّب إلهكم. فأولئك الأمم الذين تمتلكون أرضهم يسمعون للمشعوذين والعرّافين، وأمّا أنتم فلا يُجيز لكم الرّب إلهكم مثل ذلك".

ذبيحة إبراهيم

أمّا الفصل 22: "وبعد هذه الأحداث امتحن الله إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم! قال: نعم ها أنا. (طواعية إبراهيم، تشبه طواعية العذراء: ها أنا أمة الرّب ). قال: خُذ اسحق ابنك وحيدك الذي تحبّه واذهب إلى أرض موريّة، وهناك أصعِده محرقةً على جبلٍ أدلّك عليه ( وقد قلنا سابقاً أنّ الإنسان المؤمن في الكتاب المقدّس، صاحب مرجعية واحدة وهي الله. لذا فهو عندما يقرأ تاريخه يراه من منظار إرادة الله، ولذا يقول: قال لي الرب).

"فبكّر إبراهيم في الغد وأسرج حماره وشقّف حَطباً لمحرقة، ثم أخذ اثنين من خدمه واسحق ابنه وسار في طريقه إلى الموضع الذي دلّه الله عليه. وفي اليوم الثالث رَفع إبراهيم عينيه فأبصَر المكان من بعيد، فقال لخادميه: "انتظِرا أنتما هنا مع الحمار" (فالإختبار يعيشه وحده مع ابنه والرب فقط) "وأنا والصبي نذهب إلى هناك فنسجُد ونرجع إليكما وأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على ظهر اسحق ابنه وأمسك بيده النار والسكين، وسارا كلاهما معاً فقال اسحق لأبيه: يا أبي! قال: نعم، يا ابني قال: هنا النار والحطب، فأين الخروف للمحرقة؟ فأجاب إبراهيم: الله يدبّر الخروف للمحرقة يا ابني"(تك 22/1-14). ها هو إبراهيم ضمن مأساته ظلّ منفتحاً على تدبير الرب. يقدّم ابنه بثقة وبإتكال على عناية الله وتدبيره رغم جهله الكليّ لهذا التدبير.

هذه الكلمة "الله يدبّر" ما زلنا اليوم نرددها. وابراهيم مثال لكل مؤمن، هو المثال الذي نسعى إليه. هنا تكمن صعوبتنا، أن نثق بالرب، بالرجاء ضدّ كلّ رجاء.

 "فلمّا وصلا إلى الموضِع الذي دَلّه الله عليه، بنى إبراهيم هناك المذبَحْ". وهنا بدأت "النقلة" من عهد تقديم الذبائح البشرية الى تحريم هذه التقادم. ومن الذي يمنعها سوى الرب نفسه في الكتاب المقدس. أما في حينها فكان ابراهيم يعيشها مأساة حقيقية وامتحاناً مؤلماً لمحبته.

"ورتّب الحطب، وربط اسحق ابنه، وَوضعه على المذبح فوق الحطب، ومدّ إبراهيم يده، فأخذ السكين ليذبح ابنه فناداه ملاك الرّب من السماء وقال: إبراهيم، إبراهيم! قال: نعم، ها أنا" (الطواعية من جديد). قال: "لا تمدّ يدك إلى الصبيّ ولا تفعل به شيئأً". (هذا النَهي الصادر من الرّب واهب الحياة، ومعطيها لا يقبل بالتفريط بها، هذا مستحدث وجديد في العهد القديم) "الآن عَرفتُ انكّ تخاف الله فما بخلُت عليّ بابنك"(تك22/15-19).. سالماً أعيده لك، أما أنا الآب الحقيقي، لن أبخل بابني عليكم، وسأعطيكم إياه ذبيحة وهو الذبيحة الوحيدة المرضية.

"فرفع إبراهيم عينيه ونظر فرأى وراءه كبشاً عالقاً بقرنه بين الشُجيرات، فاقبل على الكبش وأخذه وقدّمه محرقة" بدل ابنه (وصار إستبدال الذبائح البشرية بحيوان). "وسمّى إبراهيم ذلك الموضع  "الرّب يُدبّر". فيقال إلى اليوم: هذا جبل "الرّب يُدبِّر". ونادى ملاك الرّب إبراهيم ثانية من السماء وقال: بنفسي أقسمْتُ، يقول الرّب: بما أنّك فعلت هذا وما بخُلتْ بابنك وحيدك، فأُباركُك وأكثر نسلك كنجوم السماء والرّمل الذي على شاطئ البحر، ويرِث نسلك مدن أعدائه، يتبارك في نسلك جميع أمَمِ الأرض لأنّك سَمِعت لي".

"ثم رجع إبراهيم إلى خادميه فقاموا وذهبوا معاً إلى بئر سبع".

"وأقام إبراهيم هناك"...(تك22/19).

ثمّ يأتي النص على سرد نسل ابراهيم وموت سارة ودفنها.(راجع تك23/1-2).

 

خلاصة

إبراهيم أب المؤمنين، بطاعته وعطائه وإيمانه اللامحدود. وهو حتى يومنا هذا مثال الإيمان والثقة والعلاقة الصافية المميزة بين الله والإنسان.

 
اسحق

ننتقل الى اسحق الذي كبر وتزوّج وأنجب ابنين عيسو ويعقوب.

الفصل 24: "وشاخ إبراهيم وتقدَّم في السن وبارك الرّب إبراهيم في كلّ شيء . وكما أنّ ابراهيم اختار الله شريكاً له في كلّ شيء، كذلك اختار الله أن يكون ابراهيم حصته ويبارك مباركيه ويلعن لاعنيه. هكذا نحن كلّما مشينا على درب الرب، تبنّى الرب مسيرتنا ومشروعنا، وهذه هي قوّتنا وضمانتنا. ودبّر ابراهيم زواج اسحق من رفقة كما يرويه الفصل 24 من سفر التكوين.

 

الفصل 25 موت إبراهيم

وهنا نأتي الى نهاية سيرة حياة ابراهيم ، ونختم الفصل 25 بموته.

"وكان عدد السنين التي عاشها إبراهيم مئة وخمساً وسبعين سنة". ليس هذا العدد موازياً لما نعدّه اليوم.

"وفاضَت روح إبراهيم ومات بشيبةٍ صالحة، شيخاً شبع من الحياة" (هذه علامة الرِضا، علامة البركة) .

"وانضمّ إلى آبائه. فدفنه اسحق وإسماعيل ابناه في مغارة المكفيلة تجاه مَمرا، في حقل عفرون بن صوحَر الحثّي، وهو الحقل الذي اشتراه إبراهيم من بني حثّ". (تك25/7-11).

"هناك دُفِن إبراهيم وامرأته سارة. وبعد موت إبراهيم بارك الله اسحق ابنه. وأقام اسحق عند بِئر الحيّ الرّائي".

 

ملاحظة:

إن كنا نقرأ هذه النصوص من منطلق تاريخي أدبيّ محض فلن تنفعنا شيئاً. هناك قصص أخرى أكثر أهمية نقرأها؛ أما إذا كنا نقرأها ككلام الله، فهي تبقى لنا اليوم دفعة جديدة إلى الأمام في مسيرتنا الروحية على ضوء مسيرة شخصيّات الكتاب المقدّس.


التعليم   |||   الصفحة الرئيسية