لقاء الأربعاء 16 تشرين الأوّل 2002
دار سيدة الجبل

الموضوع: مقدمة لكتب التوراة، او كتب الشريعة ودراسة الفصول 1-11 من سفر التكوين.
كتب الشريعة
هي الكتب الخمسة الأولى من الكتاب المقدّس العهد القديم: سفر التكوين، سفر الخروج، سفر الأحْبار، سفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع سُميت كتب الشريعة لأنها تضع أسس حياة الشعب مع اللّه و تتضمن مجموعة الشرائع الإلهية.
كُتِبَت هذه الأسفار سنة خمسمئة قبل الميلاد تقريباَّ، وهي تتحدّث عن الخلق من جهة، وعن بداية تاريخ الشعب اليهودي وتكوينه مع أبراهيم )1800 ق.م.( من جهة أخرى. والواجب أن نميّز بين قسمين: ما يُعرف بما قبل التاريخ وهو ما كُتب قبل إبراهيم، والسرد التاريخي (أو شبه التاريخي) الذي بدأ مع إبراهيم.
هذه الكتُب الخمسة هي مجموعة كتابات وصلت إلينا من تقاليد مختلفة، )ومنها التقليد الألوهي، والتقليد اليهوي والتقليد الكهنوتي...) وجُمعت بالتسلسل الموافق. هذا ما يفسّر ترداد بعض القصص والأحداث في عدّة فصول. ولنا مثال على ذلك، أنّ لعملية الخلق روايتين مختلفتين: الأولى في سفر التكوين الفصل الأول: "في البدء خلق الله السماوات والأرض وكانت الأرض خالية خاوية" (تك1/1) تُخبَّر بطريقة شعريّة ورمزيّة، والثانية في السفر نفسه الفصل الثاني: "وخلق الله السماوات والأرض"(تك2/)...، تُخبَّر هنا بإطار أكثر "فلاحي"، الله يزرع حديقته، يصنع الإنسان، يجبله. وهكذا نستنتج أنّ الكتابتين ليستا من التقليد نفسه.
أمّا الفصول الإحدى عشرة الأولى من سفر التكوين فهي تُعتبر بمثابة مقدّمة لكلّّ هذه الكتُب الخمسة، وفيها يطرح الكاتب المُلهم كلّ تساؤلاته وتساؤلات شعبه الكيانية والأجوبة التي لديه من خلال ايمانه مستنداً إلى فنّ الأسطورة.
والأسطورة فنّ أدبي يحمل في طيّاته حقيقة الإنسان التي لا يستطيع أن يعبّر عنها الاّ بكلام رمزي لتدلّ على ما هو أعمق من الرمز. فالأسطورة إذاً ليست قصّة خرافيّة بل تحمل بطيّاتها حقيقة كبيرة وعميقة؛ لهذا نجد مثلاً أنّ قصة آدم وحوّاء من أكثر قصص الكتاب المقدّس قوّة وتأثيراً في الأذهان.
الفصول من 1 الى 11:
في الفصل ألأوّل، سردٌ أوّل لعملية الخلق بأسلوب شعريّ رمزي.
يتبعه في الفصل الثاني، سردٌ آخر لخلق العالم والإنسان: "ذكراً وأنثى خلقهما".
أمّا الفصل الثالث فيخبر عن سقوط الإنسان وإنفصاله عن مشروع الله الأساسي.
الفصل الرابع، يخبرنا قصّة قايين وهابيل اللذين يمثلان شعبين متناحرين هما الرُحّل والحضر ويصوّر لنا صراعهما المستمر. قايين هنا يمثّل الشعب المستقرّ، الشخص الذي قتل أخاه وهو مسؤول عنه أمام الرّب الذي يطالبه بهذه المسؤولية.
بعدها يستعرض الكتاب المقدّس نسل آدم. ثمّ ينقلنا ليخبرنا كيف عادت الأرض تتذمّر على الله فغطّتها الوثنية، وما عاد الله يرضى عنها فأغرقها ليعود ويخلقها خلقاً جديداً مع نوح.
وتُختم هذه الأحداث مع سلالة نوح حتى نصل إلى بُرج بابل الذي يدلّ على مدى اعتزاز الشعب بنفسه واتّكاله على ذاته وطموحه أن يصل عنوةً حتى السماء. لكنّهم ما إن بنوا برجهم حتى تخاصموا وتشتّتوا. ولدينا ما يعاكس هذه القصة في العهد الجديد، وهي لوحة العنصرة حيث كان التلاميذ يتكلّمون لغات مختلفة ويفهمون بعضهم البعض. إذاَ، ما دام الله هو مرجع الإنسان، فمن هذا المرجع يستمد الناس وحدتهم وشراكتهم وتواصلهم الصحيح.
مغزى هذه الفصول:
أخبر الشعب اليهودي قصته بطريقة شخصيّة، وكانت لديه أسئلة كيانية وجودية كأسئلتنا اليوم. هذه أسئلة مطروحة على كلّ إنسان. وهي ايضاً أسئلة شعوب أخرى كانت تعيش حوله، من الحثيين والأموريين والأشوريين والبابليين والمصريين، وكان لكلّ شعب أساطير تجاوب على أسئلته. فلمّا اطّلع الشعب اليهودي على تفسيرات الشعوب الأخرى، بلور نظرته الإيمانية تجاه هذه الأسئلة ومنها: من خلق الأرض؟ من أوجد السماء؟ لماذا الموت؟ لماذا الألم؟ ما هي الخطيئة؟ ما هو مصيرنا بعد الموت؟ وغيرها...
بالنسبة لهم أول فعل إيمان أساسي هو انّ الله هو خالق كلّ شي، مصدر كلّ شي، مصدر كلّ بركة، مصدر كلّ خير، مصدر كلّ صلاح. لكنّهم وإن تردّدوا أمام الألم والحزن والتعاسة، فقد وثقوا أنّهم لم ينبعوا من الله. إنهّم من مكان ما خارج الله، من مكان ما في قلب الإنسان، ومن غير الممكن أن يكونوا من الخلق الأساسي، لأنّ خلق الله كلّه صلاح. إذاً، الشرّ يأتي من الخارج، الشيطان، الحيّة، شيطان بشكل حيّة، هي التي لعبت بعقل الإنسان الغير كامل، ووسوست له افكاراً أبعدته عن مشروع الله الأساسي وكسرت صداقته مع الله.
علّم القديس أغسطينوس ان الخطيئة الأصليةّ تتناقل بالذريّة، بالتناسُل (وهذا خطأ). ففي كلّ إنسان توجد بذرة التفكك، وبذرة التمرُّد والتفرُّد، في أعمق أعماقه، كما وبذرة الكبرياء والكذب، وهذا القاسم المشترك بين كلّ البشر هو ما يُسمّى بالخطيئة، هي هذه المقدرة على الإبتعاد عن الله، وعن الإنسان، وابتعاد الإنسان عن ذاته. إنّها أصلية لأنّها موجودة أصلاً في كلّ إنسان.
ونرى الله من أوّل صفحة لآخر صفحة من الكتاب المقدس في حرب دائمة ضدّ قوّى الشرّ التي تحاوِل أن تنزع الإنسان من يده. ولكنّه وهو القادر على محاربة الشياطين لا يقدر أن يحارب الإنسان في بُعد هذا الأخير عنه أو أن يرجعه اليه عنوة، كما نرى في خبرة يسوع.
هذا الآدم الجديد الذي لِبس التراب من أجل أن يخَلِّص الترابييّن أي كلّ آدم، كلّ البشرية المُمَثّلة بآدم. آدم ليس بشخص، آدم يعني كلّ البشرية وكلّ إنسان. و يسوع الإبن الوحيد آدم الجديد المُرسل من الآب ليلبس الجسد الترابي ويشتري آدم، أتى لأجل كلّ واحد منّا، نحن آدم القديم.
فعل الإيمان الثاني، هو أنّ الله الذي خلق الإنسان كي يعيش معه علاقة حبّ وصفاء وحمّيمية، أراده انّ يعيش مع أخيه الإنسان بصفاء وهناء. فالوصيّة الأولى "أحبب الله من كلّ قلبك ومن كلّ نفسك ومن كلّ قوّتك" التي وردت في سفر تثنية الإشتراع وترددت على لسان يسوع، تليها وصيّة ثانية تشبهها "أحبب قريبك كنفسِك". ولكن عندما تتخربط علاقة الإنسان مع الله، تتخربط طبيعيّاً وتدريجياً علاقته مع أخيه الإنسان. ولهذا تأتي قصة قايين وهابيل بعد نصّ الخلق والعصيان مباشرة. قصة الكره بين الشعوب، قصة الإنسان الذي يحسد أخاه الإنسان، الذي يقدّم البواكير ويرضى الله عنه؛ فيحقد وحقده يدفعه الى القتل. ويبقى الله، رغم كلّ شيء، حصّة الإنسان، لهذا نراه أمام هذا الوضع يفتّش عن طريقة ليعيد قايين القاتل إليه، مستعداّ لينقذه من "الوحلة" التي أوقع نفسه فيها.
كيف خلق الله:
كانوا يِتصوْرون الأرض خالية، خاوية، مغمورة بالمياه، ولمّا فصل الله اليبس عن المياه، صنع مياهاً تحت اليبس ومياهاً فوقه فظهرت الأرض، وفصل المياه التحتيّة عن السقف، وفصل الفضاء عن المياه. وكأن للأرض ركائز وما تحت الأرض هو الجحيم. هذا تصوّرهم الcosmogonique للأرض. عندما خلق الله الأرض نظّمها، نزعها من المياه وخلق الفضاء وخلق النهار والليل وعلّق الثريّات وترك مجالاً كي تمر مياه الأمطار وبعدها وضع المياه. في الكتاب المقدّس نرى انّ المياه هي مكان الجحيم، مكان التنّين، مكان الشيطان، مكان الموت. وعندما وقع الشرّ لم يعد الله يتحمّل، وندم على الذي خلقه، ففاضت المياه وكأنّها كانت تصعد من الأسفل وتنزل من الأعلى فحدث الطوفان وغطّت المياه الأرض من جديد، لتُطهّرها من الشر والضلال والوثنية.
من المؤكّد أنّه في بلاد ما بين النهرين حدث طوفان في مكان ما، فأخذوا هذا الحدث وعملوا منه قصّة كونيّة، وأخبروا أنّ الله اختار مخلّصاً وهو نوح، وطلب منه أن يبني سفينة، يدهنها بالزفِتْ ويُدخل معه إليها كلّ ما يلزم لكي تعود الأرض وتستمرّ لكن بخلق جديد وكأنّ الله خلق، في المرّة الأولى، الأرض من لا شيء من العَدَم، وعاد الآن وخلقها من جديد مع نوح. ولكن ليس هناك شخص اسمه نوح، ولا آدم، ولا حواء، هذه قصّة معبّرَة، طريقة تعليمية ليعبّروا عن فكرة أبعد بكثير وأعمق بكثير من القصة. نرى أفكاراً ستتحقق فيما بعد.
الوعد بدأ. الإنسان عصيَ الله وطُردَ من الجنّة لكن الله لن يتركه عاصياً لهذا وعده بالمخلّص. ونرى في نوح نوعاً من المخلّص، خلّص البشرية من الإنحلال، من العدم، وخلق الله نظاماً جديداً وعمل قوس قُزح بيننا وبينه، "عهد بيني وبينك يا إنسان"، أي أني لن أحطمّك بعد اليوم.
وبعد:
ويبرُز شخص اسمه ابراهيم، معه يبدأ الواقع التاريخي، الله يأخد المبادرة، يتدخّل بحياة الإنسان، يتدخّل بتاريخ الإنسان، يعود مع الإنسان يصنع التاريخ من جديد، يتدخّل مع إبراهيم، مع يعقوب، مع اسحق، مع موسى، مع الشعب ويخلق شعباً ويخلق تاريخاً ويتدخّل معي، في حياتي وفي حياة كنيستي ولو كان لا يتدخلّ لكانت حالتي سيئّة جدّاً.
الخلاصة:
قبل إنشاء العالم يريد الرّب انّ يسترجع الإنسان إلى البنوّة، والجميل في قصّة السقوط انّه عندما كان الإنسان يحاوَل أن يتذاكى على الله، (أريد أن آكل من شجرة المعرفة حتى أصير أعرف، وبتعبير أخر لكي أصير الهاً مكانك، وهذا خبث وقلّة ثقة بالله)، في الوقت نفسه كان الرب يقدّم له الألوهة من خلال هذه البنوّة وهذا الفرق بين آدم والإبن (يسوع أطاع حتى الموت على الصليب ليعلّمنا كيف نكون أبناء، بطاعته اشتُرينا)، آدم عمِل عكس الطاعة، وفي خبرتْنا مع الصلاة، خبرتْنا مع الرّب، حياتنا موقْفة على ال لا والنعم. ويقول بولس في 2 كورنتس 1: 19، "لأنّ يسوع المسيح ابن الله الذي بشّرنا به بينكم أنا وسلوانس وتيموتاوس ما كان نعم ولا بل نعم كلّه". الله الذي وعد بالخلاص حقّق هذا الوعد بيسوع فهو النعم لكلّ وعود الله لذلك نقول آمين (يعني نعم) بالمسيح يسوع اكراماً لمجد الله.
يسوع كلّه نعم، ونحن فيه سنقدر أن نقول نعم وهذا هوَ المفتاح. آمين.