![]()
مقّدمة
:
يظهر لوقا مقدرة روائية
استثنائية في تركيزه على شخص المسيح في إنجيله. وهويستغّل عناصر عديدة من الفّن
الروائي ليبرز شخصيّة المسيح كما ظهرت للناس وللتلاميذ منذ بداية بشارته في الجليل
وحتّى موته وقيامته وصعوده. سنحصر الكلام عن ناحية أساسيّة في شخصيّة المسيح
اللوقاوية وهي الأسئلة والأجوبة التصاعدية حول هويته الحقيقيّة.
1-
هوية المسيح كما ظهرت في بشارته في الجليل ( لوقا 4: 14 – 9: 50)
منذ البداية تساءل أهل
الناصرة عن هوية ابن قريتهم الذي يدّعي أنّه مُرسَل(22:4) والفرّيسيون يتساءلون
مرَّتين عمَّن هو هذا الذي يغفر الخطايا؟ (21:5 و 49:7)،
والجمع في كفرناحوم يتساءل: "ما هذه الكلمة؟" وكذلك يوحّنا المعمدان
يرسل له رسلاً يسألونه:" أأنتَ الآتي ام ننتظر آخر؟"(18:7-20) وكذلك
الرسل يتساءلون:"مَن ذا الذي يأمر الرياح نفسها والمياه فتطيع؟"
(25:8) حتى إنّ صيته وصل الى هيرودس امير الربع فنراه يسأل من هذا الذي أسمع عنه كل
هذا؟ (9:9). وأخيراً، يسأل المسيح نفسه رسله عمَن تقول
الناس إنه هو (18:9).
في جواب التلاميذ على
سؤال يسوع عمن تعتقد الناس أنه هو, نفهم أنه بنظرهم إمّا يوحنّا المعمدان وإمّا
إيليا النبي وإمّا احد الأنبياء الذين قاموا من الموت (19:9)،
وهذا ما يذّكرنا بما سمعه هيرودس نفسه عندما تساءل عن هوية يسوع(7:9-8). والحقيقة
أنَّ الجميع تقريبا كانوا يعتقدون بأنه نبي عظيم او انهم كانوا يلتمسون فيه ملامح
النبي. وهذا الاعتقاد يرتكز على امرين:
تعاليمه و
عجائبه .
وكما رأينا سابقا فالمسيح
نفسه يبدأ بشارته بإعلان برنامج نبويّ يتحقق فيه ومن خلال رسالته (16:4). وهو نفسه
يشبّه ذاته بإيليا واليشاع في رفضه اجتراح العجائب في وطنه الناصرة (24:4-30)،
ومع ذلك فلا يمكننا اعتبار هذه اعلاناً واضحاً منه بأنه نبيّ. كما أن لوقا – كاتب
الإنجيل – لا يتدخّل ابداً ليعلن أن المسيح هو النبي. فما هي هويه يسوع الحقيقيّة
اذاً؟
إنَّ تركيز لوقا على
الأسئلة عن هوية المسيح واكتفائه بإعلان ما اعتقده الناس من صفات تبويه عند المسيح
يَدخلان في إطار اسلوبه الروائي الذي يشدّد على أنَّ المطلوب
ويوحنّا المعمدان الذي هيّأ
له الطريق يسأله اذا كان هو المسيح الآتي(18:7-23)
فيجيبه المسيح من خلال القيام بأعمال شفاء عظيمة ومنها قيامة الموتى تأكيداً على
أنه هو ولكن دون أن يجيبه صراحة. حتى الرسل الذين اعترفوا به "مسيح الله"(20:9-21)،
وهو ما يؤكّد تعّرفهم الى هويته بطريقة اعمق من الآخرين،
يظلون عاجزين عن ادراك معنى اعترافهم هذا(44:9-45).
وكما يلاحظ الشرّاح عادةً،
فالمسيح لا يعطي نفسه لقباً سوى "إبن الإنسان" وهو لقب قريب جداً من
"الإنسان" وليس له منحى نهيوي واضح، على الأقل في
هذه المرحلة من الإنجيل. فهوية المسيح الحقيقية لا تظهر بعد،
وفي هذا يبقى لوقا أميناً لتطوّر الأحداث التاريخيّة كما حصلت في حياة المسيح نفسه
مما يترك السؤال عن هويته قائماً. ومن الضروري إكمال الرواية وقراءة القسم الثالث
من انجيله لمحاولة فهمه بشكل اعمق.
2-هوية المسيح كما ظهرت في رحلته الصاعدة إلى أورشليم (51:9- 44:19)
بعد إعلان بطرس أن
"أنت مسيح الله" في نهاية القسم الثاني من الإنجيل،
لا نجد أي سؤال عن هوية المسيح في هذا القسم الثالث ولا أحد يسمّيه نبياً أو يطلق
عليه لقبا آخر حتي نهاية القسم. وكأن هذا الإعلان المسيحاني قد وضع حدّاً للتساؤلات
عن هويته وصار المطلوب أن يأخذ كل واحد موقفا منه إما بقبوله وازدياد التعّرف اليه
باتّباعه في الطريق, وإما برفضه ومقاومته. أما يسوع فيبدو عازماً على الكشف عن
هويته، وإن بطريقة غير مباشرة،
وذلك بإيضاحه لحقيقة هويته النبوية وبكلامه المتزايد عن الملكوت.
وهنا يتّضح لنا أنّ مفهوم
المسيح لنفسه كنبيّ يختلف تماماً عن مفهوم الآخرين له, وهذا ما يفسّر،
كما قلنا، الرفض المتزايد لشخصه وتعاليمه... ومن جهة
ثانية, نلاحظ أن هذا القسم مليء بإعلانات الملكوت بعكس القسم السابق. ففي بداية
الطريق إلى أورشليم يرسل الاثنين والسبعين ليعلنوا أنه "قد اقترب ملكوت
الله"(9:10-11)، وفي ردّه على متّهميه بأنه رئيس
الأبالسة يجيبهم: "إن كنت اطرد الشياطين بإصبع الله فهذا لأن ملكوت الله قد
حضر (20:11)، و في (20:17) يؤكّد للفريسيين بأن
"ملكوت الله بينكم". وفي موازاة ذلك يبدو أن محور امثاله وتعاليمه الأساسي
هو هذا الملكوت الذي يمكن تمييز قسمين أساسيين فيه :
·
اعلان الملكوت وشروط الدخول اليه ووقت مجيئه وهويته .
·
وتلميحات واضحة إلى هوية الملك التي تصل إلى قمتها
بإعلانه ملكاً عند دخوله إلى أورشليم (28:19-38).
وكما لم يفهم أحد حقيقة
هويته النبوية، تعاظمت المقاومة له لأنه ربط رسالته
بالفقراء والمساكين والخطأة (القسم الثاني)، كذلك سيُساء
فهم هويته الملكية وحقيقة الملكوت المزمع تحقيقه. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أهمية
أورشليم التي بيّناها سابقاً.
فهذه المدينة التي
توجَّهَ اليها المسيح هي المكان الذي سيحقق فيه ملكوته،
ولكنها ايضاً المدينة التي سترفض الملك الآتي إليها.
3
- هوية المسيح كما ظهرت في أورشليم
يمكننا التوقف عند سرد لوقا لمحاكمة يسوع بدءاً من مجلس اليهود وإنتهاءً بتسليمه
ليُصلب. ولكن هذه الأحداث قد درست بشكل كاف وأظهر الشرّاح أهمية الألقاب التي
أُعطيت له "كألمسيح"، و"ملك اليهود"،
و"إبن الله"، وما قاله هو عن نفسه من
"أنّ إبن الإنسان يجلس من الآن عن يمين العزّة الإلهية" مبيناً حقيقة مجده
وارتباطه الوثيق بالآب. ولكننا نودّ أن نظهر احدى خصائص إنجيل لوقا الأساسيّة في
عرضه للأحداث، حين بيّن أن يسوع هو الذي تحقّقت فيه
نبوءة عبد يهوه المتألم.
فكل الأحداث تبيّن أن نبوءة عبد يهوه قد تمّت في يسوع،
فلم يتألّم فقط بل صُلِبَ وماتَ مُتَّهَماً بجرائم لم يقترفها. وإستناداً إلى ذلك
يمكننا فهم المواقف المتتالية من يسوع والتي كانت بمثابة اعتراف ببراءته. فالنساء
اللواتي رافقنه على الطريق إلى الجلجلة كنَّ يولولنَ ويلطمنَ الصدور كمن يبكي باراً
مظلوماً لا مجرماً(27:23)، ولصّ اليمين يعترف ببراءته
(40:23-41)، وقائد المئة
يعترف بأن "هذا الإنسان كان حقّا بارا" (47:23). والجموع التي طلبت
صلبه بعد أن اعترفت به نبياً وملكاً عادت تقرع صدورها بعد مشهد موته. نستنتج من كل
هذا أن المحور الأساسي لرواية لوقا في هذا القسم من إنجيله هو إظهار تتميم نبوءة
عبد يهوه المتألم في شخص يسوع بالإضافة إلى كل ما يتعلّق بألقابه الأخرى.
4- شخص المسيح القائم من الموت
يسرد لنا الفصل الرابع والعشرون من لوقا ثلاثة احداث رئيسيّة تحصل بعد القيامة.
فالنساء اللواتي ذهبن لتحنيطه وجدن القبر فارغاً. وتحدّث اليهنّ ملاك الربّ معلناً
قيامته من بين الأموات ومشدّداً على ضرورة تذكّر كلامه من أنه " على إبن
الإنسان أن يسلّم إلى أيدي الخطأة،
ويُصلَب، وفي اليوم الثالث يقوم"،
ويخبرنا لوقا بأنهنّ تذكّرن كلامه (1:24-8).
وتلميذا عمّاوس لا يتعرّفان اليه الاّ عندما كَسَرَ الخبز وبعدما شرح لهما الكتب
مبتدئا بموسى وكل الأنبياء. ويعترفان فيما بعد بأن قلبهما كان يضطرم حين كان
يُحدِّثهما في الطريق ويشرح لهما الكتب (26:24-27-32).
وأخيرا عندما تراءى المسيح للتلاميذ ذَكَّرَهُم من جديد بما قاله لهم , ولم يفهموه
في حينها، بأنه ينبغي أن يتم فيه كل ما كُتِبَ في توراة
موسى والأنبياء والمزامير، ثمّ فتح أذهانهم ليفهموا
الكتب، وبخاصة ما جاء في الكتاب: " إنَّ المسيح
ينبغي أن يتألّم ، ويقوم في اليوم الثالث من الأموات "
(24:
44-46).
إنها إذاً كريستولوجيا التعّرف الى شخص المسيح من خلال ثلاثة أمور:
·
قراءة كتب العهد القديم بكونها قد تحققت في شخص المسيح.
·
ضرورة التعّرف إلى المسيح التاريخي من خلال اقواله
وأعماله وأحداث تاريخ حياته كلها.
·
التعّرف إلى المسيح من خلال
" الشهود" على هذه الأحداث.
من هنا نفهم مقدمة لوقا
الشهيرة الذي يؤكّد فيها ارتباط البشارة بأحداث تمّت فَدَوَّنَها ونقلَها شهود
عيان, ويُعبِّر عن رغبته بكتابتها من جديد، ولكن بما
يُظهِر تَسلسُلها التاريخي منذ البدء
(إنخيل الطفولة)، وانطلاقاً من البشارة في الجليل،
مروراً برحلة المسيح الصاعدة إلى أورشليم وتحقيق عمله الخلاصي بآلامه وموته
وقيامته.
الخوري جان عزّام
قراءة وحياة
1 - أنا مَن يوَد أن
يختبِر يسوع بالعمق ويتعَرَّف اليه اكثر, اتعهّد على ذاتي
خلال هذه السنة اليوبيلية أن افتح إنجيلي كلّ يوم
للقراءة والتأمّل.
![]()