عيلة مار شربل   " وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

الأربعاء الأول من شهر تشرين الأول ‏2000‏

 كنيسة مار شربل _أدونيس _

الأخت ماري أنطوانيت سعادة

    الموضوع:" ليقوى فيكم الإنسان الباطن"( اف4/16 )

المجد لله   

" مرتا، مرتا،  إنك في همّ وارتباك بأمور كثيرة، مع أن الحاجة الى أمر واحد . فقد اختارت مريم النصيب الأفضل، ولن يُنزع منها ".(لو10/41-42)

تستحق هذه الكلمات أن نتوقّف عندها ونتأمّل فيها لسببين :

-      لأنها مدوّنة في الإنجيل.

-       ولأنها كلمة صادرة من فم المسيح.

ماذا يطلب منّا، الرب يسوع من خلال هذه الآية ؟

 " فقد اختارت مريم النصيب الأفضل ولن يُنزع منها  "

في كلّ انسان هناك مرتا ومريم، والنزاع قائم بينهما من يغلب فينا، مريم أم مرتا ؟ إنّ المسيح يدعونا بشكل جدّي وقويّ ان نختار النصيب الأفضل، وطوبى لمن أحسن الإختيار! " فقد اختارت مريم النصيب الأفضل ولن يُنزع منها".   

إن لبولس الرسول كلام بهذا الشأن في رسالته الى اهل أفسس فصل 3 من آية 14 الى فصل 4 آية 16: صلاة بولس " لهذا أجثو على ركبتيّ للآب "

أ - بولس يصلّي من أجل من؟

" لهذا أجثو على ركبتيّ ..."

كتب بولس رسالته من السجن وهو على الأرجح راكع على الركبتين ، يصلّي من أجل أولاده في أفسس الذين ولدهم للمسيح بالبشارة . فكنيسة أفسس الصغيرة كانت تمرّ
بمشاكل داخلية وخارجية بسبب التزامها ببشارة المسيح. لهذا كتب لهم تلك الصلاة النابعة من القلب .

 ب-  بولس يصلّي ويتشفّع من؟

" إني أجثو على ركبتيّ للآب وأسأله " 

يطلب بولس من الآب السماوي ، مصدر كلّ أبوّة وكلّ حب، "فمنه تستمد كلّ أسرة اسمها " هنا حصّة كبيرة للآباء والأمهات فالله الآب هو  مصدر كلّ حبّ ، فإذا سألتموه يسكب في قلوبكم الحب الحقيقي  والصحيح في قلوبكم .كلّ أسرة، كلّ عائلة، كلّ كنيسة، كلّ اثنين اجتمعا باسم يسوع ، منه وحده يستمدّون الحب ، فهو نبع الأبوّة والأمومة والأخوّة، هو نبع الحب. إذا أردنا أن نحبّ أولادنا محبة حقيقية، علينا أن نركع كلّ ليلة ونطلب من أبينا السماوي أن يعلمنا كيف نحبّهم .

ج - ماذا يطلب بولس في صلاته؟ ولماذا؟

16  "أسأله أن يهب لكم على مقدار سعة مجده أن تشتدوا بروحه"  

  ما أوسع الله ! اني أطلب لكم هذا الوسع والقوّة بالروح القدس، لأن هذا الوسع المطلوب هو وسع غير عادي ، هو وسع سماوي . فعلى قدر ما نقوم بتوسيع  المكان بقوّة الروح القدس ودون ان يتمزّق، يشتد البناء الداخلي ويقوى فينا الإنسان الباطن

بركوعه، بولس يطلب لأبناء كنيسة أفسس أن يوسّعوا عقولهم وقلوبهم وكيانهم حيث سكنى الله حيث سكنى الثالوث. نحن في عالم صعب لا يساعدنا على التعمّق، هو عالم سرعة، ركض وضجّة، تسابق وتهافت على امور الأرض، على السلطة والمال والإستهلاك. ان الضغط الخارجي يسحقنا، يزعجنا، يطحننا، يلغيناعلينا ان نخلق بالمقابل مساحة داخلية. لماذا؟

(16)   "ليقوى فيكم الإنسان الباطن "  

حين  ينمو الإنسان الباطن فينا ويكبر، يتحضر لفعل التجسّد (وان يقيم المسيح فيكم بالإيمان"(14). فإذا خلت حياتنا الباطنية من حضور يسوع، فقدت حياتنا معناها

اذا نظرنا الى يومنا من أوّله حتى نهايته، هل يوفّر لنا أوقات خلوة وصلاة ، هل يساعدنا على الاتحاد بالرب الساكن فينا ؟ هل أخلق لنفسي خلال النهار مساحات باطنية تعطي لحياتي معنى؟ حين نوسّع المكان، ابن الله نفسه ينزل ويتجسّدكما نزل وتجسّد من مريم البتول . التجسّد فعل يومي، فعل كلّ ساعة وكلّ دقيقة انه فعل مستمران الله الآب مستعد كلّ يوم ان يعطينا ابنه اذا وجد له مكان في المضافة (لو2/7).

 " حتى اذا ما تأصلتم وأُسّستم على المحبة..." (17)

حين يتجسّد فينا يسوع، تتأصّل شجرة حياتنا فيه ويترسّخ بنياننا عليه . مثلي الغرس والبنيان هما صورتان معبرتان عن هذا الإنسان الباطن وكلا الإثنين يدلاّن على الحاجة للإعتناء والإهتمام ان الإنسان الباطني الذي فينا يحتاج الى اهتمام وتنمية، من لحظة المعمودية الى ان ننمو ونصير بملء  المسيح.

18   "أمكنكم أن تُدركوا وتعرفوا وتمتلئوا"

حين تختار مريم فينا النصيب الأفضل ، حينها ندرك ونعرف ونمتلئ، ثلاثة افعال يستعملها القديس بولس ليعبّر عن موهبة الروح القدس التي تجعلنا نفهم وندرك قيمة هذا الهيكل الداخلي الذي يسكن فيه المسيح. فبقدر ما ندرك ونعرف، أي نختبر الرب بقدر ما نمتلىء من مواهب روحه، من بركته، من قداسته   " لله القادر بقوّته العاملة فينا ان يفعل أكثر ممّا نطلبه أو    نتصوّره"(20) عمل الله مشروط ومتوقّف على انفتاحنا وعلى " النَّعم" التي نقولها له كل يوم. ولكن هو أكبر واوسع من ان ندركه. وكلّ يعطي حسب مقدرته فالله الآب قادر على كلّ شيء وعمله فينا لا حدود له يا لها من  نعمة نعمة تعطينا معنويات، رجاء، زخم، فرح وهوس الروح بنعمته الحالّة فينا. الرب دعانا دعوة مقدسة ، إذن نحن من جماعة القديسين ،كما يقول القديس بولس، والبركة الداخلية تعطينا حياة أفضل، الشجرة الطيبة تأتي بثمار طيبة .

ما هي ثمار من يعيش مضمون هذه الصلاة؟

/14  الله ساكن فينا، الله هو آب، أب ليسوع ، أب عرفناه بيسوع بقوة الروح القدس.

  ما طلبه بولس لأولاده من الآب كان عزيزاً على قلبه، هذا الطلب بالذات أي ان ينمو فينا الإنسان الباطن، هو طلب نستمدّه لكلّ واحد منا، هو نعمة نطلبها من الروح القدس لكي نبقى ونحن موجودون في قلب العالم محافظين على هذا المكان الداخلي الذي نبنيه يوماً بعد يوم بقوّة الروح القدس الساكن فينا. هو وحده قادر على مساعدتنا اذا اردنا التغيير والتحوّل هذا المكان الباطني يصبح بيت قربان داخلي، صومعة، هيكل مقدس للآب والإبن والروح القدس. حينها تأتي سيرتنا مسيحية اينما حللنا في  التربية  لا نلقّن  الولد بل

نساعده ان يكتشف من الداخل وبنفسه! ونحن ايضاً ، الرب الساكن فينا الى اين يريد ان يوصلنا ؟

/18-19  يمكننا ان ندرك هذه الحقيقة وان نقبلها بالإيمان ونختبرها في حياتنا.

/20         علينا ان نندهش لعمل الله في قلوبنا وحياتنا ونشهد له.

حين نهتم بالإنسان الباطني فينا يتوحّد كياننا كلّه وتأتي سيرتنا مقدّسة، " أناشدكم أن تسيروا سيرة تليق بالدعوة التي دعيتم إليها " (4/1) . كذلك تتم الوحدة بين أعضاء الجسد الواحد وتلتحم بالرأس الذي هو يسـوع المسيــح, (أف 4/15-16) وهذه هي رغبة يسوع التي عبّر عنها في صلاته الكهنوتية (يو17) "يا أبت ليكونوا واحداً".هل نحن قادرون على عيش رباط المحبة، فقط حتى نرضي الرب؟

عيش المحبة صعب جداً اجتماعياً وعملياً لكنه مطلب يسوع ومطلب بولس وأيضاً مطلب كلّ واحد منّا .علينا أن نعيش تناغماً بين قناعتنا الداخلية وعيشنا الخارجي . نحن على طريق القداسة لنصير قديسين علينا ان نسير خطوة تلوه الخطوة ويوماً بعد يوم. سيروا، شقّوا طريقكم من الداخل الى الخارج، اسهروا على هذه المسيرة وحافظوا عليها حفظ حدقة العين. هذا المكان الباطني سريع العطب، علينا ان نهتم بصيانته وتغذيته بالصلاة، انه هيكلنا الوحيد لنسهر عليه ولا نهمله. اذا ابتعدنا عن صلاتنا اليومية فهناك صعوبة البدء من جديد وخطر ان لا نعود نبدأ.     

لنأخذ على نفسنا  تكريس وقت للصمت اليومي في آخر النهار : صمت مع الذات، سجود للرب، رجوع وعودة استعرض نهاري بصمت تحت نظر الرب تحت شمسه،
أقبل نفسي من بين يديه اقول له: باركني، ساعدني،سامحني، أطلقني ليوم جديد. الرب شجرة حياة، يمكننا أن نقطف منه كلّ يوم نعمة جديدة. الشرط الأساسي للمعمّد والمسيحي هو ان يستمر بإرضاء الرب عن طريق تقوية الإنسان الباطن فيه. هذا هو مطلب بولس وهذا طلب كلّ واحد منّا  لأولادنا ولكلّ من نحن عنهم مسؤولون ولكلّ الذين نحبهم.  آمين.  

للتأمّل والتفكير

1-                    هل أعي أهمية حياتي "المستترة مع المسيح" ؟

2-                    ماذا أعمل كي يقوى الإنسان الباطن فيّ، يومياً ودائماً ؟

3-                   عملياَ، ما الذي يهدّد بنيان هذا الإنسان الباطن فيّ ؟

الأخت ماري أنطوانيت سعادة


home    |   التعليم   |