عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

الأربعاء الأول من شهر حزيران 1-6-2005 

السيد بول عنداري – كنيسة مار شربل أدونيس

الموضوع: "أرسلني لأبشّر الفقراء"

 

مقدمة:         متابعة لسلسلة مواضيع هذه السنة "روح الربّ عليَّ"، سنة عاشرة لعيلة مار شربل احببناها أن تكون "سنة رضا عند الرب". موضوع اليوم طبيعتنا البشريّة لا تحبّه، ترفضه لأول وهلة لأنّه يخضّنا، موضوع الفقر. موضوع جذري يوقفنا أمام ذاتنا، امام حقيقة بشكل عام لا نعيشها بالشكل الذي يجب ان يكون. هذا الموضوع أساسي في ديانتنا المسيحيّة، وهذا موضوع أدعو كل واحد منّا أن يأخذه في سجود، في جلسة أمام القربان مع يسوع المسيح.

 

الموضوع: الفقر

 

لماذا التبشير للفقراء، وكيف أبشّر الفقراء؟

هذا الموضوع له معنى أو اساس فقط إذا قام وارتبط بشخص يسوع المسيح. الرب يسوع في كل حياته ورسالته عاش الفقر بملئه منذ تجسّده إلى الصليب.

"الكلمة صار جسداً"، ويعبّر عنها مار بولس في الرسالة إلى أهل فيليبي "هو في صورة الله لم يعدّ مساواته لله غنيمة بل افرغ ذاته آخذاً صورة العبد وأطاع حتى الموت، الموت على الصليب"... فيل 2: 6-7. ويضيف ايضاً القديس بولس: "أراد ان يكون فقيراً افتقر لأجلنا وهو الغني، لنغتني بفقره".

في الولادة، مريم وضعت يسوع في مزود. ومن بدء وجوده على الأرض نُبِذَ، "لم يكن لهما موضع في المضافة". واكثر من هذا، العلامة الخاصة ليسوع كانت الفقر: إليكُم هذه العلامة: "طفلاً مقمّطاً مضجعاً في مزود". في اول حياته اعلن، وهو بعمر 12 سنة، أن لا شيء له: "ينبغي أن أكون أولاً فيما هوَ لأبي". وعبّر عن هذا ايضاً على نهر الأردن، بالإنحناء على يد يوحنا، وتوّج التسليم في آخر مشهد على الصليب "بين يديك يا أبتِ اسلّمُ روحي".

عاش لعمر 30 سنة يعمل مثل كل الناس، عمل بالنجارة. وكان بدون مأوى طيلة رسالته، وعبر "إبن الإنسان لم يأت ليُخدَم بل ليَخدِم" وعبّر عن هذا ليلة الغسل، انحنى ليغسل ارجل التلاميذ...

في حياته على الأرض، جاع وعطش، وفي لقائه مع السامرية، "أنا عطشان"، طلب منها الماء وهو الماء الحي، وعلى الصليب صرخ، "أنا عطشان". واكثر من هذا عرّيَ مثل الفقير ومات على خشبة مجرّداً مُهاناً متروكاً.

في بدء حياته العلنية، وعندما قرأ يسوع "روح الرب عليّ مسحني وأرسلني لأبشر الفقراء" كان بفقره فقط يستطيع تبشير الفقراء.

طاغور يُخبر عن شخص عرف انّ ملكاً سيمر في بلده، قرر ان يذهب ويراه ربما يأخذ منه شيئاً.

ولما اطل الملك، لم يتوقف هذا الملك امام احد، إلا أمام هذا الشاب الفقير، ونزل ومدّ الملك يده يستعطي، وبدهشة مدّ هذا الفقير يده على جيبه ولم يجد سوى بضع حبات قمح فأعطاه واحدة. وفي المساء عندما عاد الى بيته وجد مكان الحبة التي أعطاها حبة ذهب. فتمنّى لوأنه أعطى حبات القمح كلها.

يسوع بفقره بشّر الفقراء، و نحن اليوم هنا لأن الربّ زرع بقلبنا محبّة، والذي يحب الآخر يحب أن يتشبّه به. هذا الحبّ يجعلنا نتوقف أمام هذا الموضوع ونتمنى ان نعمل ما عمله يسوع. المحبة إذا ملأتنا، تجعلنا نتمنّى أن نعمل ما عمله يسوع. "مَن أحبّني حفظ وصاياي".

في أول عظه على الجبل، وعد الفقراء "طوبى لكم أيها الفقراء لأن لكم ملكوت السماوات".

وفي أول صلاة علّمنا إياها: الأبانا، "أعطنا خبزنا كفاف يومنا"...

 حديثنا الليلة ليس موضوع بقدر ما هو وضعية معينة أمام الربّ يسوع: "لا تجمعوا لكم كنوزاً على الأرض، بل اجمعوا لكم كنوزاً في السماء لأنّكم لن تقدروا أن تخدموا ربيّن، الله والمال."

طبقّ ذلك على ذاته: "ينبغى ان اكون اولاً في ما هوَ لأبي". "إطلبوا أولاً ملكوت الله والباقي يعطى لكم ويُزاد."

لم يبشرّ الربّ يسوع العالم بالذهب ولا بالجيوش الجبارة التي تسيطر، ولا بالسلطة بل بشرّهم بفقره. ولنا قال: "من حفظ حياته خسرها ومن خسر حياته من اجلي من يحفظها".

الملكوت الذي نريده هو الكنز الذي وجده رجل في الحقل فباع كل شيء لأجله، وأعطى الرب مثل الشاب الغني الذي هو في أساس الحياة الرهبانية. شاب طبّق الوصايا، وقال له الرب لتكن كاملاً "بع كل ما لك وأعطه للفقراء وتعال واتبعني"... وذهب الشاب حزيناً.

يسوع  الذي بدأ رسالته بهذا السفر "روح الرب عليَّ مسحنى وارسلني لأبشر الققراء..." في آخر الإنجيل يُعلِن عن ذاته فقير. قال ترونني بالفقير، بالعريان، بالسجين، والجوعان، العطشان والغريب. وبشارتنا هي الاقتداء به، كل ما عملتم لاحد هؤلاء الصغار لي عملتموه.

 

الجماعة الأولى:

بعدما أعطى الربّ ذاته على الصليب بشكل كامل، نقرأ بأعمل الرسل الفصل 2: 44  "وكان جميع الذين آمنوا جماعة واحدة، يجعلون كل شيء مشتركاً بينهم". لم يكُن بينهم محتاج. هناك مَن يقول هذه صورة مثالية للكنيسة، ولأنهم لم يعيشوا لذاتهم ويتشاركون بالنعم، كانت النِعَم وافرة عليهم ويتناولون الطعام بفرح. النعم والفرح له اساس المحبة والعطاء والاعتناء بالآخر، بالأكثر حاجة بينهم. حياة القديس بولس كانت سلسلة عطاء دائم. من يوم ارتداده الى نهاية حياته.

القديس انطونيوس الذي أسّسَ الحياة الرهبانية، سمع وهو شاب هذا الإنجيل فترك كل شيء وتبع الرب يسوع، وكانت سلالة كبيرة من القديسين.

القديس فرنسيس الأسيزي، يقول أن فضيلة الفقر هي فضيلة كل الفضائل بأسرها هي الكنز الذي يستحق ان نبيع كل شيء لأجله.

 

من اختبارات مار شربل مع ريمون:

 "جرة واحدة حمول هي جرّة المسيح وهو بيكنزلك اياها محبة وبيحملها معك" "تخلّوا عن جرار السخرة التي بيسخركم ياها العالم اعرفوا وين كنزكم وحطوا فيه كل شيء" وأيضاً "كل ما تكتّر جرارك كل ما تبَعِّد عن جارك." ما الذي يبعدني عن الآخر غير كثرة الأعمال والانشغالات، ولكن هذا لا يعني ان نتخلى عن اعمالنا... "وحدو ربّ الحصاد بيملّي سلالكُم وبيكتّر غلالكُم". لا يمكن ان نغتني إلاّ بالربّ. "تعبنا الليل كلّه ولم نصب شيئاً، لأجل كلمتك سنرمي الشباك"... وايضاً من الاختبارت "إنزلوا للجذور اعتنوا فيها وكونوا زاهدين لأن العمل بالجذور مخفي يتطلب جهد وزهد". والعالم يشدنّا للراحة والعمل الفايش، للحلو.

 

عيلة مار شربل:

من السجود والتسليم والفقر امام المحبسة، فرغنا ذاتنا من كل شيء، الرب عبّا سلالنا، اعطى كنز ونِعَم لا توصف. الأب خوند كان دائماً يقول "تدهشني هذه البساطة والعفوية والمحبة في عيلة مار شربل".

غياب الفقر عن أي بيت، أو جماعة، هوَ غياب للحياة المسيحية.

إذا أردنا ان نسلك هذه الطريق ونتمثل بالرب يسوع، في الفقر والبساطة، نكتفي بالضروة لنغتني بالله وحده. المادة تُميت بلا ألم والمحبة تحيي بالأوجاع. المقتنيات اشياء ميته ولا تقدر إلاّ أن تُميت.

التخلي يسبب الوجع، وهنا انا وحدي اختار. هناك تعبير يقول: بيبقالك يللي بتعطيه.

لكن التخلي بدون محبة لا معنى له. أن نحب هو أن نحب الآخر لدرجة أن نعطي ذاتنا. الحب له تحديد وتفسير واحد: الخدمة.

امام كل هذا، وفي هذا العالم حولنا المختلف كليّا عن هذا الموضوع نسأل اليوم:

هل هناك مكان للفقر في بيوتنا؟ اليوم ما هو موقفي أمام الفقير أمام الفقر؟ هل اسجد امام يسوع المسيح الفقير الذي اخلى ذاته آخذا صورة العبد؟ هل اعرف التخلي، الحب، الموت عن الذات، هل عندي الشجاعة؟

اقول: نعمتك تكفينا، لتكن مشيئتك وهذه السنة نقول ايضاً، ليكُن رضاك وحسب.

 

صلاة: يا رب انت وحدك قدير على كل شيء، انت يا ربّ اخترتنا، كمّل عملك فينا لنعمل ارادتك، ليتمجد اسمك للأبد. آمين.


التعليم    ||   الصفحة الرئيسيّة