عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

لقاء الأربعاء الأول من شهر آذار 3/3/2004

الأب مارون مبارك المرسل اللبناني.

الموضوع:  الكنيسة : من هي، ومن أنا فيها؟

 

مقدمة:

1- موضوع الكنيسة يهمنا جميعاً لأن المسيح بذاته اهتم له وعمل كل ما عمله لكي يؤسسها على الرسل وتتابع هي من بعده رسالته السماويّة ألا وهي تحقيق الملكوت. لذلك سوف نتوقف نحن اليوم عن ثلاثة مفاهيم أساسية تخص معنى الكنيسة حتى من خلالها نتعرف أين هو مكاننا في هذه الكنيسة. متى عرفنا هوية كنيستنا ورسالتها، حصلنا على معرفة هوية كلّ فرد منا فيها ودوره في قلبها.

2- لو راجعنا حياتنا اليوم في زمن الصوم الذي نعيش لعرفنا معنى كلّ الحركة اللاهوتية والروحية التي وضعنا فيها الرب في عيد الميلاد. بمعنى آخر، بقدر ما نغوص في فهم مسيرة الصوم، نصل إلى اكتشاف معنى سرّ التجسد. فزمن الصوم الذي دخلنا فيه هو مسيرة نحيا فيها المجاهدة والتجهّد. المجاهدة أي العمل على الذات، والتجهّد أي التقشف حتى يتمكن كل منا من وضع ذاته بأهبّة للتقرب من الرّب أكثر فأكثر.

3- كلّ الأناجيل التي اختارتها لنا الكنيسة في آحاد الصوم هي دعوة للقرب من الله. وهذا القرب هو يضعه فينا. نلاحظ مثلاً: أنه في أحد الأبرص، حيث تم شفاؤه وإبراؤه. كانت الشريعة بحسب سفر تثنية الاشتراع تمنعه من الاقتراب من الناس لئلا ينجّسهم. لا بل انه مرفوض من الله لذلك لا يحق له مخالطة الجماعة. فها يسوع يأتي، وعندما سمع به هذا الأبرص لاقاه، جاء لعنده.

وما دفعه إلى هذا اللقاء بيسوع هو ما يشعر به في قلبه أن يسوع هو قادر على ابرائه. لذلك سأله "إن شئت، فأنت قادر أن تطهرني". اذاً يقول له أنت القادر وليس اطلب لي من الله، لأنّه هو الوحيد القادر على هذا الشفاء، كما يتحدث العهد القديم عن مريم أخت موسى وعن نعمان السرياني.

قال ليسوع: أنت القادر، وهذا يعني أنه يؤمن بيسوع أنه هو الله. ويسوع بدوره: رقَّ له، تحركت أحشاؤه نحوه، هذا فعل الحب العميق، ثم مدَّ يده، أي صنع علامة خارجية لهذا الحب وجذب الإنسان البعيد ليشدّه نحوه، أي نحو الله، وقال: "قد شئت فاطهر"، وهي العبارة التي ترافق الإحساس والعلامة حتى القرب يتحقق. هكذا نفهم لماذا تجسد يسوع. لقد تجسد لكي يجعلنا نلمس لمس اليد حب الله لنا، ومحاولته لتقريبنا منه ولكي يجعلنا أنقياء نعود إلى قلب المجتمع للحياة. وهذه هي صورة الملكوت الذي جاء يسوع لكي يحققه.

4- لقد سلّم يسوع تلاميذه هذه المهمة ليتابعوها من بعده، فنفخ فيهم الروح وأعطاهم السلطان وسلّمهم خطة العمل أي شفاء المرضى، غفران الخطايا، قيامة الموتى، التعليم، المعمودية... هكذا يبنون معه الملكوت حيث يكون الجميع في قرب مع الله. هكذا نحن نفهم الكنيسة.

5- سوف نتوقف عند ثلاث صور من الإنجيل ذاته تعلمنا من هي الكنيسة ومن نحن فيها.

 

1-    الصورة الأولى: الكرمة أو الشجرة (يوحنا 15/1-15)

هذه الصورة تحتوي على ثلاثة عناصر وهي: الجذع الغصن والثمر. فالجذع هو الثابت والأساس. الغصن هو الذي يأخذ من الجذع دون أن يعطيه إنّما يشهد له. الثمر هو الذي يدلّ على صحة العلاقة بين الجذع والغصن. لذلك بين هذه العناصر الثلاثة نجد فعلين: الأول هو "ثبت" والثاني هو "أثمر". اذاً نصل إلى الثمر بقدر ما نعيش الثبات. هذه الصورة هي أكبر دليل على الكنيسة بمفهومها الجوهري واللاهوتي.

-        الجذع هو يسوع. إنه الثابت، وهو الذي يعطي الغذاء والحياة للغصن، ونتيجة هذا العطاء تأتي الثمار.

-        الغصن هو كلّ مؤمن متعلق ومتأصل بيسوع، يأخذ منه الحياة عن طريق الماوية التي هي الروح القدس، فيصبح الغصن من طبيعة الجذع، ويعمل الأعمال التي يعطيها الجذع حتى تكون الثمار الصادرة عنه هي نتيجة طبيعية ومن ذات طبيعة الجذع والغصن.

-        الثمار هي كل الأعمال وكل العلامات التي تدل على طبيعة الكرمة النافعة التي تقوم بدورها في قلب البشرية حتى تجعلها ناجحة في الحياة.

نحن نعيش خبرة الكنيسة بهذا الشكل من خلال "المعمودية". بالمعمودية نتجذّر بالمسيح، نصبح "شركاء الله بطبيعته" كما يقول مار بطرس. لذلك اتصالنا به يجعلنا نثمر الثمار التي هو يصنعها أيضاً. بالروح القدس نثبت بيسوع. وثمار الروح التي يعددها مار بولس "الوداعة والتواضع ودماثة الأخلاق، والعفاف، والمسامحة..." هي تساعدنا حتى من خلالها نبقى مرتبطين بيسوع. فبقدر ما نحيا إيماننا نبقى في الثبات. وبقدر ما نحيا هذا الثبات تأتي ثمار حياتنا لكي تساعد على خلق الجماعة الجديدة التي يريدها الربّ وهي التي تعطي بالنهاية خطته أن تكون فاعلة، ويكون في النهاية أن الملكوت تحقق.

 

خلاصة: "نفهم من هذه الصورة الأولى أن الكنيسة هي جماعة المؤمنين المتأصلين بيسوع، يحملون منه الحياة بالروح لكي يثمروا ثمار الروح ويحققوا مشيئة الله في بناء الملكوت. وكلّ منا هو عضو، هو شخص حيّ في هذه الجماعة، يحيا كما هي تحيا من ذات الحقائق ومن ذات الدور التي هي تقوم به. يعني أنا ابن الكنيسة، أي أنا أعيش ما تعيشه الكنيسة.

 

2- الصورة الثانية : الشبكة متى 13/47-50

الشبكة تجمع دون أن تفصل، الكل يدخل فيها. لذلك تعطينا صورة الشبكة فكرة مهمة في الكنيسة وهي "الوحدة في التنوع". أجناس السمك متنوعة، لكنها مجموعة مع بعضها البعض، وهناك من يحتويها لبعضها مع بعضها البعض وهي الشبكة. في حادث آخر، يسميه الإنجيل "الصيد العجائبي"، يذكر أن الشبكة جمعت الكثير من السمك ولم تتمزق. وهذا يعني أن الكنيسة لا تقوى عليها أبواب الجحيم، فمهما كانت فيها الأسماك منوعة، حتى ولو كان فيهم نوع ردئ لا يصلح، ستبقى الشبكة سليمة. لذلك نسمي الكنيسة: "شعب الله الجديد". لأن الله اختار شعباً وسلمه رسالة تجديد وجه الأرض. فبدل أن يقوم هذا الشعب بمهمته، ضاع في امتيازاته على الشعوب الأخرى واعتبر نفسه الأفضل ولم يعمل ما طلبه منه الرب. فأرسل الرب من قلب هذا الشعب نفسه مخلصاً، هو ابنه يسوع، فحقق من خلال حياته وتعاليمه ومماته الوحدة وجمع بين الأقربين والأبعدين وهدم حائط العداوة وجعل من الجماعتين جسداً واحداً.

هنا يمكننا أن نعود إلى هذا التشبيه الذي يعطيه مار بولس عن الجسد. بحيث يعتبر أن الرأس هو يسوع وأن تنوع الأعضاء فيه، بحيث كل عضو له دوره، لكنه يتلقى الأوامر من الرأس، حتى كل الأعضاء، على تنوعها، تنسجم بعضها مع بعض لأنها تأتمر بالرأس، وبالتالي تقوم كلها بمهماتها وتعطي للجسد دوره.

 

خلاصة: "نفهم من هذه الصورة الثانية أن الكنيسة هي شعب الله الجديد، يقوم بمهمة خلاص النفوس عن طريق الاجتماع أي الوحدة وعن طريق الانسجام أي التفاعل فيما بين أعضائه. لذلك يأخذ هذا الشعب صورة الجسد الذي يحيا ويقوم بدوره بقدر ما يكون متصلاً بالرأس الذي هو يسوع. ويكون هذا الجسد سليماً أيضاً بقدر ما تقوم أعضاؤه كلّ بدوره دون أن يحمّل غيره لأنه يتقاعص ودون أن يرفض غيره لأنه يريد أن يتفرّد. فالكنيسة هي اذاً جسد المسيح السري".

 

3- الصورة الثالثة: السفينة لو 5/1-11

يؤكد لنا الإنجيلي لوقا في هذا الحدث أن معنى الكنيسة ليس فقط عملية التأصل بالمسيح، وعملية الترابط بين الأعضاء، إنما هي أيضاً في مسيرة. ووجه المسيرة هذه هو مضاعف، أي أنها تعيش مسيرة نموّ داخلية، وإنها تعيش مسيرة عمل خارجية.

يستوقفنا نص لوقا عند المراحل التالية وهي تجسد مسيرة الكنيسة المضاعفة:

-        اختيار يسوع لسفينة بطرس. فالاختيار هو حرّ، فيه كل فعل الحب للاستناد على شخص معين. ونحن في حياتنا بقلب الكنيسة اختارنا الله هو بملء الحرية، واختياره لنا مسنود على الحب الكبير لكي يجعلنا من الخصوصيين له. لذلك نحن في مسيرة حياتنا لا ننسى أننا من "الخصوصيين" ليسوع. وقع نظره علينا وخصّصنا بأن نكون له، لأنه يريد منا شيئاً خاصاً أيضاً.

-        سرْ إلى العمق – العرض: لا يريد الربّ الأمور السطحية حيث لا إنتاج فيها. يريدنا نحن في الكنيسة أن نذهب في مشوار العمق أي حيث المجازفة معه، حيث الاجتهاد وحيث التعب والمخاطرة. لا يريدنا الرّب جامدين نكتفي بالأمور الفايشة. بل يريدنا أن نذهب إلى العمق إلى الأبعد حيث الأمور فيها جوهر أكثر. عادة طبيعتنا الإنسانية تسعى إلى الأهين والأسهل. إنما في عمل الروح يريدنا الرب أن نسعى إلى الأصعب لأنه يعطي الثمار أكثر. لذلك خيارات الكنيسة هي خيارات الأفضل حتى ولو كلفتها الغالي، التضحية والشهادة والمواجهة. فرسالتها هي أن تحقق الحق كما فعل يسوع.

-        تعبنا الليل: التعب مطلوب لأن العمل والرسالة تفترض هذا التحرك، السعي والمحاولات الكثيرة حتى نصل إلى الهدف. يسوع لا يريد منا الاستسلام، حتى ولو تعبنا يبقى دائماً الرجاء أمامنا.

-        لأجل كلمتك ألقي الشبكة: الكنيسة تعمل بإرشاد رأسها ومعلمها وتنصاع لأوامره، لذلك تحصد الخير الكبير. ونحن في كل عملنا إذا لم نكن على صلة بكلام الرب ولم نكن في جهوزية لتلبية هذا الكلام تبقى شباكنا فارغة، ونتعب دون جدوى. فالكنيسة لا تعمل إلا لأجل كلمة يسوع.

-        أنا عبد خاطئ: هذا هو فعل التمييز في مسيرتنا الروحية والعملية. عندما نكتشف عظمة الرب نلمس إلى أي مدى نحن بعيدون أي نحن خاطئون بحقه. فالكنيسة مدعوة إلى عيش هذا الارتداد هذا الوعي في مسيرتها عن مدى بعدها أو قربها من كلمة الرب. وهذا ما نعيشه في الصوم.

-        دعوا شركاءهم في السفينة الثانية: حياة الشراكة هي من جوهر وجود الكنيسة وطبيعتها. بدون الشراكة تموت. الكنيسة متصلة بيسوع والكنيسة متصلة بالإنسان. تجمع فيها ما هو لله وما هو للإنسان في سبيل الصيد أي خلاص النفوس.

-        تركوا كلّ شيء وتبعوه: الكنيسة هي في عملها ووجودها تتبع يسوع، تمشي على خطاه وتحمل رسالته التي أوكلها بها، ونحن في قلب الكنيسة نحيا الرسالة ذاتها، نعمل على إتباع يسوع وعلى حمل رسالته التي تهدف إلى بناء الانساء الجديد لأجل تحقيق الملكوت.

-         

خلاصة: "إذا نلاحظ أن صورة السفينة هي أكبر صورة معبّرة عن واقع الكنيسة في مسيرتها الروحية والرسولية. يعمل فيها الرسل ولكن بدون تدخل يسوع لا يمكنهم أن يصلوا إلى هدفهم. فيسوع يعمل من خلالهم. وكلما اكتشفوا عمل يسوع اكتشفوا ضعفهم وبالتالي أخذوا قوتهم من بعضهم البعض ومن يسوع بالذات. فيسوع هو القوة العاملة في الخفاء من خلال كلمته. والجماعة هي القوة العاملة في الظاهر من خلال التعاون والتجاوب مع نداء الرب لتلبية الخدمة المطلوبة. هكذا تكون الكنيسة، جماعة أشخاص في مشوار يرافقهم يسوع من خلال حضوره الخفي وكلامه المنير وتعمل أيضاً "من خلال التعاون والمشاركة حتى تصل إلى هدفها".

ففي مسيرة الصوم التي نعيش بهذا الزمن، نحن نحيا هذا الدور. إذ في كنيستنا المارونية يشبه الصوم "رحلة بحرية"، بحيث تكون الكنيسة غطست مع المسيح في مياه المعمودية، نبدأ مشواراً نصارع فيه أمواج العالم من خلال التقشف والصوم حتى تصل بالنهاية إلى ميناء الأمان حيث نعيش مع يسوع الموت والقيامة وبالتالي الخلاص والفداء.

ففي هذه المسيرة نعيش مسيرة الكنيسة ونحن نركز على:

·        تعبنا الليل كله: وهو جهادنا حتى نشهد للرب يسوع ونعطي عنه صورة حية انه حاضر وفاعل. لذلك نعيش مشوار حج إلى بيت الرب.

·        لأجل كلامك: نستعين بكلمة الرب وبالهاماته حتى نعرف أين هي الحقيقة وأين هو الجوهر.

·        سر إلى العمق: ندخل إلى ذاتنا حتى نسمع هذا الكلام ونلمس هذه الإلهامات. هذا هو عمل صومنا وتقشفنا ومسيرتنا الروحية وكلّ ما فيها من ممارسات.

·        أنا خاطئ: نكتشف ضعفنا ونعمل على أصلاحه مع الربّ من خلال توبتنا وتجددنا الذي هو يضفه فينا من خلال نعمته وشغله فينا.

·        ننادي إخوتنا: نعيش الشراكة من خلال مديد العون. وهنا نترجم توبتنا بفرح اللقاء مع الغير والعمل معهم. لذلك تقشفنا يؤول إلى إنماء الغير مادياً بعدما نكون نحن نمونا روحياً.

·        نذهب لعند يسوع كلنا: أي نصل إليه في اختبار شخصي وفي عيش من خلال الأسرار ومن خلال عمل الكنيسة حتى نكون كلنا له ومعه وفيه ولأجله. فيصبح هو قائدنا الأول إلى الملكوت في المرحلة الأخيرة من رحلتنا في الصوم.

 

الأسئلة:

1-    في أي صورة من هذه الصور أجد ذاتي حاضراً وفاعلاً أكثر لماذا؟

2-    نعطي للكنيسة صورة "الأم" اشرح ذلك!   


التعليم   |||   الصفحة الرئيسية