عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 

الأربعاء الأول من شهر شباط 2007 – 7/2/2007

بول عنداري – كنيسة مار شربل أدونيس

 

الموضوع: "الموارنة تلامذة ورسل."

 

الليلة معزومين حتى نستعرض هذه المسيرة ونلقي الضوء على جبل قوروش الذي كانت أساساته على جبل الجلجلة وقمّته على جبل عنايا. قبل الدخول في الموضوع، سوف أعلّق على جملة من القراءة في الصلاه للراحل شارل مالك: "إنّ مصير لبنان قائم على الموارنة".

اليوم من يريد أن يتطلّع ويستعرض تاريخ الموارنة ويرى ما يحصل الآن، سوف يقول أيّ مصير لنا. ولكن بسرعة نقول: الله قادر على كلّ شيء. كما كان في كلّ الظروف يغيّر ويجدّد ويبني، هو يفعل في الموارنة كذلك.

حديثنا سوف يدور حول الأساس الذي كان على الجلجلة ومحطته الأولى مع مار مارون وصولاً إلى القديس شربل في عنايا.

أمام هذا الموضوع لا نستطيع إلاّ أن نقف بمهابة ورهبة وخشوع أمام عظمة ما قام به ربّنا في منطقة قوروش مع مار مارون حيث ثمارها وأغصانها موجودة ومستمرّة حتى الآن وبفضلها سُمّي لبنان بلد الرّسالة.

كل ذلك يعود إلى التلميذ الأول: "أرسل الله ابنه الوحيد نوراً للأمم"، أتى بملء الزمن لمّا بشّر الملاك مريم قال لها: "افرحي يا ممتلئة نعمة، الربّ معك". وقال الملائكة للرعاة: "إفرحوا وُلد لكم اليوم مخلّص هو المسيح."

 

عبر كل المحطات كان يسوع يتمّم ما يريده والده السّماوي:

1.                           الفقر والتسليم الكامل لعمل الله على الأرض.

2.                           بعمر 12 سنة أضاعه أهله وفتّشوا عليه ولماّ وجدوه قال لأمّه: "ألا تعلمين أنّه ينبغي عليّ أن أكون في بيت أبي".

3.                           بالمحطّة الأولى العلنيّة في عماده.

4.                           خلال كلّ مسيرته على الأرض، كان يردّد أنّه لم يأتِ ليعمل مشيئته إنّما مشيئة أبيه الذي في السماوات.

5.                           في آخر حياته على الأرض، ومن على الصليب صرخ قائلاً "ابت ،بين يديك أسلّم ذاتي".

المسيح كان أول مثال للإتحاد والطاعة والتسليم لله.

البداية من هنا والليله إذا كنا نتوقّف على المارونية فهذا لأن لها اساسات كهذه.

إذاً كان يسوع التلميذ والرسول الأول، ومن بعده  تلاميذه:

أوّلاً مار يوحنا المعمدان، الذي دلّ تلاميذه على يسوع وقال لهم "هذا هو حَمَلُ الله" ذهبوا إليه فسألهم ماذا تريدون فسألوه: أين تقيم يا ربّ؟ وأقاما عنده ذلك اليوم. وذلك اليوم هو يوم أبدي، هو كلّ العمر

ويوم الربّ ليس 24 ساعة. فأقاموا عنده بلحمهم ودمهم وطموحاتهم وحياتهم ورغباتهم ومستقبلهم وعبّروا له: تركنا كلّ شيء وتبعناك.

الرسل الأوائل كرّسوا حياتهم، وحتّى بعدما تركهم يسوع حملوا الرسالة، حملوا البشرى السارة، وكرّسوا حياتهم لها، واوَّل مكان انطلقت فيه الكنيسة كان انطاكية.

هذه هي الأساسات التي بُني عليها جبل قوروش، لم يأتِ هكذا من لا شيء، كان له أساسات كبيره.

الرسل الأوائل حملوا معلمهم بقلبهم، حملوا شغفهم، حملوا البشرى الساره، حملوا غرامهم به واعتبروه أجمل و أروع وأعظم ما يحملوا.

هناك تأسّست الكنيسة الأولى وفي ذات الوقت كانت تجري ثلاثة امور:

1.                           الصراع مع الوثنيين.

2.                           بعض المشاكل التي تخنق الدين المسيحي.

3.                           وصول قسطنطين الملك للحكم والإفراج عن المسيحيّة وكثيرون من الوثنيين ارتدوا للمسيحيّة.

أمام هذه الإستحقاقات الثلاثة، وبهذه الأجواء ظهر أشخاص مثل التلاميذ الأوائل وسمّروا أعينهم على شخص يسوع المسيح وأزالوا كلّ ما يمكن أن يقف حاجزاً بينهم وبينه. ومارون كان أحد هؤلاء الأشخاص.

 

فكرتين في هذا الموضوع:

أحد الكتّاب الأجانب كتب عن الموارنة وسمى مارون "فرع المرارة"، الذي زرعه المطران ثيودوريتس القوروشي وهذا ما نسميه في لبنان "الشلش المرّ".

ربّنا زرع هذا الشلش المرّ على جبل قوروش مع مار مارون وعندما نتكلّم عن مار مارون نتذكّر صورة مار شربل الذي عينيه بالكاد مفتوحة لترى أمور هذه الدنيا لأنّه يتطلّع إلى ما هو أعظم.

هذا الشلش المرّ الذي اسمه مارون أخذ كلمة ودعوة الربّ يسوع بكل جدّيّة. "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه". حملها مارون وذهب بها إلى العمق وصعد إلى رأس الجبل (من ناحية الشكل)، وصار ينزع من ذاته كلّ ما يسمونه الأنا، من ممتلكات، تمنيات... كانت ممكن أن تكون حاجزاً بينه وبين الربّ.

تقشف وعاس في الجبل والعراء، لينطلق بشيء اسمه: تلمذة ورسالة على مثال يسوع المسيح إلى الصليب.

بهذا المثال كان يتمثّل ومثله يخلي ذاته. وكان في الجبل هيكل وثنيّ، صعد مارون ليحارب وبدأ من ذاته إلى أن غير المكان من هيكل الوثني إلى مكان عبادة الإله الحقيقي.

كان أسقفه يدعوه بأسماء مثل: مارون الناسك – العجيب – العظيم – زينة القديسين (يزهر مثل الأرز في لبنان)، و له يرجع الفضل لهذه الحديقة المليئة بالشجر والثمر.

مارون شخص مثلنا مثله، أغرمَ بالمسيح وكانت في كلّ لحظة، شلوشه تتعمق أكثر فأكثر بشخص يسوع، وهكذا أعطت أغصان امتدّت من جيل إلى جيل أبعد، وليس فقط إلى جيل عنايا، إنّما وُزّعت على العالم كلّه.

كان يشفي ليس فقط من الأمراض الجسديّة، إنّما من الأمراض النّفسية كالبخل والكسل (البطالة) وغيرها. كتب له ذات مرّة القديس يوحنا فم الذهب: "لك في ضميرنا المنزلة الرّفيعة وجُلّ ما نسألك أن تصلّي إلى الله من أجلنا".

حول هذا الراهب، تجمّع بعض الأشخاص وأُسسَ ديراً، ومنه نشأت الكنيسة المارونية، كنيسة ديريّة، نسكيّة، رهبانيّة، تُعتبر رعيّة والبطريرك راهب رئيس عليها.

مار مارون صار مثل لكثير من الرجال والنساء ممن إلتفوا حول هذا الجبل وشكّلوا النواة الأولى، ومن بينهم ابراهيم القوروشي الذي انطلق إلى منطقة أفقا – العاقورة – قرطبا.

هنا نتذكر الأب يواكيم مبارك: "أتينا إلى هذا الجبل نسّاكاً ومُرسلين."

يُخبرون عن ابراهيم القوروشي أنّه كان يصلّي في مكان ما، وانزعج منه الحاضرين فراحوا يرجمونه، وتابعوا يرجمونه، وهو تابع صلاته غير مبالٍ، ولما تحيّروا نزعوا عنه الحجارة ليروا ما أصابه، فكانت دهشتهم أنّه لم يُصب بأي أذى. فتابوا وقرّروا أن يبنوا كنيسة.

وقد أخذ الموارنة عبر التاريخ هاذان الخطّان الذان أخذهما مارون: "التلمذة والرسالة".

 

1.     على مثال مارون بدأت أوّل شكل من أشكال التلمذة، تلمذة للقداسة تمثّلت بمار مارون على جبل قوروش وكمّلت عبر تاريخنا كلّه وآخر مثال لنا كان مار شربل على جبل عنايا.

2.     الموارنة كانوا تلاميذ إيمان، يظهر ذلك بجملة نردّدها كلّ يوم بالذبيحة الإلهيّة: "وحّدت يا ربّ لاهوتك بناسوتنا..."

قصّة: أتى مونسنيور ميسلين عالم بالأماكن المقدّسة إلى هذه المنطقة وممّا قال: "أتركوا لأبناء الجبال هؤلاء إيمانهم الحيّ... أين كنّا نحن يوم كان الموارنة يدافعون عن الإيمان، صادّين الغزوات عن واديهم قاديشا وادي القديسين، لا تزال إلى اليوم تضمّ عِظام شهدائهم، إنّه لسهل على الأعداء أن يزعزعوا جبال لبنان من أساساتها قبل أن يطفئوا جزء من الإيمان في قلوب أصحابه الموارنة."

3.     المسيحيّة والموارنة بالتحديد عبر التاريخ، رغم كلّ الإضطهادات التي مرّت إبتداءاً من 350 شهيد وصولاً لتاريخنا اليوم، هم تلامذة رجاء ولا نزال حتّى اليوم نسمع بكلمات مثل: الله بيدبّر، الله كبير، ما تعتلوا همّ... ولأنّ الرجاء عمل مهم وأساسي، لهذا أسماها المجمع الماروني: كنيسة رجاء.

بعض الكلمات من المجمع الماروني:

"اليوم رغم كلّ المآسي والنكبات والمظالم والأزمات ورغم كلّ القلق الذي يصل أحياناً إلى حدود اليأس، ما زالت الأبناء متمسّكة بجبل الرّجاء، وتؤمن أنّ علامات الرجاء موجودة وتضع أهمّيتها على علامات القلق والإحباط واليأس، وهذه العلامات تشكّل منطلق تطلّع إلى المستقبل بثقة وإيمان." "فالسيد المسيح وعد كنيسته بأنّ أبواب الجحيم لن تقوى عليها."

4.     الصّفة التي تميّز بها الموارنة بامتياز هي: العبادة والصلاة.

المجمع الماروني يقول: "الشّعب كلّه، الجميع صغاراً وكباراً كانوا يجتمون صباحاً ومساءً للصلاه وقراءة إنجيله والأسفار المقدّسة وسِِيَر القديسين واستماع كلمة الله والمشاركة في الذبيحة الإلهية. (في القديم كانوا يتلون المزامير صباحاً و مساءً).

في هذه الأجواء المشبعة بالصلاه كان شعبنا يخوض التاريخ ويبني المستقبل وهذا قد ترك أثراً كبيراً في العيلة.

5.     كانوا تلاميذ صوم وبساطة وتقشّف وقناعة: ..."ثروتهم الوحيدة إيمانهم وهويتهم حتّى البطريرك كان منهم ويعيش في كهف بعيد عن الأنظار، صعب المنال. كانوا يعيشون حياة تقشّف وبساطة، يلبسون ثياب الفقر ولا دَخْلَ لهم إلاّ ما ينتجون من الأرض، عُصيهم من خشب ولكنّهم أساقفة من ذهب".

6.     الموارنة إتّصفوا بالطهارة: "أمّا نساء الموارنة فيتّصفن بالنقاوة والرّصانة، يكسون رؤوسهم... الفتاة المارونية كانت مثال الحشمة.

7.     والموارنة بنفس الوقت كانوا رسل، من إبراهيم القوروشي إلى كلّ الذين أتوا بعده. أول وأهم رسالة حملوها هي رسالة الحريّة.

لما لم يكن عندك مَن يدير شؤون أبرشيتهم، رتّبوا أمورهم إلتزاماً واهتماماً لإيمانهم ونصبوا بطريركاً عليهم ليتابعوا مسيرتهم ولم يأخذوا إذناً من أحد بل بدأوا في هذا الجبل مسيرة حريّة.

هذه المسيرة كلّفتهم كتيرا حتّى البطاركة منهم لم يسلموا.

ونحن اليوم بالنسبة إليهم، رغم كلّ شيء نحن بأفضل ما يكون.

يقول شارل مالك: "إذا سقطت المسيحيّة الحرّة في لبنان انهارت في الشرق الأوسط كلّه".

8.     الموارنة كانوا رسل تعايش:

"إيمان الموارنة العميق هذا، الذي تجذّر بمحبّة المسيح يسوع، فتح المجال لأن يكون في بلد واحد متعدّد الطوائف المرتكز الأساس. على هذه الروحانية بُنيَ لبنان، بلد تعايش وبلد متعدّد الطوائف.

9.     الموارنة كانوا رسل عطاء وقداسة:

عطاء بكلّ المجالات، يكفي أنّه رغم 30 سنة حرب أُعلن لنا ثلاثة قديسين و"الحبل على الجرّار".

قوروش الجديدة مطلوب منها تكون عنايا.

في النهاية أختم بقول من المزامير: ألا ترون كم هي جميلة هذه الدعوة للعيش معه، تأمّلوا به، تُشرق جباهكم وعيونكم وقلوبكم وكيانكم بكامله. إسمعوا بتهيّب وخشوع هذه الكلمة، هذه النبوءة.

وهنا نتذكر كلمة المونسنيور ميشال حايك لنا: "إصغوا واحفظوا، التاريخ يُصنع من هذه الليالي على هذا الجبل، أنتم تلاميذ شربل كونوا مثله، الله يوفّقكم".

هذه هي الدعوة الحقيقية من الله بقلب كنيسة لبنان، دعوة فرديّة وجماعيّة، نتلمّسها منذ بداية مسيرة العيلة ونصلّي إلى الله لكي تبقى دوماً معنا نعمة روحه القدوس وشفاعة أمّنا مريم العذراء ومار شربل. آمين.

يا شربل يا أبانا القديس                من يقبل من يديك التكريس

كرّسنا اقبلنا عيلتك             قدّسنا، اجبلنا جبلتك.

التعليم    ||   الصفحة الرئيسيّة