عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 

الأربعاء 3 كانون الأول 2003 – عيلة مار شربل

كنيسة مار شربل أدونيس – الأب داود كوكباني

الموضوع:   "الإبـن".

 

      المقدمة:  أبدأ بطرح السؤال التالي: ماذا أريد من هذه الدنيا؟ ولكي أطرح هذا السؤال وأحاول الإجابة عليه اسأل أيضاً: ماذا تستطيع هذه الدنيا أن تعطيني؟ أي لا يمكن أن أريد شيئاً لا يمكن أن تعطيني إياه. فإذا فكّرت بما أريد، ألاحظ أن الذي أريده حقّاً، لا شيء في الدنيا يستطيع أن يعطيني إياه. لهذا عند الإنسان طموح يخلق عنده في المقابل مرض اسمه الطمع. الطموح هو رغبتُكَ في أن تَكبُر، الطمع هي رغبتُكَ أن تَكبُر كيفما كان وعلى حساب أي كان وأي شئء كان.

الطموح هو رغبتكَ في أن تمتلئ، لكن تمتلئ من شيء أو أحد ما يكّبّرُكَ. الطمع هوَ فقط الرغبة بأن تمتلئ بدون ترتيب بفوضى ومن أي شيء كان وبأي طريقة كانت.

إذاً الطموح يكبّر، الطمع يعمل عسر هضم ومن الممكن أن يُميت.

تسألوا لٍِماذا هذه المقدمة وما علاقتها بالموضوع. علاقتها أننا ممكن أن نعمل من يسوع المسيح طموح أو يكون لنا طمع بيسوع.

      يقول لنا واقعنا وتاريخنا واختبارنا شيئين مهمّين جدّاً:

كم نحنُ فارغين، لكن في نفس الوقت كم قدرتنا على السعة كبيرة. نملأ ونملأ ونشعر أننا نريد أكثر. وهذا الإحساس طبيعي وله جذور. نحن مخلوقين على صورة الله، وإذا كنّا مخلوقين على صورة الله، فمن الطبيعي أن نكون نسع كثيراً. لكن المشكلة أنّه احياناً كثيرة لا نترك مكاناً لأننا لا نعطي الأشياء حجمها الطبيعي.

الفكرة: أنّنا نحن كبار لكن احيانا نكبّر الأشياء كثيراً فلا نعود نسع، أي لا تعود تسع ثقل صديقك، لا تعود تسع حاجة أخيك لخدمة، لأنّك تكبّر العمل الذي عملتهُ وترى نفسك ممتلئ...

يا أخي، إذا كنت لا تقدر أن تسع هؤلاء فهل تقدر أن تسع هذا الذي قال لكَ "خذوا كلوا هذا هوَ جسدي، خذوا اشربوا هذا هوَ دمي"؟ غريب، تدّعي أنّكَ قادر أن تستوعب يسوع ولستَ قادراً أن تستوعب مكان لإنسان صغير عنده مشكلة صغيرة. تكبّر المشكلة وتوَرّم الإنسان حتى تقول لا، لا مكان لكَ عندي. هذه كل المشكلة حتى بعلاقتنا مع يسوع، وانطلاقاً من هذه المقدمة ندخل في الموضوع.

 

-  يسوع إبنُ مريَم هوَ إبنُ الآب. ونقدر أن نقولها بالعكس، أبنُ الآب صار ابنُ مريم، لكن لا اقدر أن أقول: يسوع ابنُ مريم صار ابنُ الله.

أبدأ معكم بالعمليّة العكسيّة. نقول ابنُ الآب أتى إلينا، لكن أقول أن ابنُ مريم هو ابنُ الآب الآتي إلينا، لسبب بسيط، (عندما تكلّمنا بموضوع النؤمن قلنا أن التلاميذ عرفوا يسوع أولاً ثمّ عرفوه ابن الآب). اليوم ننظر إلى ابنُ مريم لنتأمّل معاً باقتراب عيد الميلاد. ولنتأمل بعدة امور.

إبن مريم لمْ يعمل أي شيء ليظهر انّه أكثر من ابنُ مريم. ولد في المزود ولم يتكلّم ولا كلمة، وغلطان جدّاً من يقول أنهّ يكلّم الناس في المهد، هذا غير صحيح.

يسوع بدأ لا يقول شيئا. القيادة العليا، اي الآب، أرسلَ جوق من الملائكة ليقول مَن هوَ يسوع. وهذه اللعبة سيلعبها يسوع خلال كلّ التاريخ إلاّ مدّة سنة ونصف أو سنتين. اليوم يسوع لا يتكلّم ولا كلمة، أنتم تقولون، المجدُ لله في العلى، انتم تقولون إنّي أبشّركُم بفرح عظيم، انتم تقولون أحمل لكم الخبر المفرح، الإنجيل، يسوع لا يقول ولا كلمة.

إبنُ مريم صامت، لهذا إبنُ مريم يقدر أن يكون القربان الحقيقيّ الذي لا يقول ولا كلمة، حضوره حقيقيّ وصامت.

أنتم المرسل والمخبر، أنتم الذين تخبرون عن يسوع. مَنْ هوَ هذا، هذا الإنسان المولود من إمرأة مثل كلّ البشر، الذي قالت عنه السماء أنّه غير كل البشر؟ انتَ لن تقدر ان تعرف يسوع المسيح إلاّ إذا كشف لك ذلك الآب الذي منَ السماء، وطبعاً بالروح القدس.

إبن مريم، لا نعرفه من مزوده، نعرفه من السماء. لو أنّ الرعاة رأوا يسوع في المزود قبل أن يلتقوا الملاك، لكانوا بالأكثر أشفقوا عليه. إذاً الآب هو الذي عرّفَ بالإبن، بالميلاد من خلال الملائكة، بالمعمودية، بالتجلّي من خلال الصوت.

وعلى الصليب عُكِسَتْ الآية: يسوع يتكلّم والآب صامت "إلهي إلهي لماذ تركتني؟"

لنذهب أبعد بتأملنا. "مَن هوَ إبنُ مريم هذا" ؟. هوَ واحد منّا، من جهة أخرى، هوَ الذي أعلنتهُ السماء إبناً للآب. إذاً هوَ واحدٌ من السماء، واحدٌ من الثالوث. يسوع هوَ ابنُ مريم وهوَ ابنُ الآب. يسوع هوَ طفل المزود وهو الجالس على العرش. يسوع هوَ الهارب من هيرودس وهو مخلّص هيرودس. يسوع هوَ الذي قتله اليهود والرومان، وهوَ الذي أعطى الحياة لليهود والرومان. يسوع هوَ الذي حمل كل الذي أنتَ تحمله لأنّه منكَ ومعكَ، والذي حَمّلَكَ كلّ الذي هوَ يحمله لأنّه من الآب والروح ومع الآب والروح، هذا هوَ يسوع.

يسوع ماذا أتى يعمل؟ أي واحد منكم والأولاد أيضاً حالاً يجيبون: ليخلّصنا. ثم مِن ماذا؟ وحالاً نُجيب: من الخطيئة. ماذا يعني هذا؟ فأنا أخطئ وما زلتُ أخطِئ. إذاً عَن أي خلاص أتكلّم، عن غلطة آدم وحواء، فما ذنبي أنا. عن غلطتي هناك أسباب عدة تدفعني للخطأ، نفسية أو اجتماعية أو غيرها...

إذاً مِن ماذا أتى يخلّصني؟. يسوع عادةً لا يتكّلم عن الخلاص، يسوع يتكلّم اكثر عن الحياة.

هوَ يقول: "جئتُ لتكون لهم الحياة، وتكون وافرة." أتى ليعطينا الحياة.

وما معنى يعطيني الحياة، وما هي الحياة؟. هي بعمقها قابليّة اختبار، وقابليّة معرفة. أن تكون حيّاً، أي أن تتفاعل مع أي آخر، جماداً كان أو نباتاً أو حيواناً أو إنسانا. تتفاعل مع كلّ شيء، وعبر التفاعل تكتسب معرفة. لهذا يسوع يقول أن قمة الحياة هيَ أن يعرفوك أنتَ الإله الحقيقيّ وحدك والذي ارسلتهُ يسوع المسيح.

أن تكون حيّاً هو أن تدخل في مسيرة: 1 التعارف و 2المعرفة و3 الاعتراف.

الإيمان هو المرحلة الثالثة: الإعتراف.

ماذا أتى يسوع يعمل؟ أتى يدخلكَ في اختبار جديد لم يكُن من الممكن أن تدخل به انتَ لَو لَم يمت هوَ ويقوم، لأن كل اختباراتك تصدمكَ بحائط اسمه الموت، إذ أمام كل ارتباط تسأل: لماذا؟

أنتَ دخلتَ باختبار محكوم سلفاً أن يصل إلى باب مغلق، أتى يسوع يدخلك باختبار مقرّر سلفاً أنّ لا يدخل في باب مغلق. أتى يدخلكَ باختبار الحياة الحقيقية وليس الحياة المزيّفة التي نهايتها موت. وإذا أردت أتى ينقلكَ، يعمل لك عبور من حقيقة حياتكَ لحياتكَ الحقيقيّة. من حقيقة حياتك التي هي موت إلى حياتك الحقيقية التي هي قيامة.

هذا ما أتى يسوع يحقّقه بالعمق. السؤال: كيف؟

-    دخلَ يسوع في حقيقة حياتك، الحياة الحقيقة (وهو الذي يقول أنا الطريق والحقّ والحياة) دخلت في حقيقة حياتك المائته، او في حقيقة حياتك التي مصيرها موت. يسوع لم يعمل عمليّة جراحيّة للإنسان وخلّصه من الموت، يسوع المسيح دخل في حقيقة حياته التي تقوده الى الموت، أي أخذ حياة تقود الى الموت ووصل الى الموت وفي قلب الموت زرع الحياة الحقيقية، وصارت وكأنّها ثمرة لحقيقة الحياة التي تموت. قلت وكأنها ثمرة، لأنّه في النهاية ليست الحياة التي تموت هي التي انبتتها، الذي انبتها هوَ أنّ الحياة التي لا تموت زُرِعت بها.

إذا استعملت لغة زراعية، أقول أتى يسوع يطعّم الحياة التي تموت بحياة لا تموت. لهذا هذه الحياة ما زالت تموت، لكن في نفس الوقت أصبحت تحمل الحياة التي لا تموت.

في اللاهوت القديم جملة جميلة تختصر ما قلته:

"La grâce se greffe sur la nature"

"النعمة تطعَّم على الطبيعة". الله لا يغيّر طبيعتكَ ليعطيك النعمة، هوَ يزرع نعمته في طبيعتك، يزرع حياته في موتكَ. من هنا نفهم معنى الصليب عندما قال يسوع: "إن حبة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبقى مفردة وإذا ماتت تأتي بثمارٍ كثيرة". حبة الحنطة هي حياة، هي خبز يُزرَع فيك أنتَ اللاشيء واللا أحد، لكن لن تبقى لا أحد، ستحمل غير ثمرة. لا تفكر انّ يسوع أتى يعَوّض على الآب، يسوع أتى ليدخل في عمق حياتك كما هي.

-    أسئلة للتأمل الشخصي وليس لعمل الحلقات:

o             أنتَ، أنتِ، هل تطلب من الحياة الحقيقية التي تنتظرها أن تلغي حقيقة حياتك، تلغي وجعك، ضعفك، جهلك، تقصيرك أو تلغي خطيئتك؟ أم انتَ واثق أنّه عبر هذه كلّها تتأصّل فيكَ الحياة الحقيقيّة؟

o             انتَ تتفاعل مع حقيقة حياتك الطبيعيّة، لكي تنمو فيها الحياة الحقيقية التي أتى بها يسوع. ولا يجب أن تنسى أنّه كما الحياة الحقيقية هي عطية يسوع لك، حقيقة حياتك هي  في الأساس أيضاً عطية يسوع لك لتنزرع فيها الحياة الحقيقية. الناس تسأل: لماذا يدعني الله أمر بهذه الحياة أما كان من الممكن أن يخلقني من الأول في السماء؟. يمرّركَ حتى، في يوم من الأيام، تقف في وجهه قديس و تقول له: أنا الذي كنتَ عاطلاً، أنا الذي كنتُ هكذا، ماذا أنا اليوم؟. إذا كنت في السماء من البدء فأي سعادة ستعيش، لن تختبر. أكيد في السماء سنكون اسعد من الملائكة لأنّهم لم يعرفوا ولا مرّة معنى اليتيم، معنى حرقة أن لا تعرف أبوك، أن ابن الله أخذ حقيقة حياتهم ليعطيهم الحياة الحقيقيّة. مريم اسعد من الملائكة، شربل اسعد من الملائكة لأنّه اختبر.

 

      هذا معنى التجسّد، هذا معنى "الله صار إنسانا"ً.

 

ختام:

إنتبه: الحياة الحقيقيّة التي زُرِعت فيك، ستبقى لفترة طويلة ممزوجة بحقيقة حياتك. فلنقل أن الحياة الحقيقيّة هي القمح، وحقيقة حياتك هي الزؤان. انتبه، لا تنزع الزؤان، هذا امر الربّ. ومَن يقول لكَ أن الزؤان لن يتحول إلى قمح؟. الذي حوّل الماء إلى خمر، الخمر إلى دمه،  الذي حوّل اليأس الى رجاء، الذي أخذ طبيعتنا البشريّة وتجلّى فيها على الجبل، الذي أخذ طبيعتنا البشريّة وأقامنا من الموت، قادر هو أيضاً أن يحوّل الزؤان إلى قمح..

انتبه لا تقلع الزؤان، ولا تتنكّر لذاتك.

تنكر لخطيئتك نعم، لكن ليس لذاتك. أحبب حقيقة حياتك لأن حياتك الحقيقية ستحملها. تذكّر يسوع القائم من الموت حمل حقيقة حياتك، حمل أثَر الرمح في جنبه، أثر المسامير في يديه ورجليه.

لا تكفروا بسبب حقيقة حياتكم؛

ليكن عندكم الرجاء بالحياة الحقيقية.

آمين.

التعليم   |||   الصفحة الرئيسية