عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

لقاء الأربعاء الأول من شهر كانون الأول ‏2000‏‏

كنيسة مار شربل أدونيس

الأب مارون مبارك

الموضوع   :     "الأسرار كعلامات"

       1-  تكلمنا المرّة الماضية على موضوع: "الكنيسة سرّ الخلاص" وزكرنا فيه الأسرار، موضوع اليوم.  

شرحنا كلمة "سرّ" بمعانيها الثلاثة، ونذكر بالمعنى الأول الSecret  الأمر الخفي، والمعنى الثاني Sacrement العلامة المنظورة لحقيقة غير منظورة والمقصود الأسرار السبعة التب سنتناولها اليوم، حقيقة واضحة ملموسة تدلّ على حقيقة خفيّة... مثلاً الماء الذي يُستعمل مادياً للغسل او للري ونمو الحياة... بالمعموديّة، هذه المادة ذاتها تدل على عمل الروح القدس الخفي الذي يغسل  الخطيئة الأصليّة التي ورثناها من سلالة آدم ويولِّد فينا  الإنسان الجديد. الماء يرمز لعمل الروح القدس الذي يزرع فينا النعمة فتنطبع فينا صورة المسيح..

اما المعنى الثالث فهو الحقيقة الكبيرة التي لا يمكن إحتواؤها، مثلاً من يحتوي بفكره موضوع وحقيقة الله الثالوث : آب، إبن وروح قدس. هذا السر لا نحتويه بالعكس بقدر ما نتعلم عنه نرى اننا بحاجة لنتعلم اكثر. عقلنا غير قادر على إحتواء حقيقة الله.. هذا معنى Mystère.

 

        2-  نركز الليلة على العلامة التي تظهر وتعطينا حقيقة

        موضوعنا :   الأسرار كعلامات.

أ)      معاني العلامة والرمز:

        لوقا 2/12..   الأقمطة :      

لمّا الملاك بشّر الرعاة "تجدون طفلاً ملفوفاً بأقمطة موضوع بمزود" هذه علامة.

       

متى 16/ 1-3               

السماء الحمراء: يسوع يخاطب اليهود... تعرفون كيف تقرأون علامات الطبيعة فتعلّموا قراءة علامات الروح. السماء الحمراء علامة على الطقس والطبيعة.

       

يوحنا 11/ 35-36

         بكاء يسوع على لعازر:  يسوع يقيم لعازر من الموت. لمّا حزن يسوع على لعازر بكى... هذه الدمعة هي علامة حبّه للعازر وحزنه عليه."انظروا كم كان يحبّه". نرى الحب من خلال علامات.

 

مرقس 14/ 44...

        يوضاس سلّمَ المسيح:   "أبقبلة يا يهوَذا تسلم إبن الإنسان.." يوضاس يسلم يسوع بعد ما أتفق مع اليهود وقال لهم الذي أقبّله هذه هو... قبلة يوضاس علامة على خيانته.

 

        غلاطية 2/9..

        "سلّموا على بعضهم علامة لوحدة القلوب" سلام الرسل علامة الوحدة:كان جماعة الرسل يسلمون على بعضهم البعض سلام اليد الخالية من السلاح وبدون خوف ولا أحقاد. علامة إتحاد القلوب.

 

        واقع معيّن :    الإنجيل يعطينا احداث من حياتنا مملوءة علامات من واقع معيّن مثل الأشخاص (الأقمطة) تدلنا على شخص يسوع؛هذا إبن الله الذي لبس الجسد... وأيضاً أشياء؛ علامات من الطبيعة (السماء حمراء)، واقع أو شخص او شيء او حالة. وأعمال (القبلة، الدمعة)، فالحركات كلها واقع معين يدلنا على حالات أخرى. مثلاً التعرف على يسوع تمّ بالأقمطة، الطقس عرفوه حار من السماء الحمراء. وقبلة يهوذا علامة خيانته.

        إذاً علامات... اوالأسرار بحياتنا هي واقع معيّن يدلنا على حالات نكتشفها..

        يقول احد الكتّاب الروحييّن "العلامة بحياتنا عبارة تحملنا إلى عبارة أخرى لها صلة مع الأولى".

 

إذاً من "كلمة" أعبر إلى "حقيقة". صلة بينهما. أعرف أوصل. صلة وصل... وإذا فقدنا صلة الوصل بين عبارة وأخرى نفقد معنى العلامة. مثلاً إذا انا قلت "الماء للتنظيف" ونظرت إليها في جرن المعموديّة وأؤمن انها لتلد الحياة وتمحو الخطيئة... وبالواقع انني ارى ماء. إذا قطعت الصلة تفقد العلامة كل معناها وتعود ماء عاديّة.

       

لهذا بالكنيسة نعيش الأسرار... الخبز الذي على المذبح إسمه برشانة وهو من أصل سرياني من فعل "فَراش" ويعني فصل... قديماً كان كل واحد يأتي الكنيسة يحمل من غلاّته معه وعلى باب الكنيسة يقف شماسان واحد أمامه طاولة وواحد معه لوحين لوح لأسماء الأحياء وآخر للأموات.. الشماس الأول يأخذ ما يقدم من التقدمة او القرابين على نيّة ما والشماس الثاني يكتب الإسم على اللوح المختص... ووقت الدخول للكنيسة يفصلان قليلاً من الخبز (هذا البرشان) ويحملانها مع اللوحين الى المذبح مرتّلين "قدّوس قدّوس انت يا الله..." وهذه البرشانات او الخبز على المذبح تصبح قرابين لما يقول الكاهن الكلام الجوهري عليها..

        للأسف عالمنا اليوم فقد قراءة العلامات... لم نعد نعرف في وسط الضجيج والسرعة ان ننظر إلى الطبيعة ونقول سبحان الله...

        الليلة مهم أن نتكلم عن العلامات لنعرف أهمية الوقت ونتعلم نرى كيف ان الله يتدخّل بحياتنا ويعطينا علامات... مرضنا اليوم مرض الوقت..

        "هل أنا اعرف فعلاً أن انظر واتذوق علامات حضور الله بحياتي؟

        سؤال اساسي... (عبارة مع عبارة) نتعلم كيف نصل معاني الأشياء ببعضها البعض فتعطي معنى لحياتنا.

        هذه اسرار الكنيسة.

 

أ‌)      مفاعيل العـلامـة:

ما هي مفاعيل العلامات بحياة الناس؟

       العلامات بحياتنا موجودة ولها مفاعيل. ليس المهم فقط اكتشاف المعنى بقدر اهمية اكتشاف المفعول.

 

       أول مفعول للعلامات بحياة الناس

1-      انها تزيد المعرفة:

بقدر ما نحن نحلل العلامة بقدر ما تتوسع رقعة معرفتنا. مثلاً اللون الأحمر... يعني في السماء حلول الحرّ؛ وايضاً عندما اقول "هناك نار وانا ارى دخاناً" هذا يعني انه لا دخان من دون نار.. ومن يقرأ علامات تكون معرفته زائدة. عندما نقرأ الإشارات والوقائع تزيد معرفتنا في فهم وقائع الحياة وبالتالي تسهل علاقتنا بالغير. اذاً بواسطة العلامات تزيد معرفتنا في تحليل الوقائع.

 

2-        تزيد في الربط بين باطن الإنسان وخارجه حتى نتعرف عليه أكثر فأكثر:

عادةً الشخص لا يظهر بحقيقته انما نحن نلمس منه علامات: بحديثة، بصوته، بحركاته، بمعنى يبرز حالاته الداخليّة بواسطة العلامات الحسيّة الخارجيّة. مثلاً محبة يسوع للعازر ظهرت ببكائه... باطن الإنسان سرّ عميق، كل واحد منّا سرّ غني ملآن من الروح، أعطاه الرب معطيات، مقدّرات انّه صورة عن الله... لا يحق لنا أن نحكم على إنسان الاّ إذا اعطانا علامات تكشف عن باطنه بظاهر اعماله. اذاًَ الربط بين الباطن والظاهر يزيد في معرفتنا لبعضنا البعض.

 

3-       العلامات هي نبع وغذاء الحالات النفسيّة.

مثل مأخوذ من كتاب "Du fond de l 'abîme, Seigneur "   يحكي عن معسكرات الأسر في المانيا إذ كانوا يجبرون الأسرى أن يقعوا في الأوحال وحتى يذللونهم يتركونهم بحالة وسخ يرثى لها ليصيروا غير مقبولين ويكسروا لهم معنوياتهم لأن الأوساخ تدل على عدم الإهتمام بالذات وبالتالي على رفض الذات الحسنة. إحدى النساء بمعسكر الأسر قررت وتمسكت بأن تنظف حذاءها كل يوم علامة على أنهم لن يستطيعوا كسر معنوياتها.. علامة على رفض حالة الذل والتمسّك بحالة الإهتمام بذاتها ومعنوياتها.

العلامات الخارجيّة التي يعمل عليها الإنسان تدل على حالات نفسيّة.

فعلاً اذا كنت انساناً عندي نظام معيّن هذا لأني ضابط امور حياتي، الإنضباط الخارجي علامة على مسك زمام امور حياتي.

الفيلسوف باسكال يقول "إذا فقدت حرارة ايمانك إركع وصلِّ تعود لكَ الحرارة"... إذاً العلامات الخارجيّة تغذّي فينا داخلنا والباطن، تغذّي فينا الحالات النفسيّة.

 

4-      العلامات هي وسيلة عمل.

ليست فقط وسيلة جيدة لأجل توسيع معارفنا، ولأجل إغناء حالات نفسنا وبعدنا الباطني الروحي؛ تعطينا أيضاً وقعاً على العالم الخارجي. مثلاً بسفر التكوين 2/19، عندما نادى الرب الإنسان، وطلب منه تسمية الحيوانات علامة لسيطرة الإنسان عليها. ومثل آخر من ألإنجيل، سمعان صار اسمه بطرس، سمعان اي الذي يسمع صار اسمه صخرة.. من سمعان "يسمع كلمتي" الى سمعان "ابني عليه كنيستي". وايضاً بالمعموديّة والراهب والراهبة، تغيير  الإسم  علامة لخلق جديد لحياة جديدة.

العلامات إذاً هي وسيلة عمل للتأثير.

 

5-        العلامات هي وسيلة اتصال بين الناس.

امّا الإتصال من خلال الكلام والألفاظ المتفق عليها، ففي منطقة معيّنة تكون موافقة  وتختلف في منطقة أخرى، كاللهجة، حتى النفس بين لفظة وأخرى له معنى مختلف بين بلد وآخر. مثلاً بإيطاليا يتكلمون بايديهم اكثر من لسانهم. الحركات هي علامات تدل على اتصال الناس والعلامات هي وسيلة اتصال من خلال الحركات والتقاليد واللباس. كل هذا يسهّل علاقات الناس ببعضها البعض.

 

6-      العلامات وسيلة علاقة الله مع الإنسان... وهنا يبدأ موضوعنا...

الوسائل التي سيستخدمها الله حتى يدخل معنا في علاقة. (العلامة التي هي علاقة). الله يوحي بذاته ومن ثمّ من خلال العلامات يفهم الإنسان نوعيّة العلاقة ومعنى العلاقة ومفهوم هذه العلاقة.

إذاً العهد القديم مملوء من العلاقات:

الأشخاص   :   موسى، إبراهيم، حزقيال، يوسف، الأنبياء...

الأحداث     :   جبل سينا، الصحراء...

الأشياء      :   تقدمة إسحق، المن والسلوى، الحمل الفصحي...

علامات يوصل فيها ربنّا حضوره وإهتمامه فينا.

وأيضاً بالعهد الجديد:   كل أعمال يسوع وأقواله علامات لحضور الله ورحمته.. بإختصار قال يسوع "من رآني رأى الآب" يو14/9.

إذاً يسوع المسيح هو كان علامة الآب الآتي بجسد ليس فقط لنرى الله بل لنرى ما يعمل الله معنا. هذا المميز بشخصيّة يسوع.. ودعانا لنكون نحن أيضاً مثله علامات لحضور الله.. سرّ من اسرار الكنيسة مثل ما يسوع هو سرّ الآب.

عندما نصلي، نجاوب على تدخلات الله، نعبّر عن ايماننا كأننا نقول، يا رب نحن نؤمن بتدخلك بحياتنا ونحن نجاوب على تدخلك؛ بالأسرار السبعة أخذ الله المبادرة ليدخل بحياتنا ويسكب فيها نعمه ويحركنا نحن لنجاوب. بتدخل الله في حياتنا من خلال علامات ونحن نجاوب أيضاً من خلال علامات، إنها الأسرار السبعة التي حددتها لنا الكنيسة انطلاقاً من تعاليمها عبر التاريخ بمجامع..

 

        *   معانيها الروحيّة    :  

الأسرار السبعة لها معاني، تعليم الكنيسة الكاثوليكية الذي اصدره البابا يعلمنا عن معاني الأسرار السبعة التي هي:

سرّ المعموديّة،   سرّ التثبيت،   سرّ التوبة او الإعتراف،  سرّ الإفخارستيا،   سرّ الزواج،   سرّ الكهنوت،  سرّ مسحة المرضى.

 

        هذه الأسرار السبعة لها خمسة معاني روحيّة :

1-    هي علامة المسيح الذي هو انشأ الأسرار، "نعترف بأنّ اسرار العهد الجديد قد أنشأها كلها ربُّنا يسوع المسيح" (مجمع ترنت، قوانين الأسرار).

إذاً يسوع هو الذي اسس هذه الأسرار "ما حللته على الأرض يكون محلولاً في السماء".. "إصنعوا هذا لذكري".. ويقول مار يعقوب " كل ما مرض احد فليأتي الشيوخ ويمسحوه بالزيت".. "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان"...

        يسوع أتى ليضع كل حياته بقلب حياتنا. جعل كل حياته بشكل خفي داخل هذه الأسرار السبعة. لهذا لما أذهب أنا الى الكنيسة لأقدّس (لا لأسمع القداس) لمّا أذهب لأحتفل

واشترك بالذبيحة الإلهيّة، آتي لأشترك وأُشرّك المسيح بحياتي وأشترك مع أخوتي، لا لأعمل عمل عادي، اعيش عمل المسيح.

        الأسرار هي القوى التي تخرج من يسوع لتقوينا وتشددنا.. اذهب لأُصلّي على الطريقة التي يريدها يسوع. وهذا ما تريده الكنيسة. مثلاً الإعتراف بكرسي الإعتراف وليس على طريقتي بيني وبين الله...

        هذه الأسرار والعلامات تجعلنا نحيا حضور الله بعلاقتنا معه وعبادتنا له على طريقته وليس على طريقتنا الخاصة.

 

        2-    هي اسرار اكتشفتها الكنيسة بفعل الروح القدس الذي يعمل فيها عبر التاريخ، وحددتها بعدد سبعة، لهذا هذه الأسرار تعمل بالكنيسة وهي تبني الكنيسة. فلا كنيسة بدون قربان... الأسرار تَصنع الكنيسة وهي تُصنَع بالكنيسة. العلاقة الصحيحة مع الله ومثل ما يريدها الله تكون في قلب الكنيسة. من الكنيسة نؤسس لننطلق للعمق.


        3
-     لها علاقة بالإيمان.. "إذهبوا وعمّدوا وبشِّروا...". ربط يسوع الأسرار والتبشير والتعليم بتأسيس الجماعة المسيحيّة.

 

الأسرار اولاً طلبها يسوع.

صلاتي هي تعبير عن إيماني. الصلاة لا تخرج فقط من الفم، هي تخرج من الفم المرتبط مع القلب.

 

        4-    مرتبطة بخلاص الإنسان.. الأسرار فاعلة لأن يسوع هو الذي يعمل، "أحلك من خطاياك بإسم الآب.." الذي يمحي الخطيّة هي يد يسوع التي تستعمل يد الكاهن. لهذا الإعتراف والعماد لها مفعول لأن الذي يستخدمهم هو المسيح.. إذاً المسيح يفعل فيها وإلاّ اصبح ايماننا ضعيفاً...  الروح القدس يفعل في الخفاء بشكل مباشر في الأسرار.

 

        5-    الأسرار لها علاقة بالحياة الأبديّة... هي تحضّر لنا دخولنا إلى السماء، لما نعيش على الأرض العلامات الحسيّة التي ربنا دخل فيها لندخل نحن معه بعلاقة. بالقداس نحضّر الوليمة السماوية هناك، نكبر وتغذينا محبته.. هنا نموذج عن الحياة هناك.. هنا نستعد نتحضر للحياة الأبديّة، لا أحد يذهب اذ لم يستعد.. نبدأ نمشي على سماء الأرض التي هي الأسرار التي تقربنا من الله..

 

السؤال   :

كيف نعرف نقرأ علامات حضور المسيح بحياتنا؟.

هل المسيح فقط حاضر بالقربان ام ارى حضوره بعلامات أخرى مثلاً بكرسي الأعتراف او بحالات أخرى؟ هل يعلمني من خلال أشخاص واحداث؟ هل يا ترى يغذيني فقط لما يعلمني بالكتاب المقدس والقداس الذي اشترك فيه؟.

أين إذاًَ أعرف اقرأ علامات حضور المسيح؟.

آميـــن.

الصفحة الرئيسية   ||   التعليم