عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 

 

الأربعاء الأول من شهر كانون الأول (6-12-2006)  – كنيسة مار شربل أدونيس

الأب مارون مبارك – مرسل لبناني

الموضوع: "سرّ التجسدّ والأرض".

 

"السما لبست الأرض حتى تصير الأرض قادرة أن تلبس السما".

احببت ان اضع عنوان يشع:

الرب الإله  تجسّد في الأرض ودعانا نعيش معه ملء الحب. وجعل هذا الأرض قادرة ان تصير تحفة في السماء.

الله يحب الأرض خلقها وأحب خلقه لدرجه انه نزل ليسكن فيها.

اليوم رسالتنا ان نحب الأرض كما احبها ربّنا.

 

"السما لبست الأرض حتى تصير الأرض قادرة أن تلبس السما".

 

هذا العنوان يعَبّر عن موضوع لقائنا  الذي ركّزناه على أساس المثلّث: التكرّس والرسالة والدعوة وعلاقتها بالأرض. وبعدما توقّفنا في لقائنا الأول حول علاقة الرسالة بالأرض والتأصّل فيها. نصل اليوم بلقائينا الثاني حتى نتأمّل بصورة الله الذي ينزل على الأرض، يتمجّد فيها: الميلاد والأرض.

إذا توقّفنا حتى ننظر بالعمق إلى المغارة وحدث الميلاد نلاحظ إشارات كثيرة معبّرة عن علاقة الله بالأرض، تعلّمنا كيف نفهم علاقتنا نحن بأرضنا من خلال حضور الله معنا. وهنا السؤال كيف أعيش رسالتي مع الأرض برفقة العمّانوئيل، والجواب يأتيني من الإشارات التالية:

1-                طفل ومزود: هي العلامة الأولى التي يعطينا خبر الميلاد عن وجود الله معنا، وهذا ما يشكّل صعوبة في الإيمان المسيحي وهي التعرّف على الله لهذه الدرجة يتنازل، إله بكل عظمته يصغر طفل صغير. سرّ عظيم؛ نزل  في صورة ضعف وفي هيئة "صغر"، وهذا ما ينشده يوحنا الرسول في رسالته الأولى بقوله: "بهذا تعرفون روح الله، أنّ كلَّ روحٍ يعترفُ بأنّ يسوعَ المسيح قد أتى في الجسد، يكون من الله". (4/ 2).
الإنسان يتطلّغ عادة إلى العظمة القدرة والاعتراف بالقوّة، لكن هنا الصورة هي انّ الله ظهر في طفل، عديم القوّة، بكلّ تواضع؛ وهذا التناقض لا يسهّل علينا التصديق. إن الملك نبوخذنصر سأل النبي دانيال أن يفسّر له حلمه الذي رأى فيه تمثال عظيم من ذهب وفضة وحديد.. واذ بحجر ينقطع من حبل ويضرب التمثال الضخم فزال التمثال وصار الحجر جبلا. ولمّا شرح للملك حلمه قال: "أنتَ أيها الملك رأيتَ فإذا بتمثال عظيم هائل، كثير البهاء... كان منظره رهيباً". (دانيال 2/ 31)، فأعطى الصفات التي يتحلّى بها الإله التمثال، الوثني. ولكن الحجر المقطوع من الجبل سحق كلّ هذه الصفات، وصار هوَ بدوره جبلاً، هذه هي صفة الله المتجسّد، إنّ جماله في براءة الطفل وقدرته في اجتذاب الناس إليه وليس ترهيبهم، أحبّهم فأحبّوه وهذا ما حملهم إليه. لا نتعرف على الرب فقط بالعظمة، لا يبقى فقط القدير العظيم الذي لا اقدر ان أصل اليه. هو الحبّ الذي يضع ذاته بين أيدي الآخرين.
نعم دخل الله الأرض وليس بشكل أن فَرَضَ ذاته بالقوّة، إنّما دخل إلى قلبها بالحبّ، انخرط في لبّها حتى حملها ورفعها. لم يلتقطها من خارجها حتى يلفّها بقبضته، بل جعلها تحويه وتلفّه هي بقبضتها حتى امتلكها بالحبّ، لأنّه حرّرها. لم يأخذها إليه، بل أعطاها ذاته فأخذته ولم تعد تقدر أن تفلتَ منهُ لأنّها علقت به، أي ارتبطت به بسبب ما أعطاها فأغناها. ونحن تلاميذ ورسل في الأرض كيف نحبّ أرضنا المرّة الماضية قلنا نتأصل بها اليوم نعطيها.
نعم لقد وضع لنا لوقا الإنجيلي هذا الحدث في إطار تاريخي إذ حدّدَ الزمن ولو فيه بعض المباحثات، وفي الإطار الجغرافي وفي الإطار السياسي وظروفه. ولمّا وصل إلى تحديد الإشارة الأولى، وضع الطفل في مذود وذهبَ ليبشّر الرعاة لكي يصلوا إلى الحدث.

 

2-                بشارة الملاك: حمل الملاك خبراً سماويّاً إلى الرعاة وأعطاهم علامة للبشارة بدون أن يطلبوها كما حصل في بشارة مريم (كيف يكون هذا) وزكريا. وفي سياق كلامه أعطى الملاك ثلاثة ألقاب للطفل: ولد لكم اليوم: المخلّص، المسيح، الربّ. وهذه كلّها انتظارات الناس بحسب معتقداتهم:

1.     المخلّص هو لقب وثني، لأنّ الامبراطور يُعتبر مخلّص الرعيّة والامبراطورية كلّها. اي هذا المخلص هو لكلّ الأمم نبهّهم ان حبّ الله هو لكلّ الناس. ونحن نتعلم عندما نتعاطى مع ارضنا نعيش شمولية الحبّ. وليس فقط من يعطيني أعطيه، يقول الربّ لنا، الغريب بينكم هوَ واحد منكم. هذه شموليه الحب.

2.     المسيخ والربّ لقبان يدخلان في المعتقدات اليهودية كما تعلّمها الشريعة والأنبياء وكلّ التاريخ القديم.

 

وبهذه الألقاب جمع الملاك الوثنييّن واليهود ليدلّ الجميع على الإله الذي جاء من أجلهم كلّهم. تدُلّ هذه الشموليّة على هويّة يسوع وعلى رسالته. لقد جاء من أجل الجميع، إنّه صاحب "الأرض السلام"، لأنّه يجمع الكلّ، ومن هنا نداء الملاك... "على الأرض السلام".

 

3-                ردّات الفعل: نلاحظ أنّ هناك ثلاث ردّات فعل في الحدث:

1.     ردّة فعل الرعاة الأولى أنّهم يريدون أن يروا ما سمعوا من الملاك إيمان الخبرة.

2.     ردّة فعل ثانية لهم، راحوا من المغارة فرحين مدهوشين يخبرون بفرح بما رأوا. اعلان وتوزيع الخبرة.

3.     ردّة فعل مريم التي كانت تتأمّل في قلبها بهذا السرّ العظيم. التأمل الصامت الذي يرى ويسمع ويتحرك من الداخل ليمتلئ والإنسان المليان لا لزوم لكي يتكلم فهو يتكلم بنظرة فتصير الكلمة تتجسد به.

 

إذاً هناك أربعة أفعال تدلّ على التفاعل مع الحدث: من خلالهم نرتبط بالارض.

          سمع – رؤية – أخبار (شهادة) – وتأمل.

اربع افعال تعلّم التعاطي مع الأرض. هذا الإيمان المتجسد الذي نزل بجغرافيا يعلمنا حبّ الأرض من الامور البسيطة نكتشف الحبّ ونكون شهود للأرض التي ننتمي لها.

 

4-                ليتورجيتان: بعدما بشّر الملاك الرّعاة ظهرت الملائكة في ليتورجيا سماوية عظيمة تعلِن الفرح والمحبّة (المجد لله في العلى وعلى الارض السلام والرجاء الصاللح لبني البشر).  تُقابلها على الأرض ليتورجيا بشريّة بسيطة حيث يذهب الرعيان ليشاهدوا طفلاً في مذود (أتوا على معلف رأوا طفل مقمط عرفوا من خلاله ماذا تريد السماء) على بساطتهم عملوا ليتورجية تمجيد الله بين السمع والنطر والشهادة. ربّنا عندما دخل الأرض لم يدخلها بالقوة، دخلها طفلا صغيرا وعلى مهله.
هذا التواصل بينهما يجمعه قرار سماوي ومبادرة منه ينطلقان من حبّه.

 

إذاً نفهم جيّداً أنّ ربّ السماء والأرض، عندما أرادَ أن يقترب من الأرض لبس طبيعتها ولبس عاداتها حتى وصل إلى تحقيق رسالته؛ فكم بالحريّ أن نتعلّم منه عندما نقترب من أرضنا ونتعاطى معها.

في الظروف الأليمة التي يعاني منها البلد، نرى الصراع على الأرض ليس في مكانه ولا في معناه. كلّ فريق يريد الأرض له، أن يملكها وأن يجعلها تخدم تصوّراته، يعني الصراع هو على سلطة وإدارة. لكن ينسى الجميع أنّهم كلّهم مطلوبون لهذه الأرض، ليست أرضنا لنا، نحن لها، نحن في خدمتها. هكذا نفهم الوطن. والسؤال العملي نتعلّمه من التجسّد الذي صنعه الربّ:

يبقى لنا السؤال ماذا نتعلم اليوم من الحدث الالهي؟

في هذه الظروف الصعبة كل واحد يريد ان ياخذ الوطن له، يفبرك الوطن بالشكل الذي يخدمه كلّ واحد يريد ان يعمل من هذه الأرض ما يريده، بفرض الارادة، والصراع هو على السلطة على هذه الارض. فللنظر بموضوعية: الأرض ليست لأحد كلّهم يقولون كلّنا للوطن وينتهوا كيف يكون الوطن لهم. الربّ يعلمنا اليوم أنه جلس في قلب الأرض أحبّها وأحبته، لننقذ وطننا يجب أن نحبه أولاً.

 

فروض علينا عملها:

1-                على الصعيد الشخصي:
يعلّمنا المجمع البطريركي الماروني في نصوصه، أن يقدم كلّ فرد منّا على أمور متعدّدة أهمّها:

a.      تنقية الذاكرة:   ما خلفته الحروب وما رسمته الصراعات في أذهان الناس يحتاج إلى نظرة مستقبليّة، يحتاج إلى تجديد المفاهيم التي عليها يرَبّى المؤمن المسيحي. بالعودة إلى صورة المغارة، وُلِدَ الربّ طفلاً ليعلّمنا أن العودة إلى الطهارة الأولى هي تساعدنا على البدء من جديد. كل إنسان مدعو إلى تجديد مفاهيمه لكل ما ينظر إليه.

b.     تلبية النداء:     السماء تنادينا: إذا لم يتوصّل المرء إلى اكتشاف دعوته وتحديد هدفه فلن يستطيع التقدّم أبداً. لذا جاءت السماء تدعونا، تنادينا إلى السلام كما نادى الملاك الرعاة وأعطاهم علامة. إنّ المجمع البطريركي الماروني هو نداء جديد من السماء حتى يتمكّن كلّ فرد منّا أن يعيدَ النظر بدعوته المسيحيّة اول دعوة عمومية هي أن نسعى الى القداسة وأيضا كل واحد منّا عنده دعوة خاصة. كما فعل الرعاة: سمعوا وراحوا لكي يروا ما سمعوا ثم يشهدوا. تدعونا الكنيسة إلى النظر لحالنا في كل المجالات لنتعرّف على هويّتنا، على رسالتنا، على أوضاعنا العموميّة. (راجع النصوص الأربعة الأولى + 19، 20 و 21) وهي النصوص المطلوبة للسنة الأولى حتى نفكرّ فيها وندرس حولها.

c.     تعبئة الذات:     الفراغ يقتل الحياة، لأنّه ينزلق بها إلى التهور والضياع والسطحيّة وحتى الفساد. الإنسان المليان من الله، المليان من الفضائل يقدر ان يحبّ أرضه، ويمتلك فضيلة التواضع وفضيلة التجرد. صار الانسان سلعة للأمور بدل ان تكون الأمور سلعة للإنسان. فضيلة التجرد تساعد على الانفتاح اكثر على السماء وعلى بعضنا البعض.. لذا مطلوب منّا الإنتباه إلى العمل على:

                                                              i.       اعتناق المفاهيم الصحيحة كما هيَ في حقيقتها وليس كما يرسمها كلّ لون وكل موجه وكل حزب.

                                                            ii.       توجيه العواطف بالعقل والمنطق لان العواطف اذا لم تكن موجهة ننزلق ونضيع. دع العواطف فوق المنطق. حتى لا تقع بالتهَوّر.

                                                          iii.      على ترسيخ المبادئ التي اختبرنا لكي تصبح عمليّة وفاعلة للخير تصير مبادئنا المسيحية ترسخ فينا لتصير طبيعتنا طبيعة محبة.

 

يقول نص المجمع الماروني التاسع عشر تحت عنوان "الكنيسة المارونية والسياسة" بالعدد 51، حول تعزيز الثقافة والممارسة الديموقراطيّة في حياتهم اليوميّة، فيعطوا الأولويّة للنقاش بدل التناحر، ويتحاوروا معتبرين الحقيقة جزء من تفكير الآخر، ويغلّبوا المنطق على الغرائز والانفعالات الآنية، ويبتعدوا عن العنف في سلوكهم اليومي. بهذا ينتقلون من مرحلة المواطن المستهلك القابل بما هو مفروض عليه، إلى المواطن الفاعل والمؤثّر في مجتمعه والقادر على التغيير بدءاً من ذاته". كما ويزيد عدد 40، حيث تدعو الكنيسة إلى التحلّي بالفضائل.

 

2-                على الصعيد الجماعي:
يطلب منا المجمع حتى نلبس أرضنا روحاً جديداً.

a.      التطلّع الى كرامة الإنسان؛ العمل على تحقيق العدالة "وتعني، أنّ جميع البشر، بالرغم من كل تمايزاتهم، هم متساوون في بنوّتهم لله وفي كرامتهم الإنسانية، وفي تمتّعهم بالحقوق البشريّة الأساسية. هذه هي العدالة الطبيعيّة... واجب الفرد والدولة ووظيفتهما أن يعملا على احترام هذه الدولة وتحقيقها، فتصبح "عدالة اجتماعية". نص 20/ عدد 23.

b.     تفعيل مقدّرات الإنسان: أي العمل على طاقات الإنسان وإيجاد فرصة لتشغيلها. من هنا ضرورة الانفتاح على العالم الثقافي والعلمي والتخطيط لمستقبل شبابنا. النصوص 16 – 17 – 18. العلوم التي ندرسها نضعها في خدمة الوطن.

c.     قبول التعدّديّة لشراكة صحيحة: العيش المشترك: كل المجمع يشدّد على رسالة لبنان ومثله في رسم صورة التعدّديّة والتعايش فيما بينهما. فتقول الوثيقة 19، العدد 37: يتخطّى العيش المشترك مستوى التساكن والتعايش، بل هو:

                                                              i.      نمط حياة يؤمّن للإنسان فرصة التواصل والتفاعل مع الآخر.

                                                            ii.      نمط حياة يقوم على احترام الآخر في تمايزه وفرادته.

                                                          iii.      نمط حياة يقوم على احترام الحياة في تنوّعها وغناها، من دون إخضاعها لتراتبية... فتفرز الناس أقليّات وأكثريّات وترسم بينهم خطوط تماس سرعان ما تؤدّي إلى التصارع والتصادم.

                                                         iv.      نمط حياة لا يُحدث في داخل الإنسان بذاته شرخاً بين انتماءاته المتعدّدة التي تتشكل منها هويّته.

 

رسالة العيش المشترك، هي التي يشدّد عليها المجمع والكنيسة، وهذه ميزة أرضنا كما أرادها الله لنا.

لا احد يقدر ان يلغى الاخر. هذه صيغة العيش المشترك.

نحبّ أرضنا، نخدم هذا المبدأ وإلا نحن سنضيّع الأرض.

 

 (ختام قصة العيون) قصة ذات معنى:

شاب يحب فتاة عمياء واراد ان يتزوجها فرفضت لانها عمياء

وبعد سنين عملت هذه الفتاة عملية زرع عيون

فيعود الشاب ليطلبها للزواج فترفض لانها رأته أعمى فقالت كيف أتزوجك وانت اعمى لا تراني

فاجابها: كما تشائين، لكن عندي طلب "انتبهي على عيوني".

 

قصتنا مع الرب يسوع كهؤلاء. يقول: انا وضعت فيكم كل قلبي وكل المحبة فاعرفوا أن تعيشوا هذه المحبّة وهكذا تصيروا قادرين أن تحبوا بعضكم البعض وتحبوا ارضكم.

انشالله نكون على المستوى الذي يريده ربنا منا لنحقق فعلا سرّ التجسد في قلب الأرض.

 

 

ملاحظات: أرجو أن تحصلوا على هذه النصوص وتعلموا عليها وتتاملوا بها لانها تساعدنا على فهم الامور كما هي. كنيستنها تعلمنا لتساعدنا على عمل الرسالة. وعلى فهم هوية الكنيسة ورسالتها.

نحن تلاميذ ناتي لنمتلئ ونحن رسل نذهب لنشهد.

 

عملياً اليوم نتقية الذاكرة والتعاطي بموضوعية تتنور من انوار الانجيل وتعاليم الكنيسة وانطلاقا من اختباراتي الشخصية لا استطيع ان اسير دون ان افكر.

استند أولاً إلى يسوع المسح فهكذا لن نستطيع الرياح ان تهزّني.

المهم ان نعمل ما علينا ونكون ثابتين بنور الإنجيل ونور الكنيسة وخبراتنا لكي نتخطى كل التأثيرات الخارجية.

الذي عنده ثوابت إيمانه يقوى ولا يعود يتزعزع ولا تأخذه الرياح دون أن يفكر إلى أين يذهب.

 

نرجو ان نتامل بهذا نحمله زوادة ورسالة للاخرين.

التعليم    ||   الصفحة الرئيسيّة