عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

الأربعاء 4 كانون الثاني 2006

الأخت ماري أنطوانيت سعادة

كنيسة مار شريل – أدونيس

 

 

الموضوع: "التعليم هدية ومسؤولية"

  (ملاحظة: هذا التعليم منقول عن التسجيل الصوتي، لهذا هو اقرب الى اللغة العامية)

 

"وكانوا يواظبون على تعليم الرسل...". هذا التعليم هو هدية ومسؤولية.

- الله الآب أرسل إلينا أكبر هدية ولفّها بقمط، أرسل لنا ابنه، وحيده، حبيب قلبه، أرسله لنا كي يلبس بشريتنا، أي أنّه تخلى عنه، والابن أيضاً تخلّى عن أشياء كثيرة، وعن ألوهيته كي يلبس بشريتنا.

ولما لَبِسَ بشريتنا عمل لنا 3 هدايا:

-      الهدية الأولى بيسوع: الله، عمانوئيل = الهنا معنا.

الله، الكبير، العظيم، مالئ الكون، البعيد، صار إلهنا معنا، صار الإله القريب.

الإله القريب من قلوبنا، من حياتنا، من عيشنا، من بيوتنا.

-      الهدية الثانية بيسوع:

الله بيسوع، لما أرسله لنا، أعطانا القدرة كي نصير أبناؤه.

"جاء الى بيته فما قبله أهل بيته، أمّا الذين قبلوه فمكّنهم أن يصيروا أبناء الله"

يعني أتى وأعطانا الفرصة، سمح لنا أن نكون أبناؤه، للذي يُريد، ليس اجباري إنما للذي يفتح بيته، للذي يفتح قلبه، الله مستعد أن يتبنّاه ويجعله كإبنه الوحيد.

-      الهدية الثالثة بيسوع:

الله الآب، صار أخانا بالانسانية، عندما لَبِسَ بشريتنا وصار مثلنا مثله ما عدا الخطيئة.

 

يقول لوقا في إنجيله: "وكان يسوع ينمو بالحكمة والقامة عند الله والناس"

لما لَبِسَ بشريتنا، صار يسوع خاضع لعملية النمو! ما يعني هذا؟

أي أن يسوع سينمو سيصير، يوماً بعد يوم.

عملية النمو هذه، تبناها يسوع وسار فيها، لأنه صار بشر مثلنا. وعملية النمو هذه هي أكبر هدية عملها لنا لأنه شابهنا بكل شيء.

يسوع لما أتى الأرض، اتى طفلا صغيرا بحاجة لعناية من أمّه، من ابيه، بحاجة لأن يكبر، بحاجة لأن يتعلّم، النطق، التراتيل، الصلاة، بحاجة أن يتعلّم كيف يأكل ويشرب ويلبس ويتعلّم قراءة الكتب.

كان يسوع يتعلّم من أمه وأبيه، ومن محيطه ومجتمعه. كان يتعلّم ممّا يرى ويسمع ومن كل الظروف التي وجِدَ فيها.

من هذه القدرة على التعلّم كان يسوع يصير:  يكبُر شيئاً فشيئاً فصار شابا... يقول بعبرانييّن: "وتعلم الطاعة بما عاناه من الألم".

حتى طاعته لأبيه، حتى طاعته لمشروع الخلاص، كان يسوع يتعلم الألم الذي يتحمّله.

كان يسوع يتعلّم من شيء حوله.

وهذا لأقول أن يسوع يشبهنا، "ويا نيّالنا!"  

ونحن أيضاً عندنا القدرة ان نتعلّم، وبالتالي عندنا قدرة لأن نكبر في كل مجالات الحياة، لأن الله يعطينا، اعطانا عقل، فكر، جسد، مؤهلات، مواهب، وأعطانا أشياء كثيرة، علينا نحن نصيّرها كي تكون.

نتعلّم ايضاً ممّا نسمعه، نتلقاه، حتى من الصدمات الذي تصيبنا، نتعلّم من الخبرة الحلوة ومن والخبرة السيئة التي نعيشها، من كل خبرات الحياة، نحنا مدعويّن لأن نتعلّم، أي كي ناخذ العِبَرْ، نتعلّم يعني نتقوى.

الانسان مدعو حتى يكبر بكل قطاعات الحياة: بنفسه، بجسده وروحه.

 

* كان يسوع ينمو بالقامة:

ونحن الآن نمونا بالقامة لن ننمو اكثر.

كان يسوع عم ينمى بالعمر:

ونحنا ايضاً، السنة خلف الباب، والعمر قصير.

وكان يسوع ينمو بالنعمة والحكمة عند الله والناس.

هاتان النقطتان بيت القصيد لليلة.

ينمو بالنعمة: أي بانفتاحه على علاقته بأبيه، بانفتاحه على علاقته بالسما.

النِعم كانت مغلفته. ومار بولس قال في كورنتس الثانية: "كان كله نَعَمْ". وأنا بقدر ما أنفتح على السما، بقدر ما أنفتح على الربّ، سانمو بالنعمة لأن النعمة فيّ، ومسكوبة قي قلبي.

ينمو بالحكمة: كل الموضوع يدور حول الحكمة.

يسوع تعلّم، مثل حبة القمح وحبة الخردل. تعلّم لأنه رأى.

عند الله: منذ بداية اطلالته على الناس، على نهر الآردن، انفتحت السماء وسُمع صوتاً: "أنتَ ابني الحبيب عنه رضيت"، كان الله راضياً على مسيرته.

وعند الناس: انقسم الناس قسمين، منهم مَن فرحَ بما يعمل ومجَدَّ الله. وآخرون استهزؤا به وحاولوا أن يرموه عن أعلى الصخرة. يسوع كان يعلّم وهذه هديته لنا لأنه بتعلّمه، علّمنا كيف نتعلّم، علّمنا كيف نتلقّى خبرات الحياة ونمتصّ منها العبَر، خبراتنا طريق، وسيلة كي نكمّل نموّنا الروحي بالنعمة والحكمة، ليس فقط عند الناس، إنّما عند الله قبل الناس.

اذن يسوع كان ينمو بالنعمة والحكمة عند الله والناس.

نحن ندفع كثيراً من المال كي نعلّم أولادنا في المدارس الجيّدة. وفي هذه العيلة عيلة مار شربل

وخصوصاً القُدامى منا، أعطانا الرب حصة كبيرة، حُصة اسمها التعليم.

وهذا التعليم الذي نتلقاه بغزارة، أسبوع بعد أسبوع، صيفا وشتاءً، هو هدية من السما، ونعمة كبيرة. بينما كثيراً من الناس لا يحصلون بسهولة على كلمة الحياة.

نحن في عيلة مار شربل، التي أغدق الربّ عليها النعَم، "نعمة فوق نعمة" يقول مار يوحنا، سنة بعد سنة (ونحن اليوم في السنة الحادية عشر): ماذا نعمل بهذه النعمة؟

هل يا تُرى نكدّس محاضرات، أحاديث وعظات؟

هل نسمعها، نفرح بها ونتغنى بها فقط؟

أم هناك شيءٌ آخر؟ من المفروض أن تحفر فينا هذه الكملة كالبئر. فماذا تعمل فينا إذاً.

هل تحفر فيّ الجلد والعضم، وتخلُق مني إنسانا جديدا؟ هل تنمّي نفسي وعقلي؟

وعقلي هو ليس الذي يدرس الكيمياء والرياضيات، إنما عقلي "فهمي" الروحي. هل تنمي لي إيماني وتكبرني بالايمان والرجاء أمام مصائب الحياة ومشاكلها الكثيرة؟

هل هذه الكلمة التي اسمعها تغذي لي رجائي؟ أم ابقى على تفكير البشر الذين ليس لهم الإيمان؟

وهذه الكلمة التي أسمعها هل تقوّيني بالحب، بحبّ يسوع المسيح، هل تغلب المحبة في حياتي اليوميّة، الزوجيّة، الأخويّة، العمليّة؟

إذاً هذه الكلمة التي اسمعها هي مسؤولية كبيرة جداً. هي هديّة من السما، وهديّة مجانية لن تنقطع عني!

إنما أنا اليوم ماذا أعمل بهذه الكلمة التي اسمعها؟

هل تعمل فيّ كحبة القمح، وحبة الخردل؟ تختبئ في قلبي ويوماً بعد يوم تنمو وتكبر لتصير شجرة؟

نفسي مثل جسدي، ليس متل قامتي، إنّما متل سنيني، متل حياتي، متل عقلي، بحاجة لنموّ روحي، بحاجة لأن تكبُر، هي قادرة على النمو، على ان تستوي، تصير اكثر طراوة، قادرة لأن تُقرب من السماء وتحصل على الخلاص، قادرة لأن تضمّ فيها ابن الله  وتحمل ابن الله.

هل هذا ما يحدث؟

هذا السؤال يطرحه كلّ واحد منّا على نفسه لأنه لا أحد يعرف نفسه إلاّ نفسه، والربّ.

 

والرب يسألني: ماذا تعمل بكلمتي التي تصلك؟

- هل تصل لهذه الأذن وتخرج من الثانية؟

- هل ينمو الإنسان الباطنيّ فيَّ؟

كما يقول مار بولس: إني أجثو على ركبتيّ للآب كي ينمو فيكم الانسان الباطني!

- لماذا تصعدوا كل جمعة الى عنايا؟

سؤال مهمّ نطرحه الليلة! فكروا!

- لماذا أتيت الليلة إلى هنا؟ الجواب عندك!

ماذا ستعمل بالذي تسمعه؟ أين يتحولّ؟ وكيف توظّفه؟

هذه أسئلة حياتية؟ ليست بحاجة للاهوت ولا معلومات ولا فكر، بحاجة فقط إلى صدق مع الذات.

هذا الذي اسمعه مجاني، ونفسي بحاجة لأن تكبر، بحاجة لأن تنمو متل كل شيء فيّ.

إنما الله أرسل لنا يسوع، كي يعلّمنا كيف نصير آلهة.

عندما قال سأعمل منكم أبناء الله، زرع فينا ألوهيته.

ولما قال لنا: سأكون أبيكم وأنتم أولادي، أرسل صورته كي يقرّب منا ونتعرف إليه بابنه، نتعلّم أن نحبّ مثله، أن نصلّي مثله، أن نفكر مثله. كلمنا، خاطبنا، دخل معنا بعلاقة. وأكثر من هذا اعطانا روحه القدوس. وقال لنا أن روحه يوماً بعد يوم، كل صباح وكل مساء، وفي كل دقيقة قادر أن يفسّر لنا الكتب، قادر أن يكلّمنا، أن يخاطبنا، أن يفهّمنا، قادر أن يفتح عقلنا، أن يسمح لنا بأن نرى الله في حياتنا. يسمح لنا ان نفهم كلمته، يسمح لنا أن نذهب إليه كما هو يأتي إلينا.

هدية الله لالنا هي: ابنه وروحه القدوس والاثنين يعلمونا. في إنجيل يوحنا يقول: "عندما اذهب سأرسل لكم البارقليط وهو لما سيعلمكم ويذكركم بكل شي قلته لكم".

اليوم، هذا الروح القدس، أين هو؟

ان الروح القدس لا يُحبَس كعصفور في القفص! هو حرّ، ويحب أن نفتح له قلبنا ليدخل إليه. الروح القدس يخاطبني، شرط ان أفتح له الأبواب، أفتح له المجالات والطرقات وأنزع كل العوائق من دربه التي تعيق مسيرته وأقول له: تفضل، أنت السيد وأنت الملك.

الروح القدس اليوم، قادر أن يفهمني يسوع، وقادر أن يقرّبني من يسوع وقادر أن يجعل من هذه الكلمة روح وحياة وليس كلام حرفيّ.

وهو ايضاً يعلمني ويفهّمني انّ عندي القدرة بأن أفتح له يديّ، وعينيّ وأذنيّ.

مسؤوليتي اليوم اذاً ليست بكمية النِعَم، لأن نعم الربّ لا تُحصى.

إنما السؤال، ماذا افعل في هذه النعم؟ كل السؤال هنا.

مسؤوليتي بمواجهة نِعَمْ الله، بمواجهة كلمة الله! ماذا أعمل بها؟ هل أنا متل تلاميذ عمّاوس، عندنا كان يسوع يفسّر لهم الكتب كان يتفطرّ قلبهم؟

ونحن الذين عندما كثيراً من النعم عندنا ايضاً مشكلة أن نقع بالتخمة، أي عندما نسمع الكبير نبلّط ولا  تعود الكلمة تخترقنا وتعمل مفعولها.

المهم أن نعي هذا ولا نكون أشخاص متخمين. مشكلة ثانية ممكن أن تعترضنا هي العادة. تعودنا أن نسمع... ونقول: نعرف. نعرف هذا الموضوع أخذناه سابقاً... صحيح أن كلمة الله ذاتها، لكن دائماً جديدة. اذاً إذا كانت لدى القدرة لأسمعها بطريقة جديدة، فأنا اسمعها بقوة الروح القدس.

كلمة الله عندها قدرة أن تجددني وتكون جديدة ولو كانت ذاتها.

فلأعمل جهد كي لا أتعوّد. لأن العادة موت والروتين في الحياة الروحية موت.

مشكلة أخرى ممكن أن نأنتعترضنا وهي الكبرياء:

نحن الذين نسمع كثيراً، نشعر بأننا أفضل من غيرنا في الحياة الروحية. فننظر الى الآخرين بطريقة ترفع، أي انظروا اين هم واين نحن.

القضية ليست قضية معلومات أو معرفة، القضية هي: هل توّصلت لأعمل شيئاً بهذه المعرفة؟

كم غيرّتني؟ هل صرت أرقّ، ألطّف، هل قماشتي تقترب من قماشة الله؟

 

والاكتفاء: هو أيضاً مشكلة.

هذه المشاكل تعترض الجماعة التي يغدق عليه الرب بالنِعمْ.

من هنا، أطرح سؤال على نفسي:

أنا اليوم كيف أتعاطى وكيف أوظّف هذه الكلمة التي تصلني؟

هل أدرك أنها هدية وكيف أواجه هذه الهدية، هل بمسؤولية كبيرة، بمسؤولية أبناء الله؟

 

خذوا وقت واستعرضوا كل خبراتكم في عيلة مار شربل:

كم سمعتم من الأحاديث؟ وكم حفر فيكم هذا الكلام وترسّخَ وكبُر وصار غيناً فينا؟

هذه مسؤولية كبيرة جداً، على كل واحد منا.

كيف أتعاطى مع نعمة الله؟

بأي قدر أتلقّى هذه النعمة؟ ليس كطفل، إنما كانسان ناضج يقدّر النِعَمْ؟

يسوع بالانجيل بقول كلمة خطيرة: لا ترموا جواهركم أمام الخنازير!

لأنه لا سمح الله، لا سمح الله، تكون جواهر الله تنزل في قلوبنا ونحنا لا نعرفها.

لا سمح الله نكون نحنا من الأشخاص الذين لا يعرفون أن يقدّروا النعمة.

آمين.


التعليم    ||   الصفحة الرئيسيّة