عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

 

عائلة مار شربل-   الأب داود كوكباني

أوّل أربعاء من شهر أيلول 2003

 

الموضوع:     "الله يبحث عن الإنسان".

 

"قد كان لي دمعي خبزاً نهاراً وليلاً إذ قيل لي كلّ يوم أين إلهك".

أردت الإنطلاق من هذه الآية من المزمور لأبدأ حديثي معكم وأطرح هذا السؤال: " في النهاية، من يبحث عن من؟".

بعدما قال الرب لآدم في الفردوس: "من جميع شجر الجنّة تأكل، أمّا من الشجرة التي في وسط الجنّة فلا تأكل منها، لأنّك يوم تأكل منها تموت موتاً"، وبعد سقوط الإنسان الأوّل، كانت أوّل كلمة سمعها آدم من الرب: "أين أنت؟". كان الربّ أوّل من طرح هذا السؤال على الإنسان. كما لو أن الله لا يستطيع قبول ضياع الإنسان، فيسأل: "أين أنت؟". وهذا السؤال يتكرّر في الإنجيل المقدّس من خلال قصّة الدرهم المفقود، الخروف الضال، الإبن الشاطر... .

"أين هو الإنسان؟" سؤال موجود في قلب الله. أين هو الإنسان الذي خلقه الله على صورته ومثاله؟ وأين أصبح؟. ويأتي جواب الإنسان غريباً إذ يقول: "سمعت صوت خطواتك في الجنّة فاختبأت لأنّي عريان". أي أن مجرّد إحساسي بحضورك جعلني أختفي وأخاف من المواجهة، فأبتعد وأختبىء.

أتوقّف هنا وأنتقل إلى مريم عندما قالت ليسوع: "لما فعلت بنا هذا، ها أنا وأبوك نبحث عنك مضنكين؟"، "لماذا تبحثان عنّي، ألا تعلمان انّه عليّ ان أكون في ما هو لأبي؟" أجابها يسوع.

 التفتيش المعاكس هو أن نبحث نحن بدورنا عن الله كما يبحث هو عنّا. يظهر هذا التفتيش المعاكس بوضوح في الإنجيل المقدّس. ففي قصّة الأعمى منذ مولده، وبعد أن شفاه يسوع وأخبر هو الجميع بذلك، سألوه عندها: "أين ذاك؟" أجابهم: "لا أدري". وبدأت حينها حملة تفتيش عن يسوع بسبب الأعمى الذي سبق وكان هو بدوره أيضاً يبحث عنه في العمق، ولكنه لن يجد يسوع لأنّ يسوع هو من سيجده ويقول له: "أتؤمن بابن الإنسان؟"، "من هو يا ربّ؟" يسأل الأعمى، "لقد رأيته هو الذي يخاطبك" يجيب يسوع.

أتوقّف مرّة أخرى هنا وأنتقل إلى محطّة ثالثة هي: أنْتَ وأنْتِ. هل تشعران بأن الله أضاعكما ويبحث عنكما؟ هل تختبأن؟ هل تخشيان مواجهته؟ هل تزعجكما بعض الأمور فيكما ولا ترغبان بأن يراها الربّ؟ أين تختبآن؟ وراء أيّة شجرة، أشجرة أعمال الخير، أشجرة الصلاة، أشجرة القداسة، أشجرة تتميم الواجبات؟

وراء أية أشجار نحن نختبىء؟؟؟

فليحاول كلّ منّا الإجابة على هذا السؤال.

باختبائي وراء الشجرة – أياً تكن تلك الشجرة - أكون قد ارتكبت أمراً بالغ الخطورة إذ أني سرت بعكس الله الخالق وقمت بفعل إلغاء، أي أنّي رغبت بإلغاء الله عن طريقي أو إلغاء ذاتي عن طريق الله. بالتخفّي وراء الأشجار، لم نذكر أشجار الحسد والضغينة والحقد والزنى والخيانة، أنّما أشجار الصلاة والقداسة التي طالما نختبىء وراءها. عندما أطلب من الله مثلاً أن يجعلني أربح ورقة اليانصيب أكون بذلك أقول له أنا إنسان فاشل لا أريد القيام بالأعمال المطلوبة منّي لذلك أوكلك أنت القيام بها، وذلك لتحسين أموري، لا فرق عندي أن أكون نكرة، لذا تدبّر أنت أموري. بقولك هذا، أنت في موضع الإنسان المصلّي وفي الوقت نفسه في موقع الإنسان الذي يلغي ذاته، وتكون بذلك قد اختبأت وراء شجرة الصلاة. ويأتي جواب الله لك أنا خلقتك يا بُنَي، أي جعلتك كائناً يشاركني بعمل الخلق، ولا يلغي ذاته لأحلّ أنا مكانه. ومن هنا يأتي ابتعادنا عن الله عند عدم تحقيقه لطلباتنا. من المهم جداً الاّ تلغي ذاتك، قِفْ أمام الله وتكلّم بجرأة عن فشلك تجاه الأمور ولكن لا تلغي ذاتك، لا تَخُضْ لعبة الإنتحار الروحي، وهنا تجربة الشيطان الكبيرة، إذ يحثّك على الصلاة من جهّة وعلى إلغاء ذاتك من جهّة أخرى، بما أنه بصلاتك يتكفّل الله بالأمور وأنت تلغي ذاتك. ويأتي صوت يسوع قائلاً لك: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه وليحمل صليبه كلّ يوم وليتبعني". وإذا كان لابدّ من الموت، فليكن موتكّ طريقاً للقيامة وليس طريقاً لإلغاء الذات. في إلغاء ذاتنا خطورة بالغة إذ أننّا نقول لله: لقد فشلت بمشروع الخلق الذي قمت به. أما صليب يسوع المسيح فقد أتى ليبرهن لنا تماماً العكس: لقد اجتمعت البشريّة جمعاء لكي تلغيني ولكنّي لا أُلغِيت ولا أَلغَيْتها. ومن هنا الفكرة التي أريد التركيز عليها ألا وهي لعبة الإلغاء: إلغاء الذات، إلغاء الآخر، وإلغاء الله.

لقد رأينا كيف يمكن للإنسان أن يلغي ذاته. سنرى الآن كيف يتمّ إلغاء الله.
أقوم بإلغاء الله عندما أتصرّف تماماً العكس. لقد فشل آدم بإلغاء الله لذا قرّر إلغاء ذاته. أراد في البداية إلغاء الله: "تصيران كآلهة عارفين الخير والشر". وعندما أكل من الشجرة المحرّمة اكتشف عريه وضعفه أمام الله فقرّر إلغاء ذاته. ولكن جلّ ما أراده في البداية هو وضع الله جانباً وتدبير الامور بنفسه. يمكنني أن أعترف بوجود الله ولكن مع ذلك أضعه جانباً وألغيه كأنّه غير موجود. هذا ما حصل تماماً مع الأعمى
، إذ أنّ الفريسيين أخذوا يبحثون في أمر شفائه إذ كان هذا الشفاء من الله أو من الشرير وابتدأت عندها عمليّة إلغاء الله إلى أن وصلت إلى حدّها الأقصى وانتهى بهم الامر بطرد الأعمى خارجاً: "أنت كلّك مولود في الخطيئة وتريد أن تعلّمنا. وطردوه خارجاً". أحياناً كثيرة بتاريخ الإنسان، لا يماشي الإنسان الله. مريم المجدليّة حاولت أن تمسك يسوع أي أن تعيده إلى ما كان عليه قبل الصلب، فرق أساسي بين لمسة توما ولمسة مريم المجدليّة. بلمسته، توما يحاول الحصول على علامة، أما مريم المجدليّة بلمستها له لا تريد قبوله بما أصبح عليه إنّما تريده كما اعتادته قبل الصلب.

أطرح السؤال التالي: "لماذا لم يعترف اليهود بيسوع على أنّه المسيح؟".

يجيبنا الرسول بولس جواباً رائعاً على هذا السؤال إذ يقول: "ما لم تره عين ما لم تسمع به أذن ما لم يخطر على قلب بشر ما أعدّه الله للّذين يحبّونه". إخوتنا أولاد ابراهيم بحسب الجسد والذين لم يقدروا أن يصبحوا أولاد ابراهيم بحسب الإيمان، لم يؤمنوا بأن ما أعدّه الله للّذين يحبّونه لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر، فهموا بحسب العهد القديم أن المسيح آتٍ ليخلّصهم من المستعمر الأجنبي. كوّنوا هذه الصورة عن المسيح المخلّص المنتظر، أمّا هو فقد أتى بطريقة لم يحلموا بها أتى بطريقة إله يبذل نفسه لأنّه يحبّ الإنسانيّة. وهذا غير مطابق لحلمهم. لم يعودوا قادرين على رؤية روعة ما حقّقه يسوع لأنّهم حجّموا الله على قدر أحلامهم. لذلك عليك أنت التحرّر من احلامك عندما تريد بناء علاقة مع الله، مهما يكن حلمك رائعاً فالله يقدّم دائماً ما هو أروع، ولكن تركيزك على حلمك وروعته يمنعك من رؤية أي روعة أخرى. ممنوع على أحلامك ورغباتك وانتظاراتك أن تلغي الله. عليك الوصول إلى تلك الحالة التي تستطيع القول فيها: "أرغب لنفسي ما ترغبه لي وأحبّ لنفسي ما تحبّه لي، أنتظر لنفسي ما ستعطيني"، وعندها تستطيع أن تصلّي بكل حريّة وترنّم الترنيمة القائلة: "كل ما يصيبني هديّة منك يا الله". هذا الأمر يزرع في داخلك حرّية غريبة، تحرّرك من نزواتك ورغباتك وأحلامك التي تظنّها غير محدودة.

هناك سؤال يطرح دائماً: "ماذا يوجد في السماء؟".

لا تحاول أبداً أن تتصوّر ماذا يوجد في السماء، لأنّ أملك سوف يخيب. مطلوب منك فقط أن تصل وما إن تصل حتّى ترى الدهشة والفرح... . كما أنّه لا يجب أن تقول يوجد في السماء حب قد بدأت أختبره بحياتي هنا، ممكن أن تكون قد اختبرت الحبّ على هذه الأرض ولكن الحبّ في السماء لم تختبره بعد. هذا هو الرجاء المسيحيّ بعمقه، إذ أنّه يكمن في ما لم تره عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على قلب بشر. أعطي مثلاً: عندما تتناول القربانة أنت تتناول يسوع ولكن لا تستطيع أن تتصوّر هذا أو أن تحلّله. ومن هنا أهمّية ما تقول القديسة تريزيا بأن نعيش اللحظة الحاضرة، "أملك اليوم فقط لأحبّك فيه". إذا قمت بصنع ملكوت أو إله بحسب تصورك تكون بنفس الفعل ألغيت الإله الحقيقي وبالتالي لن تعترف بالإله الذي سوف تلتقي به، وبالنهاية شئت أم أبيت سوف تلتقي به. 

كلّ تعريف عن الثالوث، عن يسوع، عن الملكوت، عن الجماعة المؤمنة والكنيسة، يفتح أمامك آفاقاً دائماً أبعد بكثير مما تستطيع تصوّره، وكلّ ما تستطيع تصوّره يبقى إختباراً شخصياً تستطيع المشاركة به ولكن لا يعبّر عن حالة مطلقة.

لذلك عند قيامك للصلاة، ليس المهم فقط أن تطلب من الله ما تريد أو أن تسأله ما يريده منك، بل المهم هو أن تقول له أعطني أن أعيش أي اعطني الروح أي اعطني أن أعمل أعمال الإبن وأناديك أباّ وأن أعمل في حقلك. على صلاتي ألاّ تكون كقول الإبن الشاطر: "أعطني حصّتي". أتصوّره في البداية وهو لا يزال في بيت أبيه يملّ من العمل اليومي في الحقل وبعد تركه البيت والعودة ثانيةً أتصوره يفرح ويطّرب لصوت العصافير ولرؤيته الشجر المثمر والمياه العذبة، تغيّرت نظرته لحقله وتغيّرت صورته في ذهنه. إذ أنّه في وقت ما، كوّن لنفسه صورة عن والده وعاد والده وكشف بذاته له صورته الحقيقيّة فاصطلحت الأمور.

حرّرنا يا رب في كلّ يوم من صورنا المحجّمة عنك، حتّى يصل اليوم الذي نقول لك به نحن نجهل كلّ شيء، أرنا أنت ذاتك فيكون فرحنا كبيراً.             آمين.

-------------------------------   

أسئلة:

س: حول الإعتراف العلني.

ج: هناك فرق كبير بين كتمان السرّ وخوف المواجهة. المطلوب عند ارتكاب الخطيئة، الوقوف أمام الله بجرأة، أمام الله الذي أشعر بحضوره وليس الله الفكرة. أعترف أمامه بخطيئتي وهو ينهضني من جديد. يوجد تصوّر خاطىء عن الكنيسة في القرون الأولى، فبعض الخطايا كالقتل والزنى والجحود والسرقة تشمل فعل توبة طويل، ومرتكبها الذي أصبح معروفاً في مجتمعه كمرتكب هذا الإثم يقوم هو بنفسه بإعتراف علني. ولكن الكنيسة لم تفرض في يوم من الايّام هذا الإعتراف العلني لأنّه يوجد احترام لخصوصيّة الإنسان.

في الكتاب المقدّس في عهده الجديد لم يأتِ يسوع على ذكر الندم على الخطيئة إنّما يدعو إلى التوبة. والفرق بين الندم والتوبة هو أن الندم يأتي نتيجة الخسارة، أمّا التوبة فهي تبدّل بفعل الحبّ. التوبة هي أن أثق أن علاقتي بيسوع المسيح هي أقوى من الخطيئة والحياة هي أقوى من الموت. الشعور القاتل بالذنب هو امر مرفوض. هناك فعل ندامة قديم رائع الكلمات: "أخطأت إليك يا أبانا ردّني إليك لأنّك صالح ورحيم، أعطني قلباً جديداً واجعلني أثبت في محبتك بواسطة مخلصنا يسوع المسيح آمين". الندامة وحدها لا تكفي. هي جيّدة إذا كانت نتيجة ولكن لا ينبغي أن تصبح الهدف.

 

س: كم هو مطلوب العمل على الذات وما هي المحطّات التي يمرّ بها الإنسان؟

ج: العمل على الذات يمتدّ مدى الحياة عند المسيحي الحقيقي. أمّا بالنسبة للمحطّات فلا يجب علينا التمسّك بأي إختبار نمّر به واعتباره النهائي، لأنّه بمجرّد اعتبار اختبارك نهائي تكون جعلت من نفسك إلهاً. عليك طرح علامات استفهام حول أي اختبار انطلاقاً مما سيليه من اختبارات. هذا لا يعني أن الإختبارات السابقة ليست نافعة إنّما هي خطوة على الطريق. المهم في النهاية ان يبقى فكرك منفتحاً على فكر الله وأن تثق أنّه بالرغم من كلّ هذه الإختبارات لم تصل إلى ما لم تبصره عين لم تسمعه أذن ولم يخطر على قلب بشر.

 

س: سؤال حول الإلحاد والتفتيش عن الله؟

ج: ليست المشكلة عند الملحدين إنّما عند من يعتبرون أنفسهم مؤمنين. كل منّا يملك في داخله ملحداً قد يظهر أمام مختلف ظروف الحياة كالموت مثلاً أو اي صعوبة في الحياة. قد نقول أحياناً أنه يوجد مؤمنين غير ممارسين ولكن الأهم انّه يوجد ممارسين غير مؤمنين يعتبرون الصلاة ضرباً من السحر. يوجد من هم ملحدين نظرياً إنّما الأخطر أنه يوجد من هم عملياّ ملحدين. والملحد نظرياً في حالات كثيرة يأتي إلحاده نتيجة للإلحاد العملي الموجود بين المؤمنين الذين لا يتصرفون كأناس مخلّصين.

 

س: كيف التوفيق بين ما يصيبنا من مشاكل وعبارة: "كل ما يصيبني هديّة منك يا الله"؟.

ج: لا يمكن أن تكون ابداً هديّة الله لنا شراً. وفي داخل المصائب التي نتعرّض لها هنالك ما هو حسن يقدّمه الله لنا. يقول الكتاب المقدّس: "أي أب منكم إذا سأله ابنه رغيفاً أعطاه حجراً أو سأله سمكة أعطاه حيّة... فإذا كنتم أنتم الاشرار تعرفون ان تعطوا أولادكم العطايا الصالحة فكم بالحري أباكم الذي في السماء بان يعطي الروح القدس للذين يسألونه". هذا الروح يجعلني ابن الله مهما كانت حالتي. وأنا كابن الله يمكنني أن أطلب منه: أبت ابعد عنّي هذه الكأس. ليس خطأً ان أرفض المرض، على العكس إن طلب الألم هو الخطأ. فالصليب هو أن تواجه واقعك كما واجه المسيح واقعه. نحن بشر نتألّم والمسيح لم يأتِ لإلغاء المشاعر الإنسانيّة. فالخوف من المرض والألم طبيعي عند الإنسان. الخيانة الزوجيّة مثلاً تسبب الألم. والمغفرة لا تنفي الألم من الخيانة. أغفر لشريكي ولكن يبقى الألم موجود. هنالك واقعيّة في الحياة المسيحيّة. إذا كان هنالك فشلاً في حياة زوجيّة ما هذا لا يعني أنه لا يوجد غفران. وهنا يقف الإنسان أمام الله ويقول هذه حدودي، هذه بطولة.

الخوض في لعبة إدانة الغير خطرة جداً... .


التعليم   |||   الصفحة الرئيسيّة