عنايا – الجمعة 14 شباط 2003
عظة سيادة المطران بشارة الراعي

باسم الآب والابن الروح القدس الاله الواحد آمين.
"أنا بينكم كالخادم"... الرب يسوع في إنجيل اليوم يكشف عن هويته وهوية كل واحد منا وهوية الكنيسة فاعلن نفسه خادماً، خادم الآب للخلاص وطبع الكنيسة بابنائها ومؤسساتها بروح الخدمة، والسيدة العذراء يوم البشارة اعلنت بدورها موقفها "انا أمة للرب" "انا خادمة للرب" وانطلقت في الكنيسة مبادرات من افراد وجماعات مكرسين ومكرسات في الحياة الرهبانية وفي الكهنوت وتلألأوا بروح الخدمة.
نذكر منهم بشكل خاص شفيعي المكان الذي يجمعنا مار مارون رأس الكنيسة المارونية ومار شربل وغيرهم من القديسين الذي تميزوا بروح الخدمة في حياتهم وما زالوا مميزين بالخدمة لكل الناس مدى الدهر خدام الله للخلاص، الخلاص الروحي والانساني والثقافي والاجتماعي والوطني، والليلة يذكرنا الرب بهذه الهويّة كي يقول كل واحد منا بدوره في المكان الموجود فيه في الأسرة أو في المجتمع أو الجماعة التي يعيش فيها ومن خلال الوظيفة كبيرة أو صغيرة "انا بينكم كالخادم". ويسعدننا ان نلتقي ككل مرة ثاني جمعة من الشهر وقد أصبح هذا تقليد عزيز علينا نقدم فيه الذبيحة مستشفعين مار شربل ونلتقي حول ضريحه من أجل الكنيسة في لبنان ومن أجل قداسة البابا. دائماً نتذكر أنّ هذا اللقاء الشهري يذكرنا بالزيارة الرعويّة التي قام فيها إلى لبنان ووقّع في حريصا أمام الشبيبة الإرشاد الرسولي وعنوانه رجاء جديد للبنان، نقدم الذبيحة كي يتمم الربّ نوايا الأب الاقدس في رعاية الكنيسة وخدمتها وهو لقبه خادم خدام الله وكي يتمم الربّ أمنياته بشأن لبنان وأمنياته بشان الشرق الأوسط وأنتم تعلمون انه أوفد الكاردينال تشيغاراي إلى العراق من اجل المساهمة بالحدّ من التهديد بالحرب، نحن نصلّي معه الليلة كي يبعد الربّ عن العراق وعن الشرق الاوسط وعن لبنان والاراضي المقدسة شبح الحرب وكلّ ما تخلّف من دمار وأضرار في البشر وفي الممتلكات والإمكانيات كما وانه نقدم الذبيحة من اجل كنيستنا في لبنان، الكنيسة عامة والكنيسة المارونية خاصّة ونحن على بعد أسبوع من احتفالنا بعيد مار مارون رأس كنيستنا.
الذبيحة التي نرفعها اليوم نقدمها بشفاعة مار شربل، فالرهبنة والكنيسة يتذكرون الليلة دخوله إلى المحبسة في 15 شباط 1875 لينصرف كلياً لتكريسه لله ومحبته لله حاملاً في قلبه كل الكنيسة وكل لبنان، والله يعلم ما كان يحمل في قلبه عندما إنصرف إلى النسك والصلاة والانقطاع عن العالم.
انقطاع حسّي عن العالم ولكن دخول عميق في حاجات العالم ومن محبسة مار بطرس وبولس من على هذه التلة كان يطلّ على كلّ الدنيا بصلاته. كلنا نمر وتنطوي صفحاتنا وينسى ذكرنا لكن مار شربل مستمر لكلّ إنسان تحت كلّ سماء في كلّ جيل، خادم الخلاص، كل واحد منّا يعلم عندما يأتي إلى هذا المكان ويرفع قلبه الى مار شربل يكون حامل كل همومه الروحية والإنسانية والعائلية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والوطنية، ولا أحد منّا عنده شكّ أن مار شربل خادم لهذا الخلاص، نحن نستشفعه الليلة ونصلي لكي تستمر هذه الشعلة في رهبانيتنا والرهبانية المارونية اللبنانية التي احتضنته وعاش فيها على دروب القداسة والتي اعطت نعمة الله الحرديني ورفقا ونتحضر لدعوى تطويب الاخ اسطفان نعمة وما زالت الرهبنة محافظة على الحياة النسكية مع الحبيسين أنطونيوس شينا ويوحنا خوند، نحن نصلّي كي تستمر هذه الشعلة في كنيستنا وفي الرهبانية كي يظل فينا الرجاء وروح الخدمة. نضع كل هذه النوايا اليوم مع الخبز والخمر ومع السلة ونحملها الى المذبح.
نحن معتادين بلقائنا الشهري أن نأخذ فقرة من الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان" واليوم سنتأمل بالفقرة التي يدعو فيها البابا كنيسة لبنان وهي كنيسة انطاكية سريانية، التي تراثها وتاريخها المجيد والطويل اصبح عمره 1600 سنة، مثلما دعا غيرها من الكنائس البطريركية، دعاها كي تعود إلى جذورها، كي تعود وتدرك هويتها وتراثها الروحي، الاجتماعي، الثقافي والوطني العميق، لأنّ العودة إلى الماضي هي العودة إلى الأساس.
ثانياً، يدعوها كي تنظر إلى الحاضر بضوء التراث وبضوء الهويّة. كيف نعيش اليوم حياتنا بالنسبة إلى هويتنا، نقيّمها ايجاباً وسلباً وننظر إلى خدمتنا اليوم أي خدمة نحن ككنيسة بأبنائها ومؤسساتها تقوم فيها كذلك لها ايجابياتها ونواقصها ولها ثغراتها. هذه نظرة إلى الحاضر كالذي ينظر إلى المرآة كلّ يوم كي يرى ذاته ويترتّب، نحن بحاجة إلى أن ننظر إلى حالنا اليوم.
وثالثاً: انطلاقاً من هويتنا وتراثنا وتقييمنا للحاضر نرسم المستقبل، رسالتنا للمستقبل أمام الحاجات المطروحة، هذه الفقرة في الإرشاد التي يتحدث فيها البابا، الفقرة 8، يدعو فيها الكنائس كي تلتئم بمجامع أو بغير مجامع لأجل هذه الأهداف وصاحب الغبطة أبينا السيد البطريرك مع سينودس الأساقفة أعلن التئام المجمع البطريركي الماروني في حزيران المقبل تلبية لهذه الدعوة في الإرشاد الرسولي وهذه الرسالة ستصل للكثيرين منكم، ففي حياتنا في الابرشية سنرسم خطة كي نشارك كلنا في هذه المسيرة المجمعية، هذه المسيرة قائمة على المحاور الثلاث:
عودة الى الجذور الماضية
تقييم الحاضر
استشراف المستقبل
وتهيّأت من الثمانينات إنما اليوم صاحب الغبطة، يوم عيد مار مارون أعلن إنعقاده بالدورة الأولى في حزيران المقبل تهيأ بخمس ملفات:
الملف الاول عنوانه: هوية الكنيسة المارونية ودعوتها ورسالتها أي نحن مدعوين كي نعرف بوضوح من نحن؟ لاهوتياً وتاريخياً، كي نغذّي إيماننا من هذه المعرفة وكي نغذي إنتمائنا لكنيستنا ونعضد مسيرتنا بمواجهة تحدّيات اليوم.
ثم هذا الملف هو دعوة كي نعيش الشركة مع الكنائس الأخرى الحاملة تراثها الإنطاكي سواء الكنائس الأخرى والأديان ونحافظ على القيم المشتركة بيننا لخدمة الإنسان وتطويره وكرامته وحقوقه.
الملف الثاني عنوانه: التجدّد الرعويّ في الكنيسة المارونية أي نحن مدعوين كي ندرك ما معنى أن كنيستنا بطريركيّة وما يستدعي منّا هذا المفهوم من علاقات داخل كنيستنا البطريكية وحول شخص البطريرك وهو علامة وحدتنا وتضامننا ورأس جسمنا كي نستطيع أن نعمل سوية ونفكر سوية ككنيسة. وهذا الملف يقتضي منّا تحمّل مسؤولية الثقافة الدينية لأن معظم شعبنا أصبح يجهل إنجيله وتعليم الكنيسة وهذا هو سبب التفتّت الذي يضرب مجتمعنا والإنحرافات، وهذه مسؤولية مشتركة أن تصل المسؤولية الدينيّة لكلّ شعبنا كي يستطيع أن يجابه بإيمانه وحضارة تعليمه الصعوبات ويقوم بدوره كخميرة في العجين ونور في العالم، مثلما دعانا السيد المسيح أن نكون كمسيحييّن، ولكن لا أستطيع أن أكون كخميرة وعجين وأنا أجهل الإنجيل وتعليم الكنيسة، وهذا يقتضي عناية خاصة بالشبيبة، كتأمين تثقيف شبيبتنا، ومساعدتها على استشراف مستقبلها لأن لا ضمانة للكنيسة والمجتمع والوطن إذا خسرنا شبابنا.
الملف الثالث في المجمع البطريركي هو الكنيسة المارونية في عالم اليوم نحن مدعويّن أن نعلم أمام كل ما نعيش من تجاذبات ومصاعب ما هو دور كنيستنا في الشأن الوطني العام والجواب مرسوم فعلاً في الإرشاد الرسولي "رجاء جديد للبنان". خمس سنوات عملنا سوية قبل إنعقاده في روما، وقداسة البابا استخلص مسيرة الخمس سنوات وأصدر الإرشاد الرسولي وتحدث تماماً عن دور كنيستنا بالشأن الوطني، ثم في الحياة الوطنيّة. يدعونا هذا الملف كي نستثمر الطاقات الموجودة عندنا، طاقاتنا الشخصيّة وطاقاتنا الكنسيّة، الماديّة والروحيّة، لخير شعبنا كي نساعده على حلّ مشاكله، خاصة المشاكل الإجتماعية والإقتصادية ودعوة إلى الجميع من خلال هذا الملف أن نحافظ على وجودنا في لبنان بتوفير فرص العمل ومواجهة البطالة والهجرة.
الملف الرابع عنوانه قوانين الكنيسة المارونية وأنظمتها: لا نستطيع أن نعيش دون قانون أو نظام نحن كنيسة أي مجتمع منظم له قوانينه وقواعده. والقوانين كي تقود مسيرتنا على دروبنا إلى الله، على درب القداسة، القانون سياج، طريق يؤدّي بي إلى الله، إلى الإنسان ولكن ليس القانون الحرف، وبدون قانون أنا في فوضى، اعيش كما يحلو لي، ومن الؤكّد لا اصل إلى الغاية التي أريدها. ومن جهة ثانية اذ تفرّد كلّ واحد في آرائه وعمل لوحده، لا تستطيع كنيستنا ورعايانا وأبرشياتنا أن تتقدّم، فهناك مجالس ولجان وهيئات تقتضي أن نضع كلّنا مواهب الروح كي نمشي ككنيسة.
نحن ايضاً بحاجة أن تكون قوانيننا وأنظمتنا واضحة ونكون ملتزمين فيها. قداسة مار شربل وقداسة نعمة الله الحرديني وقداسة رفقا مرتبطة إلى حدّ بعيد بالقانون والنظام. هذا هو الخطّ الذي سلكوه إلى الله.
الملف الخامس: الكنيسة الماروينة في انتشارها العالمي: الرسالة بعالم الانتشار، اكثرية شعبنا في لبنان صار خارجاً. نحن بحاجة لرسل، بحاجة لمواكبة ولتنظيم كي نحمي هويتهم في المكان الموجودين فيه من أجل حفظ تراثهم وانتمائهم إلى كنيستهم الأم، هم ما زالوا أغصان منتشرة من شجرة واحدة مغروسة هنا في لبنان وشاءت العناية أن تنغرس الكنيسة المارونية في تربة لبنان هذه الكنيسة الأم. والانتشار مثل الأغصان لا تستطيع أن تعطي ثمار من دون االشجرة الأم. كنيسة الانتشار تحت كلّ سماء بحاجة ليس فقط إلى صلاتنا ولكن إلى رسالتنا إليها بكهنة ورهبان وراهبات وعلمانييّن. وهذا يقتضي أيضاً ان نعلم كيف نوظّف الطاقات التي يحملها أبناء وطننا في العالم كنسيّاً ووطنيّاً في وطن الأم وفي الأوطان التي أستضافتهم.
أخوتي وأخواتي، مشروع كبير تواجهه الكنيسة اليوم الذي هو المجمع البطريركي الماروني ويقول صاحب الغبطة برسالته أن هذا مسؤولية مشتركة لكلّ أبناء الكنيسة.
نحن بالاتكال على مار مارون ومار شربل والطوباوي نعمة الله والقديسة رفقا وكل شفاعائنا،
نبدأ مسيرتنا المجمعية ونأمل ان نتعاون معكم من خلال الخطة التي نضعها سوية كي نعرف أن نكون ما يدعونا إليه الربّ اليوم أن نكون في الكنيسة وفي المجتمع وفي العالم خدام خلاص "انا بينكم كالخادم".
آمين.