الجمعة 12 نيسان 2002
عيلة مار شربل – عنايا
سيادة المطران بشارة الراعي
الموضوع: "البعد الوطني لحياتنا"
إنجيل يوحنا الفصل 2 الآية 13- 22
بأسم الآب والإبن والروح القدس الإله الواحد آمين.
"أهدِموا هذا الهيكل وأنا أقيمُه في ثلاثة أيام"...
المسيح قام. تنبّأ الربّ يسوع عن سرّ موته وقيامتِه، ولمّا تمّ الحدث حوّل قرار صلبه إلى وسيلة فداء، فكان الخلاص لكل البشريّة بموت الربّ وقيامته وأعطى قيمة لآلام كلّ إنسان وجعل آلام الأفراد والجماعات والشعوب وسيلة للقيامة ودعا إلى احترام الهيكل، هيكل الجسد البشري وهيكل الجماعة والوطن والكنيسة.
هذا ما جرى في بداية إنجيل يوحنا، يوم دخل الهيكل، هيكل الربّ، ووجد فيه تجارة وأموال وما يرافقها من أعمال منافية للهيكل، الذي هوَ بيت صلاة، وطردَ الباعة وقلبَ الصيارفة وأخذ حبل وضربهم، وقال لهم لا تجعلوا من الهيكل الذي هوَ مكان صلاة، مكان لقاء مع الله بيتاً للّصوص. سألوه ما هي العلامة التي تعطيكَ السلطان لتطردنا وتضربنا… وهوَ تحدّث عن هيكل جسده، عن هيكل حياة كل واحد منّا، هيكل الكنيسة، المجتمع والوطن. وأعلن أنّه لا يجوز لأي إنسان أن ينتهك أي نوع من هذه الهياكل وضمّ كلّ انتهاك لهيكل نفوسنا ومجتمعنا والوطن إلى هيكل جسده، سرّ موته وقيامته.
وهكذا صار الربّ يسوع لنا عنوان الرجاء أن أجسادنا الخاصة والجماعية والوطنية، إذا ما ضربت وانتهكت وصُلبت أنّها تقوم إلى حياة جديدة. هذا التاريخ الجديد الذي بدأه الربّ يسوع منذ 2000 سنة بسرّ موته وقيامته، وصرنا شركاء في سرّ الفصح ونظرتنا إلى صليب حياتنا الخاصة والعامة والوطنية هي نظرة فداء.
نضمّ إلى آلام الفادي كلّ آلامنا، على أنواعها ونعيش برجاء القيامة إلى حياة جديدة بحياتنا الخاصة والعامة الإجتماعية والوطنية.
هذا الموضوع الذي معكم نتأمّل فيه اليوم بضوء الإرشاد الرسولي، ونحصره بالهيكل الوطني.
هيكل الوطن الذي يُضرَب وهوَ مرشّح أن يقوم من خلال التزامنا.
أولاً نقدّم الصلاة والقداس بشفاعة مار شربل كي يفيض علينا الربّ وعلى وطننا ثمار الفداء والقيامة ونعيش بسلام المسيح ورجاء المسيح. هذا دُعائي وأذكّر نحن اليوم الجمعة الثانية من الشهر نقدّم القدّاس على نية الكنيسة في لبنان ونصلّي من أجل قداسة البابا لتحقيق نواياه في قيادة الكنيسة عامة وفي ما قاله في الإرشاد ونصلّي من اجل حفظ حياته في قيادة الكنيسة إلى ميناء الخلاص.
ونحن نجتمع لنتعمّق بفقرة من فقرات الإرشاد الرسولي، اليوم نتعمّق بالبعد الوطني، بضوء إنجيل اليوم بضوء الفصح يملي علينا هذا الموضوع الواقع الذي نعيشه اليوم في الشرق الأوسط، انطلاقاً من الحرب المدمّرة التي نشهدها ويا للأسف في الأرض التي فيها تمّ الخلاص، وما يتبع من أزماتنا اللبنانيّة التي تضعنا أمام مخاوف كثيرة حول المستقبل، ويطلّ الربّ علينا في يوم القيامة ليذكّرنا بسرّ آلامه لنشرك آلامنا فيها ويذكرنا أن الصليب يؤدّي الى القيامة، حتى نتجدد بالرجاء ونلتزم بحياتنا المسيحيّة ولنعرف نضمّ آلامنا لآلامه ونعرف ننتظر تجليات نعمته بقيامتنا وقيامة وطننا. ونحن مؤمنون كلّ الإيمان برجاء وطيد أنّه إذا قلنا المسيح قام حقاّ قام، البشرية كلّها مدعوّة بالمسيح للقيامة. نحن نحتفل بالقيامة بسرّ موت المسيح وقيامته، نحن لسنا امام تاريخ من الماضي وفقط، أن هذا الحدث التاريخي يتحقق بموتنا نحن وقيامتنا نحن. ونحن نعيش فرح موت وآلام الفداء وفرح القيامة، هذا هوَ الرجاء وهذا مضمون ما نتبادله عندما نقول "المسيح قام حقّاً قام".
الإرشاد الرسولي يحدّثنا عن قيامة وطن.
نتأمل فيه اليوم في الفقرات 89 إلى 95 تحت عنوان:
"البعد الوطني لحياتنا"
نذكّر بأن قداسة البابا عندما دعا إلى سينودس من أجل لبنان قال "لما كان لبنان مهدّد بالزوال" أي في الوقت الذي كنّا مهدّدين تماماً بالزوال، يقول "دعوت إلى سينودس إلى الرجاء إلى تجدّد المجتمع بالعودة إلى الجذور الإنجيليّة وإلى إلتزام المسيحيّين بقيمهم الروحيّة والخلقيّة إذ يتجدّدوا من خلالها وإلى الالتزام وإلى إعادة بناء المجمع والكيان السياسي في لبنان. وحديثنا عن هذه المسيرة في القيامة الذي يبدأ في تركيز حيانا على الرجاء الذي هوَ يسوع المسيح، هو بمثابة صخرة نبني عليها حياتنا الخاصة والعامة، والرجاء بالمسيح الفادي الذي مات وقام.
نحن مدعوّين إلى التجدّد بسرّ المسيح بالعودة إلى معموديتنا والانطلاق بالشركة الحياتية ضمن الكنيسة التي نؤدّي فيها الشهادة كمسيحييّن لمطلقيّة الإنجيل، وقيمتنا والنتيجة، أن ننزل بالمعركة على الأرض حتى نحيي مجتمعنا، ونعود ننعش بناء وطننا ببعده السياسي، هذه النقطة نتأمل فيها معاً كي ننعش وطننا بحياته السياسيّة. يذكّرنا قداسة البابا انّ الأساس هو لغة الحوار، وليس لغة المدفع إي لغة الكلام على أساس الاحترام المتبادل بين المواطنين اللبنانييّن والغفران وتغيير الذهنيات وارتداد القلوب إلى الله، قبل الكلام. الحوار هوَ موقف مع الآخر المختلف عنّي، والذي هوَ شريك في بنيان هذا الكيان الوطني، ولا أحد عنده اكثر من الآخر. وكلّنا نبنيه مثل هذه الحجارة في هذا الهيكل، وهذا الحوار هوَ احترام للشخص البشري وحريّة الضمير والحريّة الدينيّة والمعتقد واحترام هذه الحريّة الدينيّة والتعارف المتبادل بقيمنا المسيحيّة الاسلامية، وليس بسلبياتنا، وليس تعارف بالأمور التي تجزّئ لكن بالتي تجمع:
لنبدأ الحوار بالكلمة هو التضامن، روحيّاً، معنويّاً وماديّاً حتى ننطلق بموقف خدمة العدالة والمحبّة والأخوّة ونأخذ مبادرات صداقة وتفاهم، ونعرف أنّنا لا نتحاور بدون موقف، نحن مدعويّن أن نتهيّأ بقلوبنا مثلما الربّ حاورنا بتجسّده وهو الإله المحبّ والرحوم وأتى يحكينا وأخذ موقف وقال عنه الرسول بولس:
أخلى ذاته تفرّغ من ذاته ترك ألوهيته ومجد الألوهيّة، وهذا موقف، وشابه الناس، كلّ الناس وصار مثلهم ولا شيء ميّزه أنّه إله وأخذ موقف الفقير في مغارة بيت لحم، والمهجّر في هربه إلى مصر، والحاجة والحرمان وشابه الناس في كلّ شيء ما عدا الخطيئة. وأخذ صورة عبد، خادم لكل الناس كي يكون قريب لكل الناس، وأطاع إرادة الآب حتى موت الصليب. نعم، لا يبنى وطن إلاّ بموقف داخلي، بالأول، يسميّه قداسة البابا، بذهنية جديدة، موقف داخلي بترك الماضي واختبارات الماضي، والخروج من الذاكرة التي تفرّقنا. نريد أن ندخل بمنطق الإنجيل ونبدأ الحوار، الفقرة 90-92، ويسمّيه حوار الحياة وحوار القيم، والحوار السياسي.
نحن مدعوين أن نقبل بعضنا ونبني ونخيط النسيج الاجتماعي مع بعضنا البعض متغلّبين على كلّ شيء يجعلنا نكون عندنا حذر وكلّ شيء يجعلنا نعيش تعلّق بالماضي، حتى نتلاقى معاً، نحن المختلفين متنوّعين بثقافاتنا بطوائفنا، بتقاليدنا، نحن مدعويّن لنبني حوار الحياة، الذي عاشه معنا يسوع الإله ولا اعتقد أن احداً منّا أهمّ من الربّ الذي أتى يعيش مع كلّ البشر.بهذه القيم نحن مؤتمنين على سرّ المسيح على حضارة يسوع المسيح، نحن رسل يسوع المسيح، نحن لا نطلب من الآخر أن يحمل موفقنا، نحن علينا أن نحمل له شهادة الحضارة التي سلّمها إلينا يسوع المسيح لأنّنا أنا مسيحيّين، وهذه ما زالت تفعل فعلها لأن الفاعل في الناس ليس أنا ولا انت، بل هو عمل يسوع المسيح. هذا هوَ حوار الحياة الذي نسمّيه توطيد النسيج الاجتماعيّ، يقوم على التواصل، اتصال تعارف تعاون من أجل بناء الحياة الاجتماعيّة وبناء هذا الوطن، وهذا ليس سهلاً، هو بحاجة لصبر، احتمال وطول بال، نأخذ مثلاً حياة أي زوجين، فهي ليست مَنّ وسلوى، لكن هم يبنوها كلّ يوم، ويعرفوا كيف يتجاوزوا الصعوبات ويبنوا حياتهم معاً، فهؤلاء الذين التقوا بالحبّ فبثبات وبصلاة وباحترام تُبنى العيلة. كيف ونحن بمجتمع مختلفين فيه جوهريّاً. إذا لا أبني ألا يصبر واتكال على اليد الإلهيّة، بطول بال، فأنا بحاجة لأصبر وبحاجة ليصبر عليَّ الآخر. هذه هي الذهنية الجديدة.
حوار القيم الروحيّة،أو الحوار الديني: نحن ننتمي إلى أديان مختلفة لكن لكلّ دين قيمته الروحية والخلقية والاجتماعية والثقافية، حوارنا ليس حوار لاهوتي حول العقائد، حوارنا بين مؤمنين ولأنّنا قبلنا بالإيمان، هذه الحقيقة، نحن نتحاور بالقيم الروحيّة والخلقيّة، ولا دين على وجه الأرض إلاّ ويعلّم القيم، والأديان كلّها حاملة قيم كبيرة نحن علينا أن نعمل حوار بالقيم. وهي نبني عليها حياتنا الجماعيّة إذ كل واحد يوظّف قيمته ببناء هذا المجتمع.
الحوار السياسي: وهوَ العيش معاً على المستوى السياسي أي حوار المشاركة في الحكم، والإدارة حسب النظام اللبنانيّ الذي هوَ مختلف عن كل الأنظمة العربيّة. ففي كل البلدان العربيّة لا مشاركة لأحد. ولبنان يعطي شهادة مخالفة، هذا اسمه حوار الحياة السياسيّة الذي فيه، يحترم كلّ واحد بانتمائه إلى الوطن ولكن يطلب من المشاركين، أن لا يكونوا من جماعة الذين ضربهم يسوع بالحبل، من جماعة لصوص الهيكل. وهذا يقتضي منّا أن نعرف أن نكون لهذا الهيكل-الوطن كل واحد من موقعه باني الهيكل محترم الهيكل وليس مستغل بأرضه وأنسانه ونظامه. ويمكن أن نعتبر أننا خارج الحلبة، ليس صحيح، كل واحد منّا من موقعه عليه المشاركة بطريقة أو بأخرى في بناء هذا البيت. لهذا أنا أعطي اوظف في سبيله ولا أكون مستفيد ومستغل، وثانياً بالصلاة، ونعرف أن نساعد أجيالنا الجديدة ليصلوا إلى المواقع ويحملوا حضارة الإنجيل ولا يكونوا من لصوص الهيكل.
تكلّمنا قبلاً أن عائلة مار شربل قائمة على ثلاث ركائز: التلمذه للمسيح والإنجيل والشهادة الحياتيّة ومطلقيّة الإنجيل ويسمّونها الجذريّة تحدّثنا أنّه هناك بعدين للإلتزام، البعد الاجتماعي والبعد الوطني الذي فيه نكون ملتزمين لبناء الوطن وهذه دعوة لكل واحد منّا. ولمّا قال قداسة البابا عن حوار سياسي والعيش معاً أي المشاركة بالحكم والادارة الذي يقتضي تربية في البيت والمدرسة على العيش معاً ويقتضي تعارف وقبول التنوّع. يذكرّ قداسة البابا بهذا الإطار أن واجبنا بإعادة بناء الوطن واجب تقضيه عليه معموديتنا، فبحكم المعموديّة نحن ملزمين بالعمل الوطني الواسع. عليّ أن أعيش معموديتي ببعدها الثلاثي. أعيش بعدها البنوي، قيَم الإنجيل، بأي وضعيّة كنت فيها أعيش مبادئ الإنجيل، واعمالي الصالحة هيَ امتداد ليسوع المسيح. هو حارب الشرّ وأنا أحارب الظلم نبني مجتمع على العدالة والصلاح واحترام حقوق الإنسان فلا يقدر المسيحي لعب دور أساسي إلاّ إذا عاش معموديته.
لا تتظر إلى الأمور وكأن الدنيا إلى خراب، ننظر إلى القيامة نعرف أن كلّ آلام يسوع مرشّحة للقيامة، شرط أن نعرف نضمّ آلامنا إلى آلام الفادي.
نتحد، نلتزم ونبني، "أهدموا هذا الهيكل وأنا ابنيه في ثلاثة أيام". نطلبها نعمة بشفاعة مار مارون ومار شربل آمين.