|
عيلة مار شربل – الجمعة 29 كانون الأول 2006 الأب مارون مبارك – مرسل لبناني
الموضوع: "النجدة".
مقدّمة : لقد اتخذت موضوع تأملنا لنهاية هذه السنة وللعبور إلى السنة الجديدة 2007، "النجدة"، وذلكَ نظراً للظروف العاصفة التي تلمّ بنا جميعاً. فالعاصفة الطقسيّة قوِيّة في هذه الأيام، إنها ثلجيّة وفيها الكثير من الصقيع، والظروف الضيّقة التي نحن فيها لا تسمح لنا بتأمين كل ما يساعدنا على مواجهتها لذلك نطلب النجدة. كذلك العاصفة السياسيّة والأمنيّة مع الجانب الإقتصادي المهتزّ تضرب بنا منذ شهور وهي متمسّكة بكل ما يرهق الإنسان اللبنانيّ، ولقد بات كلّ الفرقاء متعبين، لم يعودوا يقوون على الحال بالرغم من كلّ التصاريح المحفّزة والمنشّطة التي نسمعها على الصعيد الرسمي، أمّا على الصعيد الشعبي فلقد تعب الناس وصارت العاصفة أقوى من الاستعدادات وصرنا نصرخ كلّنا "النجدة"، لأنّنا نريد الخلاص. أمّا اليوم بالذات، فهوَ تذكار هروب الربّ إلى مصر لكي ينجو من سطوة هيرودس، طلب الملاك النجدة من يوسف لكي يرحل به مع أمّه إلى مصر، فاختبر يسوع ما اختبره الشعب في العهد القديم، أي العبودية إلى مصر ومن بعدها الخروج من مصر لكي ينجده الربّ الإله من الموت، لأنّ عاصفة غضب هيرودس وخوفه على عرشه هدّدت حياة الطفل وجعلت الطفولة كلّها تدفع الثمن. إذاً مع كلّ هذه الاعتبارات، نتوقّف اليوم لنتأمّل بالنجدة في قلب العالم، إنّنا نطلب الإنقاذ، آملين أن تكون السنة الجديدة المطلّة علينا هي سنة إنقاذ وسنة قبول النجدة.
كما في كلّ عاصفة، نعرف أنّ هناك طرقاً سالكة وغيرها غير سالكة. لذا نتوقّف عند نقطتين:
1- طريق مقطوعة غير سالكة: إذاً الطريق مسدود ومقطوع. ونحن في حالنا التي نعيش بهذه الأيام نسمع كثيراً من هذا الكلام، إن الطريق مغلق، لقد سُدّت كل النوافذ للحلول. وإذا ما أصغينا إلى الخطابات وإلى المواقف والكلمات التي يعبّر فيها سياسيّو وطننا نرى الكثير من الكلام الذي يدلّ على "انقطاع الطرق". لكن ما سنقوله نحن لربّما يشبه بالتعبير ما يقولونه، لكننا ما نريده نحن هو التفكير الشخصي لإجل نهضتنا الشخصيّة. الطريق الممنوع سلوكه لا ندل عليه بالمعني السياسي فقط إنّما نرشد إلى عدم سلوكه بالمعنى الروحي الشخصي. فاذا سمعنا الكلمات سوف نتهكّم على حالتنا، أمّا إذا فكّرنا بالكلمات فسوف ننجد نفسنا. الطريق مقطوعة، ممنوع المرور تعنى في مسلكنا الفردي الروحي والإنساني تجنّب عدّة أخطار تؤدّي بنا إلى الموت، الموت المعنوي: 1- الوقوع في الفراغ القاتل: أخطر ما يكون في حياتنا هو الفراغ، لأنّ الإنسان لا يعود يرى ولا يلمس ولا يشعر بما يعطيه الاندفاع إلى الحياة. فإذا نظرنا إلى وضعنا الاجتماعي الوطني بكل أبعاده ألا نجد نفسنا نذهب إلى الفراغ، لأنّ الأمور جامدة إلى درجة الموت؟ وعلى صعيد نفسنا وروحنا، هل فعلاً أنا حار في علاقتي بالربّ ونظرتي للأمور المحيطة بي وبالأكثر في تواصلي مع الآخر؟ هل ألمس أنّ الحياة منتعشة بهذا الشأن؟ 2- تضييع الفرض الملائمة: هنالك طروحات وظروف ومستجدّات تطرأ حتى نخرج من المأزق؛ لكن الأهمّ كيف نتفاعل معها حتى تخدم المصلحة العامة؟ أم أنّ المصالح المتضاربة تجعلها تضيع وتفلت من أيدينا وبالتالي يكون الجميع خاسرين. نقول في لبنان لا رابح ولا خاسر، وكلّنا يعلم جيدّاً أن الكل ليسوا رابحين فالحال هي أنّ الكل خاسرون... لذا الدعوة موجّهة لنا كأفراد وكجماعات لأن ننظر إلى أمورنا بشموليّة واسعة وليس بنظرات خانقة تجعل الفرص الملائمة تضيع. 3- الانزلاق في الزواريب والدوامات: إنّه خطر التفاصيل المملّة التي يلتهي بها الإنسان حتى لا يواجه الجوهر الأساسي الذي يخاف منها أو الذي يرى فيه مسؤولية كبرى، إمّا هو ليس على قدرها وإما هو لا يرى فيها ما يوافقه لذلك يلهي الإنسان ذاته بالأمور التي لا تنفع حتى لا يعمل ما يتعبه بالأمور التي تنفع والتي تتطلّب منه تضحيات وتراجعات وبطولات لا يحسبها مقياس النفعيّة إنّما مقياس الشهامة. 4- سلوك الطرق المسدودة غير النافذة: وهو خطر فقدان بُعد النظر والعناد الأعمي لأن الغالب بالأمر هي الأنانية الضيّقة التي لا تخدم حتى صاحبها، ولو ظنّ أنّها تنفعه. الطريق المسدود هو باختصار: "يا ربّ نفسي". إنّه انغلاق الذات، إنّه الرفض الذي يتحصّن به الإنسان خوفاً على ذاته من الانفتاح؛ إنّه علامة ضعف يحاول الإنسان الاستقواء بها ليرتاح حتى ولو لم يصل إلى مخرج. في حياتنا الروحيّة هو طريق الاكتفاء بالذات ورفض أحياناً حتى النعمة لأنها تريد أن تخرجنا من ذاتنا.
5-
التراجع عن الثوابت والتخلّي عن المبادئ:
هو خطر التقهقر عند الإنسان أمام الصعوبة، وهذا ما يصوره يسوع في مثل
الزارع عن الحبوب التي تقع بين الأشواك فتخنقها ولا تعود تعطي ثمراً.
الصعوبة تجعل الإنسان يتخلّى أحياناً عن مبادئه وأن يترك ثوابته التي
تعب حتى حدّدها واشتغل حتى وصل إليها. هذه هي المعادلة التي تحدّثنا
عنها في أكثر من لقاء: 6- التنكّر للقيم: هو خطر فقدان الأخلاقيّة حتى يصبح كلّ شيء يساوي كلّ شيء، إلى درجة يتوصّل فيها الإنسان إلى رمي كل ما عنده من سامٍ ليصبح يشبه "الحيوان" في تحقيق غرائزه بأي كلفة. هذا ما يخرّب كيان الجماعة وكيان الشخص ليصل إلى الفراغ الكامل. 7- الضعف في الإيمان: من أخطر الأحوال التي يمرّ فيها الإنسان هي أن يُقدِم على عمل غير مؤمن به، أو يتبع شخصاً لا يؤمن بما يعمله، لأن هذا الأمر سيؤول به إلى أبعد من الفشل، سيصل به إلى الإنقلاب على ذاته وإلى ردّات فعل عكسيّة تفقده كل معنى حياته. بمعنى آخر يصبح أسيراً، معلّباً، آلة تسيّرها آراء الآخرين، وأهواء تائهة لا هدف لها. وكل هذا يؤدّي إلى خراب الإنسان. 8- الرفض لكلّ المبادرات: ما ينعش الحياة، العلاقات، المشاريع وكل ما يمت إلى الحياة بصلة هي المبادرات، أي كل ما يفكر به المرء ويسعى إليه من خير ليعيد الأمور إلى مجراها الطبيعي والنافع والفاعل. إن رفض كلّ هذه المساعي الخيّرة يجعل من الإنسان منغلقاً على غلطه الذي يتآكله إلى حدّ أن يصل به إلى الموت وإلى اليأس. ويسوع في تعاليمه لمّح أكثر من مرّة إلى المبادرة وبالأخص في مجال المصالحة لإعادة بناء جسور الحياة بين الناس بعد انعدام التواصل فيها: "إذهب وصالح أخاك... وأنت على الطريق لئلا يأخذك السجّان..." 9- اليأس من تكرار المحاولات: إنّ الثبات والمثابرة صفتان بنّاءتان لأنّ الإنسان من خلالهما يعمل جاهداً للوصول إلى الهدف المنشود، حتى ولو تكلّف معاناة ومواجهة. التخلّي عن هاتين الصفتين يوقع الإنسان في حالة يأس وكأن المسيرة توقفت وانعدمت ولا جدوى من أي محاولة لإعادتها. يحتّم المرء على ذاته النتائج فكرياً ولا يعود يخطو عمليّاً حتى يغيّر الوضع. لذا المطلوب هو التحرّك من جديد. اليأس مرض خطير في النفس يدفع إلى الموت؛ إنّه خطيئة لأن الإنسان لا يعود يترك مجالاً للرجاء أن يعمل دوره لنشله، فيختار الطريق المسدود المؤدّي إلى اللاشيء، إلى الفراغ والموت. 10- الوهم في السيطرة: خطر جديد يريدنا الربّ أن نتلافاه وهو عيش نوع من الوهم وكأنّ المرء هو يمسك كلّ شيء بيده وهو يسيطر على الوضع. فحبّ السيطرة موجود في طبيعتنا إلا أننا لا يمكننا أن ندّعي هذا الموقف في كلّ الظروف وإلاّ ارتحنا على وضعنا أو عدنا إلى خطر جديد وهو عدم الوعي على الواقع. تتقاتل الناس لأنها تريد كلّها أن تسيطر، إلاّ أنّ الحالة الطبيعيّة السليمة بعلاقاتهم هي الانسجام في تواصل الأدوار حتى ينجح الكلّ. لو عرف الناس أن يقوم كلّ بدوره ويترك لغيره دوره لصرنا بألف خير. والسؤال: هل السيطرة هي أن يكون كلّ شيء بيدي؟ كلّنا يعرف أن للإنسان حدود ويحتاج إلى غيره حتى يصل إلى الكمال؛ لذلك ليست السيطرة بأن أملك كلّ شيء، إنّما بأن أعرف أن أتقاسم الأمور حتى نصل كلّنا للنجاح. لنراجع رسالة مار بولس الأولى إلى أهل كورنتس في الفصل 11و 12 وبالأخص عندما يتحدّث عن الجماعة ويشبّهها بالجسد وتكامل أعضائه. 11- التمسّك بالألم للألم: إنّه خطر حبّ الألم، إنّه مرض عضال وفتّاك لا يعطي للحياة أي منفعة. لا أحد يختار الألم، لكن كثيرون يقبلون الألم حتى من خلاله يتصاعدون إلى الأسمى. لا يقف الألم حاجزاً بينهم وبين حبّ الحياة. الألم في الواقع، ومن الواقع، هو معبَر وليس مسكن النفوس المؤمنة. لذلك كلّنا مدعوّون أن نقبل الألم حتى نعبر إلى الخلاص، وليس أن نحبّ الألم لأنه يؤذي فينا وفي مَن هم حولنا حبّ الحياة. والربّ يدعونا كلّنا إلى الحياة وحبّ الحياة. 12- الهروب إلى الأمام: هو خطر الإكثار من الحركة والشغل حتى لا نواجه حقيقتنا، ونضيع. نبدأ بمشاريع تلوَ الأخرى بدون جدوى، المهم أن نعمل حتى لا نقف. يعيش الإنسان حياة تصعيديّة بدون أي ثمار، فتكثر المتطلّبات إلى درجة تفوق الطاقات، وعندها تقع المصائب وتتراكم عواقبها السيّئة. يجب على المرء أن يقف لفترات حتى يتفحّص ما يفكّر به وما يقرّره ويخطّطه ليأتي بالنتائج الناجعة حتى ولو اضطر إلى التوقف عن غزارة العمل. 13- البعد عن الحلول: هي طريق مسدودة لأنّها لا تعطي أملاً بالتقدّم، كلّما تعقّدت المساءل ولا حلّ لها، كلّما زادت الضيقات وتفشّت المصائب والحال أن الركود الذي نشهده في مجتمعنا اليوم هو خير دليل على ما يصيبنا من نكبات لا أحد يحب عواقبها. وبقدر ما تبقى المساعي مفتوحة للحلول، وحتى لو لم تصل إلى الحلول، يبقى عندنا دائماً هذا الرجاء وبصيص الأمل فنندفع إلى الحياة. أمّا العقدة التى لا تحل فتؤدّي إلى اليأس. نطلب دائماً أن تبقى قنوات الحوار المساعي جارية حتى نأمل في مستقبل إيجابي. 14- التكبّر بعدم الاقرار بالخطأ: الكبرياء أُمّ الرذائل، وبالتالي يرفض الإنسان أن يعترف بضعفه وبغلطه نظراً لكبريائه فيبقى على حاله جامداً لا يتقدّم لآن هذا الضعف والغلط يربطانه ويكبّلانه. عندما وجّه يسوع كلامه لطالبي تنفيذ الشريعة بالمرأة الزانية فقال "مَن منكُم بلا خطيئة فليرجمها بحجر"، تراجع بالدرجة الأولى الكبار منهم، اي الذين يملكون الحكمة والمعرفة. فكل مَن يتكبّر هو صغير النفس عديم المعرفة والحكمة، لأن بكثرة التكبّر السقوط يتحتّم، ويكون السقوط عظيماً. التكبّر يظهر صورة خارجية ضخمة إلا أنّه يدل على هشاشة داخليّة ضعيفة، تسقط عند أدنى صعوبة أو ظهور للحقيقة. إنّ عمى التكبّر يعطي للخطأ قوّة التسلّط وهذا باب واسع للمشاكل والمعاصي وبالتالي المآسي الصعبة. 15- التحجّر بالامتناع عن المغفرة: وهو خطر تابع للخطر السابق، فالقلب المتحجّر هو القلب الخالي من الأنانية ومن الروحانية. يتعاطى مع الأشخاص وكأنّها أرقام أو مادّة، ويتفاعل مع شؤون الحياة وكأنّها ظروف وأقدار مرسومة بطريقة ماديّة بحت لا روح فيها. ففقدان البُعد الإنساني والبُعد الروحي يحوّل الإنسان إلى آلة لا تشعر ولا ترجو، فقط تتعامل مع الشؤون كما هيَ مبرمجة لتصل إلى الأهداف الضيّقة والصغيرة، من هنا لا تغفر ولا تعطي للغفران أي مجال من أي مكان جاء. إنّها حالة جمود قاتلة يتّسع خطرها ليس فقط على حياة صاحبها بل على المجموعة التي ينتمي إليها والتي تحيط به.
كل هذه الأخطار هي طريق مقطوعة على الحياة، تهدّدها. والربّ جاء إلينا في سرّ التجسّد لكي يمنع فيها كلّ هذه الأخطار. وهو بدوره سلك طريق مصر لكي يهرب من طريق هيرودس الذي يشكّل خطراً كبيراً ليس على حياة يسوع إنّما على حياة البشريّة. ويسوع لم يفتح طريق مصر، بل عاد إلى هيرودس ليفتح الطريق الصحيح، ليؤدّي رسالته السماويّة ويدلّ الناس على الطرق السالكة لأنّها آمنة.
2-
طريق مفتوحة، سالكة وآمنة: a. الوجدان الصادق: أي الحقيقة النابعة من قلب الإنسان والتي يلمسها ويشعر فيها ويتفاعل معها. الوجدان لا يسمع لنا أن نعبر بسطحيّة حول قضايا الإنسان، إنّه يحضّنا على التفكير بها بعمق، للتفتيش والعمل لأجل كرامة الإنسان، ولأجل تعزيز حياته على كلّ الأصعدة: يعني أن يحيا الإنسان في مجتمعه بحريّة، وأن يعيش إيمانه بمصداقيّة، وأن يعمل بدوره ووظيفته بشفافيّة، وأن يتعاطي بشؤونه بكل الوسائل المشروعة والسليمة؛ حتى يكون كلّه إيجابيّاً وفاعلاً بروح بنّاء. هنا السؤال: هل أفهم ما معنى الوجدان؟ وهل أفتّش لأجعل وجداني صادقاً وأربّي الأجيال على هذا الوجدان؟
b.
الضمير الحيّ:
الذي يعني الحقّ مهما كلّف، "تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم"؛
والحق الذي يطلبه الربّ منّا بعيد جدّاً عن الحق التي نطالب بها في
وطننا. فهذا الحق صارت مصدر خلافات واستغلال للسياسات؛ أمّا الحقّ فهو
يجمع لأنّه "حق الإنسان الذي رسمه الله له، الذي قلّده إياه يوم صنعه
على صورته ومثاله"، أي كلّ ما زرع فينا الله من قيَم، من عطايا، من
مواهب... وكلّها للخدمة من أجل البنيان حتى نصل إلى "قامة المسيح".
فهذا الحقّ مصدر حياة رفيعة يعطي لكلّ منّا العودة إلى الجوهر لاكتشاف
المقدرات والعمل بها حتى نصبح أعلى شأناً وأسمى قدراً وأقوى مسؤوليّة
حتى نصل إلى الهدف البعيد، أي أن أبقى في الحياة الباقية وليس أن أسيطر
في الحياة الزائلة.
c.
العقل المنوّر بإلهامات الروح القدس:
إن المنطق الذي هو ثمرة العقل هو لغة إلهية بتعابير بشريّة. والله يريد
العقل الذي ينظم دورة الحياة الإنسانيّة فيساعد العواطف على أنواعها
لكي تأخذ مجراها الصحيح البنّاء حتى يتصرّف الوجدان بصدق، كما ويساعد
الإيمان ليقيه من الشطحات التعصّبيّة فلا يحيد عن مجراه ولا يضيع عن
مبتغاه إلا وهو تمجيد الله كما يليق به التمجيد. العقل في خدمة
الإنسان، إنّه من بين الطاقات العليا التي تسوس الإنسان نحو خيره، متى
طغى عليه بعض من القوى السفلي التي، في انزلاقها، تقود إلى الهلاك،
تجعله آلة مدمّرة. من هنا التربية ضروريّة لنجعل من طاقاتنا مرتّبة في
مكانها حتى نكون أناساً في توازن طبيعي لنجاح حياتنا. d. القلب الخافق: هنا تدخل الاختبارات والخبرات التي نعيش والتي تزيد من كنزنا الذاتي إلى جانب المعرفة النطقيّة التي يعطينا إياها العقل. لذلك مدعوّون اليوم إلى قراءة معمّقة لاختباراتنا التي نعيش حتى نأخذ منها العبر وبالتالي يمتلئ قلبنا بالحكم إلى جانب الأحاسيس. يحتاج قلبنا اليوم إلى إنعاش أمام هذه الحالات التي تؤدّي به إلى الاسوداد. كلّنا لاحظنا إنّنا في هذه الأيام فقدنا الحس بالعيد وما قمنا به من مظاهر العيد ليس إلاّ دفعاً لعجلة الحياة ولكن ليس عن معنى. نحتاج إلى "اندهاش جديد"، كما عاشته أليصابات يوم زارتها مريم، فامتلأت من الروح وأعلنت إيمانها وهتفت وتهلّلت. نريد اليوم اختباراً جديداً يعيد قلبنا إلى الخفقان حتى نندفع أكثر إلى العمل والعيش. لا يقتلنا الروتين، بل أبشع منه، ما يقتلنا اليوم هو الجمود والركود، فليعمل كلّ منّا على انفتاحه إلى الروح الجديد حتى يعود الانتعاش بالاندهاش للاكتشافات الجديدة في قلب المحنة، لأنّنا نعمل لها قراءة واعية وواعدة. e. النظر الثاقب: لم يخلقنا الله لحياة سطحيّة تمر مرور الكرام. كل واحد منّا هو مشروع قداسة، لذلك يريدنا الربّ أن ننظر إلى العمق وإلى البعيد. نظرنا إلى العمق حتى نثقب القشور ونذهب إلى الجوهر حيث المعاني القويّة التي تدفع بعجلة حياتنا إلى الأمام. ونظرنا إلى البعيد حتى نثقب السطحيّة بالتعلّق بالأمور القريبة والأهداف الصغيرة حتى نتطلّع إلى الهدف الكبير ألا وهو هدف وجودنا. نعم كلّ واحد منّا هو مشروع أراده الله وطلب منّا أن نريده كل واحد لذاته. لذا أعطانا النظر الثاقب المتعلّق بفكرنا وبقلبنا، إنّه ثالوث مسلكنا الآمن: عقل منوّر، قلب خافق حيّ ونظر ثاقب إلى العمق والبعيد بهما نصل إلى متابعة هذا المشروع الكبير وسلوك طرقه الآمنة والمفتوحة إلى القداسة.
إذا كان موضوعنا لهذه السنة "التتلمذ والرسالة في الأرض"، فإنّ موضوع الليلة "النجدة" قي قلب العاصفة يدلّنا على أن نعمل على جوهر الإنسان حتى نغلب العاصفة. فمتى جهز معنا الإنسان صارت الأرض كلّها جاهزة حتى تعبر العاصفة.
أختم بقصة: يقال ان ولداً كان ينظر الى خريطة العالم وكل لحظة يسأل والده سؤالاً عن مكان او اسم بلد معيّن... وكان الأب مشغولاً انزعج من كثرة اسئلة الولد فغضب وقام ومزّق الخريطة. فحزن الولد جدّاً. ولما رآه والده هكذا حزن هو بدوره ووعده بأن يقضي معه وقتا طويلاً يتحدثان عن العالم إذا استطاع الولد ان يجمع الخريطة مجدداً. وما هي إلا لحظات وقد أعاد الولد جمع الخريطة فتعجب والده وسأله كيف فعل هذا وكان جوابه: سهل جدّا، على الجهة الأخرى من الخارطة صورة وجه رجل فكان جمعها سهلاً.
|