عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42

 

الجمعة 28 كانون الأول 2007 - عيلة مار شربل - عنايا

الأب مارون مبارك – مرسل لبناني

الموضوع:  "الثبات في المحبّة"

 

"اثبتوا في محبتي يو 15/9"

نلتقي للمرة الثامنة في هذه المناسبة المميّزة حتى نتأمل في كلام الربّ لكي نستقي منه ما يُروي عطشنا إلى حبّه وإلى التمسك به. ولقد اخترتم موضوع السنة "الاتباع". إنه فعل إنسجام مع الربّ، لذا اخترت لكم عنوان لقائنا لهذه السنة "الثبات في المحبة" الذي يترجم عمليه الأمانة في الاتّباع.

الأمانة والمحبّة توأمان لا ينفصلان فيؤكدان فعل "الإتباع الصحيح". مَن يثبت في الأمانة يثبت في الحبّ؛ ومَن يثبت في الحبّ يثبت في الأمانة، وبالتالي يحقق إتّباعه الصادق للربّ. كما وأن كلّ نموّ في المحبة هو نموّ في الأمانة وثبات في الإتّباع.

في جوهرها، الأمانة فعل محبّة، وبرهان محبّة. والله أمين لأنّه محبة؛ ولا يملّ من أن يحبنا، إنه ثابت في محبّته كما هو ثابت في أمانته: "وإن كنّا نحن غير أمناء ظلّ هوَ أميناً لأنه لا يمكن أن يُنكر نفسه" (2طيم2/13).

في دعوته لنا، كل ما يبتغيه الربّ أن نكون نظيره، أن نثبت في المحبّة وبالتالي في الأمانة حتى نحقّق دعوته لنا في إتّباعه. لذا يوصينا الربّ بالثبات في محبّته، وهذه الوصية تحمل صيغة المطلق، بحيث لا تقبل التأجيل، ولا تحتمل التأويل ولا الاعتراض أو الاستئناف أو التمييز. والأهم في الأمر أنه يقدم لنا ذاته قدوة ومثالاً، إذ يعرض علينا كيف يمكننا أن نحقّق عملياً هذا الثبات والإتباع إذ يقول: "اذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي كما أني حفظت وصايا أبي وأنا ثابت في محبته" (يو 15/10).

 

يرسم لنا الرب يسوع حتى نثبت في المحبة لعيش الاتباع خطة ثنائية:

 

1- منهجية الثبات:

إنها منهجيّة عمليّة للتدرّب على عيش الثبات في المحبّة والإتّباع. إنّه المربّي الحكيم الذي ينطلق من واقع الإنسان فيتحدّث بلغة واقعيّة ويقدّم التشابيه الواضحة والبليغة والبراهين المقنعة. وتحوي هذه المنهجية ثلاثة شروط أو مبادئ.

أ-حفظ الوصايا هو الشرط الأول للثبات والإتّباع. "إذا حفظتم وصاياي تثبتون في محبتي". لقد اتّبعنا الربّ لأننا أحببناه فملأ قلوبنا بحبّه، لذا نصبو أن نسير على خُطاه وأن نحقّق إرادته في حياتنا. لذا المُحبّ يريد بداهة ما يريده المحبوب. إنّه توافق الإرادات وانسجامها ومطابقتها بعضها لبعض. نحن نتّبع الربّ لأننا نحبّه، ونحن نحفظ وصاياه لأننا نحبّه، هكذا نحقّق اتّباعنا من خلال تبنّي إرادته بعيش كلامه إذ نترك له المكان في صدارة حياتنا، نعطيه الأولوية.

ب-الاتحاد بالرب:  وهو الشرط الثاني في ثباتنا باتّباعنا للرب.

"اثبتوا فيَّ وأنا فيكم" (يو 15/4). إن قمّة المحبّة الوصول إلى البقاء الدائم مع الحبيب، المحبة تصبو إلى الاتّحاد. والإتّباع هو عمليّة ثبات بأمانتنا في هذا الاتّحاد: إنها علاقة استقرار وديمومة، مع شخص يسوع الحيّ الدائم في حياتنا هو فينا ونحن فيه، نعيش السكنى المتبادلة.

وعندما نتكلم على الاتّحاد، نريده أن يشمل كياننا، وجودنا وكل تحرّكنا في الحياة، كما الغصن مرتبط بالجذع وبالكرمة، إلى حدّ الترابط الطبيعي بينهما. ولا يتوقف هذا الاتّحاد عند الجذع فقط، بل إنّه يؤدي إلى ترابط بين الأغصان بعضها مع بعض. بمعنى آخر اتّحادنا بالربّ يفتح لنا السبل للاتّحاد بعضنا مع بعض. وهذا ما يشرحه بولس الرسول إننا في الرب نجد إخوتنا جميعاً في كل زمان ومكان وعلى مختلف الحالات والأوضاع "فليس هناك يهودي ولا يوناني، وليس هناك عبد أو حرّ، وليس هناك ذكر أو أنثى، لأنكم جميعاً واحد في المسيح يسوع" (غلا 3/28).

ج- المرور بالتنقية: "كل غصن يتم تقضيبه (يعني تنقيته) ليكثر ثمره" (يو15/2). لا يمكن أن يجتمع في الاإسان البرّ والخطأ في آن واحد، لذا يلزمه التنقية والتشذيب ولتقضيب لكي يصل إلى حالة الجهوزية ليعيش ثباته في الاتّباع والأمانة للربّ. وهذا ما يؤكده بولس الرسول أيضاً "لا صلة بين البرّ والإثم، ولا اتّحاد بين النور والظلمة، ولا ائتلاف بين المسيح وبليعار" (2 قور 6/14). لذا، مَن ابتغى الوصول إلى الاإّحاد بالربّ عن طريق الإتّباع، لن يتحقق مرماه إلاّ من خلال عملية التنقية من كلّ الشوائب. لكنّنا في الوقت نفسه معرّضون للتجربة باستمرار والإنجراف وراء الميول المنحرفة؛ لذا إننا بحاجة دائمة إلى السهر كي لا نسقط، وإلى العمل المتواصل لتوبتنا وندامتنا بانسحاق قلب حتى نستمر في البرّ والأمانة باتّباعنا. يقول لنا كتاب الرؤيا: "من كان بارّاً فليتبرّر بعد، وقديساً فليتقدس بعد،... طوبى للذين يغسلون حللهم ليكون لهم سلطان على شجرة الحياة، ويدخلوا إلى المدينة من أبوابها" (22/11-14).

مهما تسامينا وتقدّمنا بالقداسة نظل بعوز للتقدم نحو كمالنا، والآب الكرّام والكريم الذي يحبنا: "يعمل فينا الإرادة والعمل في سبيل رضاه" (فيلبي 2/13). انه يلهمنا في طريق اتّباعنا ليسوع بانوار روحه القدّوس حتى نعرف ما هو الطول والعرض في كل ظروف حياتنا فنحوّلها إلى مناسبات تنمّينا في المحبّة.

 

2- ثمار الثبات:

يقول الرب "من ثبت فيَّ وثبتُّ فيه يثمر ثمراً كثيراً (15/5) من البديهي أن ينتظر الكرّام من كرمه أن يثمر ثمراً صالحاً كما يقول الربّ في النبي أشعيا 5/2. "كان لحبيبي كرمُ في رابية خصيبة وقد قلّبه  وحصّاه وغرس فيه أفضل كرمة... وانتظر أن يثمر عنباً فاثمر حصرماً بريّاً". ومن واجب الغصن الثابت في الكرمة أن يثمر ثمراً كثيراً، بهذا يتمجد الآب الكرام. ومن طبيعة مسيرتنا في اتباع المسيح بثبات وأمانة أن نعطي الثمار الصالحة في مسلكنا ومواقفنا وأعمالنا وأقوالنا بقلب العالم حتى نعطيه طعمة المسيح (الملح) ونور المسيح. وفي مثل الكرمة والأغصان نستدل على أهم الثمار المرجوّة وهي كثيرة:

 

أ-التتلمذ للرب: وهي صفة من يتبعون المسيح، ولن نكون حقاً تلاميذ يسوع إن لم تكن حياتنا خصبة بالأعمال الصالحة؛ "حسب التلميذ أن يكون مثل معلمه". يسوع هو معلمنا الأوحد، "جال يعمل الخبز" (رسل 10/38). "وجاء لتكون لنا الحياة" (يوحنا 10/10).

نحن تلاميذه ماذا نعمل؟

يجيبنا بولس "فلنعمل الخير ولا نملّ" (غلا6/9).

ويجيبنا أيضاً لنبنِ بعضنا البعض بالتعزية؛ كما ويحرضنا الربّ يسوع نفسه "إن ثبتّم في كلامي كنتم تلاميذي حقاً" (يوحنا 8/31).

ب- تمجيد الآب: يُمدح الفنان ويعظّم شأنه بقدر ما يتألق جمال كمال أعماله. والله يتمجد بقدر ما تظهر كمالاته، قدرته وألوهته، من خلال مخلوقاته (روم 1/20). ويتمجد الآب بابنائه بقدر ما تتجلى فيهم "صورة جوهره وشعاع مجده" (عبران 1/3). وهنا نزيد لنقول أن الثمار المطلوبة ليست فقط الأعمال الصالحة الظاهرة، بل وبشكل خاص التحرك الباطني في الإنسان. هي الدعوة إلى أن ندوزن ذواتنا على قدر ما يريد الربّ لنا من وجود جميل متكامل. وهذا ما يجعلنا نسعى إلى الارتداد الدائم، والتبدّل الجذري بأن نخلع عنّا الإنسان القديم الذي أفسدته شهواتنا ونلبس الإنسان الجديد الذي خلق على صورة الله في البرّ وقداسة الحق" (أفسس 4/24).

ننزع عنّا شهوة التسلط بكلامنا الذي فيه نمحو الآخر ونجرده من كل قيمه، ولا نقدّره حتى حقه.

ننزع عنّا شهوة التملك في أفعالنا التي نحاول فيها أن نكتسب كلّ شيء لنا بدون مشاركة اخوتنا البشر.

ننزع عنا شهود التفلّت من كل التزاماتنا مدّعين أن الحريّة التي نريد تخوّلنا التصرف بدون رادع.

نلبس حلّة التواضع التي فيها ننحني بحبّ نحوَ الآخر ونلتقي به بكلّ احترام وتقدير حتى نتعاون معه في الحياة.

نلبس حلّة التحرّر التي فيها نتعاطى مع كل الشؤون والشجون بوعي حتى نصل إلى المخارج الصحيحة والبنّاءة لنا ولغيرنا.

نلبس حلّة الانضباط في عيش التزامنا المسيحي ورسالتنا الخاصة في قلب العالم لكي نشهد للربّ الذي نتبع في مسيرتنا اليومية.

بهذا نعيش رهباناً في قلب العالم ونجعل يسوع منظوراً من أهل العالم حتى يحبوه كما يحبهم، بهذا يتمجد الآب.

ج-الحصول على ما نسأل: "يعطيكم الآب كل ما تسألونه باسمي" (يو 15/16). "مهما سألناه فإننا نناله منه" يقول يوحنا في رسالته الأولى 3/27. ويوضح يوحنا الأسباب: لأننا لوصاياه حافظون ولأننا ما هو مرضيّ لديه عاملون. وهذا ما تؤكده القديسة تريز الطفل يسوع "لقد حقق لها يسوع كلّ رغباتها، لأنها لم ترغب يوماً إلا أن تتمّ ارادته؛ تحبّه وترضيه. (راجع الأعمال، ص 157، 684 و691).

د-الفرح التام: "يكون فيكم فرحي فيكون فرحكم تاماً" (يو 15/11) هذا الفرح هو ثمرة تحقيق رغباتنا واستجابة طلباتنا وخصب حياتنا. وينبوع خاص رضى الربّ، الحبيب الأوحد. سعادتنا من سعادته، وأمانتنا من أمانته في ثباتنا معه بالإتّباع المرضيّ. حقيقة الفرح تقوم على أن نصل إلى تحقيق مسارنا معه فنصل إلى الملء. نفرح لأننا وصلنا إلى مبتغانا أن نكون في إتّباع ثابت وأمين له، فلا نعود ننشد شيئاً ولا نعود نخشى شيئاً، لأننا حصلنا على الملء معه، وهذا هو فرحنا.

نسأل ذاتنا، عملياً هل نحن سعداء؟

 

نختم بالقول إنّ الثبات في اتّباع المسيح نعمة كبرى، وهذا ما يقتضي منا أن نلتمس هذه النعمة باستمرار وبكلّ ثقة وإلحاح... لكنها بالوقت نفسه هي ثمرة جهاد يوميّ وسهر دائم في سبيل إتّقان واجب الساعة الحاضرة بإيمان وحبّ، تقول القديسة تريز الطفل يسوع: "جلّ مبتغاي رضاك ولا أبتغي سواه".

 

قصة فنجان القهوة الذي صنعه جابله وجعله يمرّ في مراحل متعبة جداً: جبله من الطين وصنع منه شكلاً على آلة التدوير ثم وضعه بالفرن ودهنه بالطلاء ووضعه ثانية بفرن أصعب الى أن وضعه على الرف وأعطاه مرآة، فلما رأى ما فيها اندهش بجمال فنجان القهوة.

لذلك شرح له جابله: لقد جعلتك تمرّ بكلّ هذه المراحل كي لا تكون عرضة للكسر بسهولة وتضمن وجودك. كنت اعرف منذ البدء ما ستكونه في النهاية، أما أنت فلم تكن تبحث إلاّ عن التخلّص من اللحظة الحاضرة وصعوبتها.

أليس هذا ما نحتاجه حتى نصل إلى الثبات حتى النهاية في محبة الله ونحن نتبعه؟

التعليم    ||   الصفحة الرئيسيّة