|
عظة سيادة المطران أنطوان نبيل العنداري - عيلة مار شربل قداس الجمعة 23 آذار 2007 – عنايا
مقدّمة: أعلن الكرسي الرسولي، منذ حوالي عشرة أيام، صدور الإرشاد الرسولي "سرّ المحبّة" Sacramentum caritatis وهو ثمرةُ انعقاد سينودس الأساقفة الحادي عشر في روما سنة 2005 حول "الإفخارستيا مصدر وقمة حياة ورسالة الكنيسة". وبانتظار الترجمة العربية لهذا الإرشاد الذي يشكّل الوثيقة الحبرية الثانية لقداسة البابا بندكتوس السادس عشر، نتوقّف معكم في هذه العشيّة عندَ الخطوط العريضة والأفكار الرئيسية لهذا الإرشاد، الذي يندرج في سياق الوثائق الحبرية المهمّة حول الإفخارستيا التي بدأها السعيد الذكر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، في رسالته العامة "الإفخارستيا حياةُ الكنيسة" سنة 2003، و الرسالة الرسولية "إبقَ معنا، يا ربّ" سنة 2004 بمناسبة السنة العالمية للإفخارستيا.
التوسيع: 1- يُوضٍّح هذا الإرشاد الرابط الوثيق بين السرّ القرباني والعمل الليتورجيّ والعبادة الروحيّة. وبالتالي فإنَّ الإرشاد يتوزّع على أقسامٍ ثلاثة وهي: الإفخارستيا سرٌّ للإيمان، الإفخارستيا سرٌّ للإحتفال، والإفخارستيا سرٌّ للحياة. يعالج القسم الأول بدايةً "عطيّة الثالوث المجانية" التي تشرح السرّ الإفخارستيّ إنطلاقاً من أصوله الثالوثية مُؤكّداً على الطابع الدائم للهبة المُستَنِد إلى العبادة وارتباطها بالإحتفال الإفخارستيّ. ويميِّز قداسة البابا بندكتوس السادس عشر بين الفصح اليهودي والفصح المسيحي الذي رسَمَ فيه السيد المسيح سرَّ الإفخارستيا، وأصبح هو فِصحُ العهدِ الجديد، فيدعونا الربّ بواسطته إلى الإحتفال بموته وقيامته مبدَأَ كلِّ تجديدٍ في التاريخ. وفي مقطعٍ عنوانُه "الإفخارستيا والكنيسة"، يُذكّرنا قداسة البابا بأنَّ "أساس الكنيسة الإفخارستيا". وفي كلِّ مرَّةٍ نحتفل بالقداس الإلهي "نعترفُ بأوليّة العطاء المسيحي. إنَّ تَبِعَة الرَّسم الإفخارستيّ، منذ نشأة الكنيسة، توحي بأسبقيّةٍ هي تراتبية في الزمن مثلما هي كيانيّة". إنّ قداسة البابا، في تأكيده العلاقة بين الإفخارستيا التي تَبني الكنيسة والكنيسة التي تحتفل بها، يختارُ خَياراً تعليمياً مُهمًّا لصالح الأوليّة الإفخارستية على البُعد الكنسي. ثمّ يتناول الإرشاد موضوعَ الإفخارستيا والأسرار السبعة فذَكَّرَ أنَّ الإفخارستيا تُعطي للتنشئة المسيحية مِلأها، كما تعطي مهامَ وغايةَ الحياةِ الأسراريّة كلِّها. وفي تعداد الأسرار السبعة، يُشَدِّد قداسته في سرِّ المصالحة على ضرورة العودة إلى التربية على التوبة والإرتداد التي تُولَد من الإفخارستيا. أمّا سرُّ مسحةِ المرضى فَيُقَدِّمُ للمؤمنين إمكانية الإتّحاد بآلام المسيح المُقدَّمَة لأجل خلاص الجميع. ويُؤكّد قداسة البابا على طابع الخدمة الكهنوتية الفَريدة في الإحتفال الإفخارستيّ مُرَكِّزاً على عمق الرابط بين سرِّ الدرجة الكهنوتية والبتولية مع احترام تقاليد الكنائس الشرقيّة. وَيعرِضُ قداسته إلى النقصِ الكبير في الدعوات الكهنوتية وهو مسألَةٌ كبيرة تحتاج إلى شهادةِ جمالِ الحياةِ الكهنوتية وإلى تنشئةٍ راسخة للدعوات. وحولَ الإفخارستيا وسرّ الزواج، يُذَكِّرُ الإرشاد بأنَّ الإفخارستيا هي سرُّ الخطوبة بامتياز الذي يُثَبّت ملءَ الوحدة والحبّ في الزواج المسيحي الذي لا يَنفَصِم. وانطلاقاً من هذا الطابع العُرسي للإفخارستيا يَلحَظُ تعليم الإرشاد وحدانية الزواج المسيحي في وجه تعدّد الزوجات وعدم انحلال الرابط الزوجي. كما يتضمّن هذا الإرشاد بعض الإقتراحات الراعوية بالنسبة إلى أبناء الكنيسة الذين أبطلوا زواجهم وتزوّجوا للمرّة الثانية فهو لا يَنزَع عنهم صفة أبناء الكنيسة، لا بل يدعو إلى احتضانهم وإيلائهم رعايةً خاصّة. ويُسلّط قداسة البابا الضوء، في ختامِ هذا القسم الأول، على شخصيّة مريم من البشارة إلى العنصرة، فهي بحسب تعبير الآباء المشاركين في السينودس: "تُدَشِّنُ مُشاركةَ الكنيسة بذبيحةِِ الفادي".
2- يعرِض القسم الثاني من الإرشاد، وهو بعنوان "الإفخارستيا سرٌّ للإحتفال"، إلى سياق العمل الليتورجيّ في الإحتفال، مُشيراً إلى العناصر التي تستأهل تفكيراً مَلِياً، وبعض الإقتراحات الراعوية. يقترح قداسة البابا توجيهات عديدة حول غنى الرموز الليتورجيّة (كالصمت والملابس والحركات والوقوف والركوع وما سوى ذلك...) وفنّ خدمة الإحتفال. فَيُذكِّر بأنّ بيت القربان يجب أن يكون في مكانٍ مرئيّ بارز مُحاطاً بالإنارة اللازمة والدائمة. وفي وَصفه للشروط اللازمة للأشخاص الذين يشاركون مشاركةً مثمرة، يُركّز قداسته على قيمة الوحدة بين سرّ الإفخارستيا والعمل الليتورجيّ وتجدّد العبادة الروحية. ويلفُت في هذه المشاركة الفعّالة إلى ملائمة وتكييف بعض الأوجه الراعويّة مع الطقوس المُقدّسة مثل: استعمال وسائل الإتّصال والإعلام، الإنتباه إلى المرضى، والإلتفات إلى المحبوسين والمهاجرين والمهجّرين. ويختم قداسته هذا القسم الثاني بالتأكيد على إيلاء الإهتمام بليتورجيّة الكلمة والنوافير وتعابير التقدمات وإعطاء السلام والإرسال في بركة الختام.
3- في القسم الثالث والأخير من هذا الإرشاد: "الإفخارستيا سرٌّ للحياة"، يُؤكّد قداسة البابا بقوّة على عطيّة سرّ الإفخارستيا للإنسان، فهي عطيّةٌ تُجيبُ على انتظاراته وآماله. فالمؤمنون يكتشفون في الإحتفال الإفخارستيّ الله الحيّ والحقيقي القادر على الخلاص. فيقول قداسته: "هكذا أعطانا المسيح ذاتَهُ طعاماً حقيقياً تُقَدِّمُهُ الكنيسة للإنسان، وتدعوه بملء حريّته إلى القبول بعطيّة الله". فالإنسان المولود ولادةً جديدة بالعماد المُقدّس، والماثل إفخارستياً في الكنيسة، يمكنه أن يُحقِّقَ في ذاته ملءََ قامَةِ المسيح إذا عرف أن يُقدِّمَ ذاتَهُ ذبيحةً حيّةً ومقدّسةً مقبولةً لدى الربّ. إنّ المؤمن مدعوٌّ إلى تحوّلٍ عميق في حياته رُغمَ إدراكه لضُعفه. في هذا الإطار يتوجّه الإرشاد إلى المسيحيين الذين يحتلّون مسؤوليات في الشأن العام والسياسة، ويَضَعهم أمام ضَميرهم ومسؤولياتهم، لينهضوا بدورهم وفق القيم الأساسية والأصول الإنسانية. فشهادة حياتهم في منصبهم هي شكلٌ من أشكال الرسالة. ويطلب قداسة البابا من العلمانيين المؤمنين بالمسيح أن يُغذّوا فيهم هذا الإمتداد الإفخارستيّ في حياتهم اليومية وأماكن عملهم ومجتمعهم. وبما أنّ الإفخارستيا تتضمّن تقدمة الخبز والخمر، ثمرة الأرض والحياة وجهد الإنسان، فلا يتردّد قداسته في تشجيع المؤمنين على أن يُصبحوا هم بدورهم خبزاً للعالم، وأن يعملوا من أجل غدٍ أفضل، أكثَر أخوَّةٍ وعدالة.
وفي الختام يُعرِبُ الحبرُ الأعظم عن قناعته بأنّنا نَجِدُ في صِحَّةِ الإيمان والإحتفال الإفخارستيّ، سرَّ تجدُّدِ الحياة المسيحيّة القادرة على تجديد شعب الله. فسرُّ الإفخارستيا يسمح لنا بالوصول إلى حقيقة الله – الله المحبّة!
خاتمة: بعدَ هذا العرض الموجَز والسريع للإرشاد الرسولي الأخير، نتطلّع إلى الله المحبّة، الحاضر والفاعل دوماً في سرّ القربان، كي نسأَلَهُ مزيداً من الوعي والإدراك لفَهمِ سرِّ الإفخارستيا وامتداداته في حياتنا، على خُطى رَفقا التي نعيِّدُ لها اليوم، وعلى خطى شربل السكران بالله وبسرِّ القربان – آمين!
+أنطوان-نبيل العندراي النائب البطريركي العام على منطقة جونيه. |