عيلة مار شربل  "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

قراءة من محاضرة للأب بولس نعمان

 

المارونية ما هي؟

 

أولئكَ الآتونَ من البعيد، المستقرّون في الأعالي، الهادفون إلى الأبعد، مَن هم؟ ما شأنهم في تاريخ الشرق؟ في تاريخ لبنان؟ أيّة كلمة رسالة أعطُوا ليحملوا؟ أيّ دورٍ أُنيطَ بهم تحقيقه؟ ما المبدأ الهدف الذي يحرّكهم؟

محبّون مضحّون محبّة سامريّ الإنجيل وتضحيته. وُدعاء مسالمون وداعةَ المساكين بالروح، اشدّ غيرة على مجد الله وكرامته منهم على مجدهم وكرامتهم. أجمل بيتٍ في قراهم ومُدنهم بيت الله، وأعلى تمثال على ذُراهم ومنعطفاتهم تمثال للعذراء...

المارونية – هذه الروحيّة الباقية من نهج الموارنة القدامى – هيَ في الواقع:

تراثٌ روحيٌّ يشدُّ الموارنة إلى الإنجيل، إلى السيّد المسيح الإله المتجسّد، بالقديس مارون مثالهم في عيش الإنجيل ببساطة وإخلاص، بتفانٍ وبطولة؛

وهيَ ايضاً تراثٌ حضاريّ يربطهم بمسيحيّي بطريركية انطاكية ومدرستها الفكرية الكبرى، ونهجها الثنائيّ في فهم شخصيّة المسيح الإله الكامل والإنسان الكامل. فبفضل هذه العقيدة وهذا المفهوم الثنائي لطبعَي السيّد المسيح، ارتبطت الكنيسة المارونية، منذُ القرن الخامس (451 في المجمع الخلقيدوني) بكنيسة روما، فكان هذا اللقاء مبدأ لعلاقات دهريّة طيّبة، سوف يشكّل – مع الزمن – صفةً من صفات المارونية، تقيها خطر الإنغلاق على الذات، وتسمح لها بالانفتاح على الشمولية العالميّة.

فالمارونية إذن، ليست مفهوماً مدنياً صرفاً ولا مفهوماً دينياً صرفاً، بل هيَ احدى انجح تجسّدات الفكر العملي والتركيب المسيحي في هذه المنطقة. لقد استطاعت، بما لها من دفعٍ روحيّ، ولأبنائها من اخلاص العيش في صميمها، أن توحِّدَ معاً، في ذاتها، التقوى الشخصيّة والأمانة الكبرى للمسيح وللكنيسة الجامعة بما أنّها ديانة، والثقة المُطلقة بالإنسان المتجدّد والأمانة الكبرى لخطّها الحضاريّ بما أنّها أمّة. إستطاعت أن تكون، في الوقت نفسه، ديانة ودولة، من غير أن تدوّل الدين وتديّن الدولة.

وأذا حاولنا الايضاح اكثر، قلنا إنّ المارونية هيَ، من حيثُ النشأة، مذهبٌ فكريّ إنطاكيّ، دينيّ مدنيّ بذات الوقت، ذو صبغة مميّزة متّصلة مباشرةً بحضارة قديمة هي الحضارة الآرامية السريانية. وقد ارتبطت بواسطة روما بالحضارة العالميّة، وطُبعت بطابع مسيحيّ خاصّ هو طابع روحانية القديس مارون، قبل أن تكون طائفة حسب المفهوم المتداول للكلمة، محصورة العدد، تدور في حلقة الصراع الطائفي في سبيل البقاء. فالتمسّك بالخط الحضاريّ الأصيل والارتباط بالمسيحيّة العالميّة، مع الحفاظ على روحانية القديس مارون، كلّها متماسكة، كفَلَت هذا النوع من الوجود المسيحي والتاريخي للموارنة.

(المارونية حتى سنة 1943، محاضرة سنة 1974)


home   ||   قراءات