عيلة مار شربل   "وكانوا يواظبون على تعليم الرسل والمشاركة وكسر الخبز والصلوات"  رسل 2-42


 

 

الرسالة الرسولية

إبقَ معنا، يا ربّ

للحبر الأعظم يوحنا بولس الثاني

إلى المطارنة والإكليرُس والمؤمنين

في مناسبة سنة الإفخارستيّا

تشرين الأول 2004 – تشرين الأول 2005

 

LETTRE APOSTOLIQUE

MANE NOBISCUM DOMINE

DU SOUVERAIN PONTIFE

JEAN-PAUL II

À L’ÉPISCOPAT, AU CLERGÉ

ET AUX FIDÈLES

POUR L’ANNÉE DE L’EUCHARISTIE

OCTOBRE 2004 – OCTOBRE 2005 

 

 منشورات

اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام

جل الديب - لبنان

 

 

توطئة

 

1-    « إبقَ معنا، يا ربّ، فإنّ المساءَ مقبل» (لو 24: 29). تلك كانت دعوة التلميذَين الملحَّة التي وجّهاها إلى المسافر الذي انضمَّ إليهما طوال الطريق فيما كانا منطلقَين إلى عمّاوس، مساءَ يوم القيامة عينه. وفيما كانت تطغى عليهما أفكارٌ حزينة، لم يتبادر البتّة إلى ذهنهما أنَّ ذلك الغريبَ كان حقًّا معلّمَهما، القائمَ من بين الأموات. إلاّ أنهما اختبرا «رغبةً مضطرمة» وعميقة (لو24: 32) فيما كان يخاطبهما «مفسّرًا» لهما الكتب. لقد أذاب نورُ الكلمة قساوةَ قلبيهما و«فتح أعينهما» (لو 24: 31). وما بين ظلماتِ النهار، وقد مال، والعتمةِ الطاغية على ذهنهما، كان ذلك المسافرُ شعاعَ نور أحيى فيهما الرجاء، وفتح قلبيهما على الرغبة في الامتلاءِ من النور. فتوسّلا إليه قائلين: «إبقَ معنا». فقَبِل. وما عتّم أن غاب وجهُ يسوع، لكنَّ المعلم «بقي» تحت حجاب «الخبز المكسور»، الذي انفتحت أمامه أعينهما.

 

2-    إن إيقونة تلميذَي عمّاوس تساعد على أن نوجّه التوجيهَ الصحيحَ السنةَ التي سنرى فيها الكنيسة متنبّهةً غايةَ التنبّه كي تحيا سرَّ الإفخارستيّا المقدّسة. في طريق تساؤلاتنا وهواجسنا، وأحياناً إحباطاتنا اللاذعة، لا يزال المسافرُ الإلهيُّ يرافقنا كي يدخلنا، بتفسيره الكتب، إلى فهم أسرار الله. وعندما يكتمل اللقاء، على ضوءِ الكلمة، يحلُّ النورُ الساطعُ من «خبز الحياة»، الذي به يحقّقُ المسيحُ، بأسمى طريقة، وعدَه بأن يبقى معنا «كلَّ الأيام، إلى انقضاءِ الدهر» (متى 28: 20).

 

3-    إن «كسر الخبز» – كما كانت تسمّى الإفخارستيّا في البدء – هو منذ القِدَم محورَ حياة الكنيسة، به يؤَوِّن المسيحُ، على مدى الزمان، سرَّ موته وقيامته. به، يُتناول شخصيًّا «خبزًا حيًّا نازلاً من السماء» (يو 6: 51)، ومعه نُعطى عربون الحياة الأبديّة، فنتذوّق مسبَّقًا الوليمة الأبديّة في أورشليم السماويّة. لقد دعوتُ الكنيسة، مرارًا، إلى التأمل في الإفخارستيّا، ومنذ عهدٍ قريب، في الرسالة «الإفخارستيّا حياة الكنيسة»، متمّمًا بذلك ما سبق وعلّمه الآباءُ والمجامعُ المسكونيّة وأسلافي أنفسُهم. في الرسالة الحاضرة لا أبغي إذًا أن أعرض مجدَّدًا التعليمَ السابق الذي أُعيدُ القارىءَ إليه كي يتعمّق فيه ويستوعبه. إلاّ أني رأيتُ، بلوغًا بالضبط إلى هذا الهدف، أنَّ سنةً مكرَّسةً بأكملها لهذا السرِّ العجيب، يمكن أن تأتيَ بالنفع الكبير.

 

4-    إنّ سنة الإفخارستيّا، كما هو معلوم، سوف تمتدّ ما بين تشرين الأول 2004 وتشرين الأول 2005. لقد وفّر لي الفرصةَ السانحةَ لمثل هذه المبادرة حدَثان تتمّ على وقعهما البداية والنهاية، هما: المؤتمر القربانيّ الدوليّ المحدَّد من 10 حتى 17 من تشرين الأول 2004 في وادي الحجارة (Guadalajara) بالمكسيك، والجمعيّة العاديّة لسينودس الأساقفة المنعقد في الفاتيكان من 2 حتى 29 من تشرين الأول 2005، وموضوعه: «الإفخارستيّا مصدرُ وقمةُ حياةِ الكنيسة ورسالتِها». ولقد قاد خطاي في هذه المسيرة اعتبارٌ آخر، ألا وهو اليوم العالميّ للشباب الذي سيقام تلك السنة عينها وتجري وقائعه من 16 حتى 21 آب 2005. إن الإفخارستيًا هي المحور الحيويُّ الذي أرغب في أن يلتئم الشبابُ من حوله تغذيةً لإيمانهم ونخوتهم. إن فكرة مثل هذه المبادرة الإفخارستيّة كانت تجول في ذهني منذ بعض الوقت: إنها تشكّل في الواقع التطوّرَ الطبيعيَّ للتوجيه الراعويّ الذي أردت أن أعطيه للكنيسة، ابتداءً، بالأخصّ، من سنوات الاستعداد لليوبيل والذي كرّرتُه في ما بعد، خلال السنوات اللاحقة.

 

5-    في الرسالة الرسولية الحاضرة أعتزم أن أشير إلى هذه المتابعة في التوجيه كي يسهل على الجميع جنيُ بُعدها الروحيّ. أما التحقيق العمليّ للسنة الإفخارستيّة فأعهد به إلى اهتمام رعاة الكنائس الخاصة الشخصيّ، فيستوحون من تعبّدهم لهذا السرّ العظيم إجراءاتٍ مناسبة. علاوةً على ذلك، لن يصعب على إخوتي الأساقفة أن يفقهوا أنّ هذه المبادرة الآتية حالاً بعد ختام سنة الورديّة تحتلُّ مستوًى روحيًّا بالغَ العمق بحيث لا يعطّل البتّة مناهجَ الكنائس الخاصّة الراعويّة. بل على العكس من ذلك، يمكنها أن تنيرَهم بفعاليّة، مرسّخةً إياهم، نوعًا ما، في السرّ الذي يشكّل أساسَ حياةِ المؤمنين الروحيّة وسرَّها، وكذلك أساسَ وسرَّ كلِّ مبادرة للكنيسة المحليّة. إني لا أطلب إذًا أن تُعطَّل «الطريق» الراعويّة التي تقوم الكنائس المحليّة بتحقيقها، بل أن يفعَّل بُعدُها الإفخارستيّ الخاصّ بالحياة المسيحيّة بأجمعها. أريد، بهذه الرسالة، من جهتي أن أقدّم بعض التوجيهات الأساسيّة، يقينًا مني أن شعب الله، في مختلف مقوّماته، سوف يتقبّل بطيبة خاطر اقتراحي، بطواعيّةٍ سريعةٍ ومحبةٍ حارّة.

 

 

الفصل الأول

في مواصلة المجمع واليوبيل

 

في توجيه النظر إلى المسيح

 

6-    لعشر سنوات خلت، سررتُ بأن أدلَّ الكنيسة إلى طريق التحضير ليوبيل العام 2000 العظيم، بواسطة الرسالة الرسوليّة «إطلالة الألف الثالث» (10 تشرين الثاني 1994). لقد أحسستُ أن هذه المناسبة التاريخيّة كانت ترتسم في الأفق كنعمةٍ. لم أعتقد، بالتأكيد، أن عبورًا زمنيًّا بسيطًا، على الرغم من كونه إيحائيًّا، كان بإمكانه أن ينطوي على تبدّلات كبيرة. بعد بدءِ الألفيّة، أخذت الوقائع، للأسف! تظهر نوعًا من التواصل البالغ الصعوبة مع الأحداث التي سبقت، وغالبًا مع أخطرها صعوبة. فإلى جانب تطلّعاتٍ مشجِّعة، ارتسم مخططٌ يكشف النقاب عن ظلال حالكة من العنف والدم لا تني تحزننا. لكن، كنت متيقّناً – وما أزال أكثر من أيّ يوم مضى!- أنه، بدعوتي الكنيسة إلى الاحتفال بيوبيل الألفَي عامًا للتجسّد، كنتُ أعمل من أجل «المدى البعيد» للإنسانيّة.

إن المسيح، في الواقع، ليس محورَ تاريخِ الكنيسة فحسب، بل هو أيضًا محورُ تاريخ البشريّة. فيه يُلخَّص كلُّ شيء (أف 1: 10؛ كول1: 15-20). كيف لا نذكّر بالاندفاع الذي به اعترف المجمعُ الفاتيكانيُّ الثاني، مستخدمًا كلام البابا بولس السادس، أنَّ المسيح «هو خاتمة تاريخ البشر، والنقطة التي تنصبُّ فيها رغباتُ التاريخ والحضارة، ومحورُ الجنس البشريّ، وفرحةُ القلوب كلّها وكمالُ ما تصبو إليه»[1]؟ لقد أسهم تعليمُ المجمع في إعطاءِ استقصاءاتٍ جديدةً لمعرفة طبيعة الكنيسة، فاتحًا قلب المؤمنين كي يفهموا، بانتباهٍ أكبر، أسرارَ الإيمان والحقائقِ الأرضيّة نفسِها، على ضوءِ المسيح. ففيه، هو، الكلمة المتجسّد، يتبيَّن في الواقع ليس فقط سرُّ الله بل سرُّ الإنسان نفسه[2]. فيه، يجد الإنسانُ الفداءَ والكمال.

 

7-    في الرسالة العامة «فادي الإنسان» الصادرة في مطلع حبريّتي، استفضتُ في شرح هذا الموضوع، الذي عدتُ وتناولتُه في مناسباتٍ أخرى مختلفة. لقد وفّر اليوبيل المناسبة الملائمة للفت نظر المؤمنين إلى تلك الحقيقة الأساسيّة. إن الاستعداد لهذا الحدَث العظيم كان في كليّته ثالوثيًّا وممَحوَرًا حول المسيح. بالطبع وفي مثل هذا التوجّه العام، لم يكن بالإمكان إغفالُ الإفخارستيّا. وإذا كنّا اليوم نستعدّ للاحتفال بسنةٍ إفخارستيّة، فإني أذكّر بطيبة خاطر أني سبق وكتبتُ في الرسالة الرسوليّة «إطلالة الألف الثالث» ما يلي: «ستكون سنةُ الألفين سنةً إفخارستيّةً: إن المخلّص المتجسّد في حشا مريم منذ عشرين قرنًا يظلّ، في الإفخارستيّا، يقدّم ذاته للبشريّة كينبوع للحياة الإلهيّة»[3]. ولقد أعطى المؤتمر القربانيُّ الذي احتُفل به برومة طابعًا ملموسًا لهذا المعنى الضمنيّ لليوبيل الكبير. ومن الجدير أيضًا التذكّر بأني، في غمرة الاستعداد لليوبيل، وفي الرسالة الرسوليّة «يوم الربّ»، عرضتُ لتأمّل المؤمنين موضوعَ «يوم الأحد» كيومٍ للربّ القائم من بين الأموات، وكيومٍ خاصٍّ بالكنيسة. فدَعَوتُهم حينئذٍ إلى معاودة اكتشاف الاحتفال الإفخارستيّ بصفته قلبَ يوم الأحد[4].

التأمل مع مريم، في وجه المسيح.

 

8-    لقد جُمع، نوعًا ما، إرثُ اليوبيل الكبير في الرسالة الرسوليّة «نحو ألفيّة جديدة». في هذه الوثيقة التي تشكل نوعًا من برنامج، اقترحتُ مشروعَ التزامٍ راعويّ يرتكز على التأمل في وجه المسيح، في إطار تربية كنسيّة يمكنها أن تقود إلى «أعلى درجة» من القداسة، يُبحث عنها بالأخص من خلال فنِّ الصلاة[5]. من هذا المنظور، كيف يمكن أن يُغفل الالتزامُ الليترجيّ، وبالأخص الانتباه للحياة الإفخارستيّة؟ فلقد كتبتُ آنذاك: «في القرن العشرين، وبخاصّة منذ المجمع، تطوّرت الجماعة المسيحيّة كثيرًا في احتفالها بالأسرار، وبالأخصّ منها الإفخارستيّا. علينا أن نواظب في هذا الاتّجاه بإعطاء أهميّةٍ كبرى لإفخارستيّا يوم الأحد وليوم الأحد بالذات، باعتباره يومًا خاصًّا بالإيمان، ويومًا للربّ القائم من بين الأموات، ويومَ عطيّة الروح، يومَ فصح أسبوعيّ حقيقيّ»[6]. وفي إطار التربية على الصلاة، دعوتُ ايضًا إلى ممارسة ليترجيّا الساعات، التي بها تقدّس الكنيسة مختلف ساعات اليوم، وتقدّس إيقاع الزمان وفقًا للتفصيل الخاصّ بالسنة الليترجيّة.

 

9-    وفي ما بعد، مع استهلال سنة الورديّة وإصدار الرسالة الرسوليّة «ورديّة مريم العذراء»، عاودتُ طرح موضوع التأمل في وجه المسيح، انطلاقًا من المنظور المريميّ، مقترحًا من جديد الورديّة. في الواقع، إن هذه الصلاة التقليديّة، التي كثيرًا ما أوصت بها السلطة التعليميّة، وأحبَّها شعبُ الله، تتّسم بطابع كتابيٍّ وإنجيليٍّ محض، وتركّز بالأخصّ على اسم يسوعَ ووجهه، وتتثبَّت في تأمل الأسرار وفي ترداد «السلام عليكِ يا مريم...». ويشكل تسلسلُها الترداديّ نوعًا من تربية الحبّ، تهدف إلى إذكاء القلب بالحبّ نفسه الذي تكنّه مريم لابنها. لذلك، فيما قدتُ إلى نضج جديد مسيرةً متعدّدةَ الأجيال، أردتُ أن تستطيع هذه الطريقةُ المفضَّلة للتأمل فتكمّل الطابعَ بأنها «مختصرٌ للإنجيل» حقيقيٌّ، فأضفتُ إليها أسرار النور[7]. وكيف بنا لا نضع الإفخارستيّا في قمة أسرار النور؟

 

من سنة الورديّة إلى سنة الإفخارستيّا

 

10-    في الواقع، أصدرت في وسط  سنة الورديّة الرسالة العامّة «الإفخارستيّا حياة الكنيسة»، التي أردتُ بها أن أوضح سرَّ الإفخارستيّا في علاقته الفريدة والحيويّة مع الكنيسة. وحرّضتُ كلَّ واحد على أن يحتفل بالذبيحة الإفخارستيّة بما تستحقّ من غيرة، مقدّمًا ليسوعَ الحاضرِ في الإفخارستيّا، حتى خارجًا عن القداس، شعائرَ عبادة تليق بمثل هذا السرّ العظيم. واقترحتُ بالأخص مجدَّدًا ضرورة روحانيّة إفخارستيّة، مظهرًا مريم مثالاً «للمرأة الإفخارستيّة»[8].

سنة الإفخارستيّا، إذًا، ترتسم على لوحة خلفيّة اغتنت من سنة إلى سنة، فيما بقيت على الدوام متمحورةً حول موضوع المسيح والتأمل في وجهه. إنّا نقترحها، إلى حدٍّ ما كسنةٍ خلاصيّة، نوعًا من قمة للطريق المجتاز كلّه. يمكن قول الكثير كي يحسنَ عيشُ هذه السنة. إنما أكتفي بالإشارة إلى رؤًى يمكنها أن تساعد المؤمنين على اتخاذ مواقف متقاربة، نيّرة ومثمرة.

 

 

 

الفصل الثاني

الإفخارستيّا سرٌّ نورانيّ

 

«ثمَّ فسرّ لهما ما يختصُّ به في الأسفار كلّها» (لو 24: 27).

 

11-    إن رواية ظهور يسوعَ القائم من بين الأموات لتلميذَي عمّاوس تساعدنا على اكتشاف وجهٍ أولَ من سرّ الإفخارستيّا الواجبِ أن يكون دومًا حاضرًا في شعائر عبادة شعب الله: الإفخارستيّا سرٌّ نورانيّ! بأيّ معنىً يمكننا قولُ ذلك، وما هي الموجباتُ الناجمة عنه بشأن الروحانيّة والحياة المسيحيّة؟

لقد قال يسوعُ عن نفسه إنه « نور العالم» (يو 8: 12)، وهذه الميزة تظهر بجلاء في أوقاتٍ من حياته من مثل التجلّي والقيامة من الأموات حيث يسطع مجدُه الإلهيّ ببهاءٍ. سرُّ الإفخارستيّا هو «سرُّ الإيمان» بالذات. فمن خلال سرِّ احتجابه الكامل، يصبح المسيحُ سرًّا نورانيًّا به يلجُ المؤمنُ إلى عمق الحياة الإلهيّة. ولا تخلو من حدْسٍ سعيدٍ إيقونةُ الثالوث الشهيرة للفنّان روبليف، إذ تضعُ الإفخارستيّا، بطريقة معبِّرة، وسط الحياة الثالوثيّة.

 

12-    الإفخارستيّا هي نورٌ قبل كلِّ شيء لأنه، في كلّ قداس، تسبق ليترجيّا الكلمة ليترجيّا الإفخارستيّا، في وحدة «المائدتين»، مائدة الكلمة ومائدة الخبز. تلك الاستمراريّة تظهر في الخطبة الإفخارستيّا الواردة في إنجيل يوحنا، حيث إعلانُ يسوع ينتقل من العرض الأساسيّ لسرّه إلى إيضاح البعد الإفخارستيّ المحض: «إنَّ جسدي مأكلٌ حقّ، ودمي مشربٌ حقّ» (يو 6: 55). وهذا، كما نعلم، ما حيَّر قسماً كبيراً من السامعين، فحمل بطرسَ على أن يكون لسانَ حالِ إيمان الرسل الآخرين والكنيسة في كلّ الأزمان: «وإلى من نذهب، يا ربّ؟ إن عندك كلامَ الحياة الأبديّة» (يو 6: 68). في رواية تلميذي عمّاوس يتدخّل المسيحُ نفسُه كي يُظهر، «انطلاقاً من موسى وجميع الأنبياء»، أن «الأسفار كلَّها» تقود إلى سرّ شخصه (را لو 24: 27). فكلامه يجعل قلب التلميذين «يضطرم»، وينتزعهما من ظلمة الحزن واليأس، ويذكي فيهما الرغبة في أن يبقيا معه: «إبقَ معنا، يا ربّ» (لو 24: 29).

 

13-    في الدستور العقائديّ «الليتورجيّا المقدَّسة»، أراد آباءُ المجمع الفاتيكانيّ الثاني أن تقدّم «مائدةُ الكلمة» بوفرةٍ للمؤمنين كنوزَ الكتاب[9]. لذلك سمحوا، في الاحتفال الليترجيّ، بأن تقدّم بالأخصّ القراءات البيبليّة في لغة يفهمها الشعب. إنه المسيحُ نفسُه يتكلّم عندما، في الكنيسة، تُقرأُ الكتبُ المقدسَّة[10]. في الوقت عينه، أوصَوا المحتفلَ، بأن تهدف العظة، بصفتها قسمًا متمّمًا لليترجيّا، إلى شرح كلمة الله وتأوينها في الحياة المسيحيّة[11]. يمكن سنة الإفخارستيّا أن تكون مناسبةً هامّة، بعد انصرام أربعين سنةً على المجمع، كي تتحقّق الجماعاتُ المسيحيّة ممّا آلت إليه في هذا الشأن. فإنه لا يكفي بأن تعلن المقاطعُ البيبليّة بلغةٍ يمكن فهمُها، إذا لم يُهيَّىءِ الإعلانُ باعتناء، ويحضَّرْ مسبَّقا، وإذا لم يُصغَ إليه بخشوع، في صمتٍ ميّالٍ إلى التأمل. وهذه كلُّها عناصرُ ضروريّةٌ كي تؤثّر كلمةُ الله في الحياة وتنيرَها.

 

«عرفاه عند كسر الخبز» (لو 24: 35).

 

14-    إنه لمعبِّرٌ أن يكون تلميذا عمّاوس، بعد أن أعدّهما كلامُ يسوع أحسنَ إعداد، قد عرفا الربَّ فيما كانوا جميعهم متكئين إلى المائدة، إذ «كسَر الخبزَ» ببساطة. عندما تكون الأذهانُ مستنيرةً والقلوبُ مضطرمةً فالإشاراتُ «تتكلّم». تجري الإفخارستيّا كليّاً في سياقٍ من الإشارات ديناميّ تحمل في ذاتها رسالةً مكثَّفةً ومنيرة. فمن خلال الإشارات ينجلي السرُّ، نوعاً ما، أمام عينيَ المؤمن.

وكما أشرتُ إلى ذلك في الرسالة العامة «الإفخارستيّا حياة الكنيسة»، إنه مهمٌّ ألاّ يُغفَلَ أيُّ بُعدٍ من أبعاد هذا السرّ. لأن محاولة تقليصه حتى مستوى أبعادنا الشخصيّة هي تجربةٌ تتربّص على الدوام بالإنسان، مع أنه يتوجّب عليه، بالأحرى، أن ينفتح هو نفسُه على أبعاد ذلك السرّ. «إن الإفخارستيّا عطيّةٌ هكذا عظيمة، إلى حدِّ أنها لا تستطيع أن تتحمّل التباساتٍ واختزالاتٍ»[12].

 

15-    إنَّ البعدَ الإفخارستيَّ الأكثرَ وضوحًا هو بدون شك بُعدُ الوليمة. لقد نشأت الإفخارستيّا مساءَ الخميس العظيم، في سياق العشاء الفصحيّ. إنها تحمل إذًا، مرسومةً في هيكليّتها بالذات، معنى العيش المشترك: «خذوا، كلوا...ثم أخذ كأسًا،...وأعطاهم، قائلاً: إشربوا منه كلُّكم...» (متى 26: 26، 27). هذا المظهر يعبّر بجلاءٍ عن علاقة الشركة التي يريد الله أن يقيمها معنا، ومن ثمّ يتوجّب علينا نحن أن نطوّرها بعضُنا مع بعض.

إلاّ أنه يجب ألاّ يَغفل عن أذهاننا أن الوليمة الإفخارستيّة لها أيضًا، وهذا أساسيّ، معنىً قربانيٌّ بالغُ العمق وأولويّ[13]. إن المسيح يقدّم لنا فيها مجدَّدًا الذبيحة التي تمّت مرَّةً وإلى الأبد على الجلجلة. وفيما هو حاضرٌ فيها كقائم من الأموات، إلاّ أنه يحمل سماتِ آلامه التي «يذكّر» بها كلُّ قداس، وفقًا لما تذكّرنا به الليترجيّا إذ نعلن بعد كلام التأسيس: «إنّا نعلن موتك، أيها الربُّ يسوع، ونمجّد قيامتك...». في الوقت عينه، فيما الإفخارستيّا تستحضر الماضي، فهي توجّهنا نحو المستقبل، نحو مجيء المسيح العتيد، في آخر الأزمان. إن هذا المظهر «الإسخاتولوجيّ» يمنح السرَّ الإفخارستيَّ ديناميّة تحرّك المسيرة المسيحيّة وتعطيها نفحة الرجاء.

 

«أنا ذا معكم كلَّ الأيام» (متى 28: 20)

 

16-    أبعادُ الإفخارستيّا هذه كلُّها تلتقي في مظهر يمتحن إيماننا، أكثر من أيِّ مظهر آخر، ألا وهو سرُّ الحضور «الحقيقيّ». إنّا نؤمن، بالاتحاد مع كلِّ التقليد الكنسيّ، أنَّ يسوع حاضرٌ حقًّا تحت الأشكال الإفخارستيّة. وهذا يعني – على حدِّ ما أحسن شرحَه البابا بولس السادس – حضورًا «حقيقيًاً» ليس بالإقصاء، كأنَّ سائر أشكال الحضور ليست حقيقيّة، بل بالكناية: لأنه بفضل هذا الحضور يصبح المسيحُ كليًّا حاضرًا جوهريًّا في حقيقة جسده ودمه[14]. لذلك يتطلّب منا الإيمان أن نقف أمام الإفخارستيّا، واعين أنّا واقفون أمام المسيح نفسه. حضورُه نفسُه هو الذي يعطي جميعَ الأبعاد الأخرى – الوليمة، ذكرى الفصح، الاستباق الإسخاتولوجيّ – معنىً يتعدّى كليّاً الرمزيّة البسيطة. الإفخارستيّا هي سرُّ حضورٍ، يتمُّ بواسطتها، بطريقةٍ سامية، وعدُ يسوعَ بأن يبقى معنا إلى انقضاء العالم.

 

الاحتفال، العبادة، التأمل

 

17-    الإفخارستيّا، سرٌّ عظيم! سرٌّ يجب قبل كلِّ شيء أن يُحتفل به جيّداً. يجب أن يحتلَّ القداسُ قلبَ الحياة المسيحيّة، وفي كلّ جماعة، يجب أن يُعمل كلُّ المستطاع كي يُحتفل به بطريقة مهيبة، باحترام كلِّ النظم المفروضة، مع اشتراك الشعب، وتعاون مختلف المحتفلين في ممارسة المهامّ المنوطة بهم، وإيلاء اهتمامٍ خاصٍّ بالطابَع المقدَّس للترتيل والموسيقى الليترجيّة. في خلال هذه السنة الإفخارستيّة، وفي كلّ جماعة رعويّة، يمكن أن يقوم الالتزامُ العمليّ بدراسةٍ متعمّقةٍ للعرض الشامل لكتاب القدّاس [الروماني]. أخيراً، إن الطريق المفضَّل للولوج في سرّ الخلاص، المستحضَر من خلال العلامات «المقدَّسة»، هو الطريق الذي يقضي بأن نتّبع بأمانةٍ تسلسلَ السنة الليترجيّة. على الرعاة أن يحرصوا على تنمية تعليم دينيّ «أسراريّ»، كان عزيزاً على قلب الآباء، لأنه يسمح باكتشاف معنى الحركات الليترجيّة ونصوصها، ويساعد هكذا المؤمنين على العبور من العلامات إلى السرّ نفسه، فيتأصّل فيه وجودُهم كلُّه!

 

18-    ومن اللائق بالأخص، أكان في أثناء الاحتفال بالقداس أم في التعبّد للإفخارستيّا خارج القدّاس، أن ينمَّى وعيٌ حيٌّ لحضور المسيح الحقيقيّ، فيعبَّر عن ذلك بنبرة الصوت، والحركات، والتنقلات، والتصرّف بأكمله. ومن هذا القبيل، تذكّر الإرشادات – وقد أتيح لي مؤخراً أن أذكّر بذلك[15]- بالانتباه الواجب إيلاؤه لفترات الصمت في أثناءِ الاحتفال بالإفخارستيّا أو في ساعات السجود. باختصار، يجب على الرعاة والمؤمنين أن يتعاملوا مع الإفخارستيّا بأعظم احترام[16]. حضورُ يسوعَ في بيت القربان يجب أن يشكّل قطبَ اجتذابٍ لعددٍ دائمِ الازدياد من النفوس المملؤة حبّاً له، قادرةٍ على البقاءِ طويلاً في الإصغاء إلى صوته وسماع دقّات قلبه. «ذوقـوا وانظـروا ما  أطيب الربّ!» (مز 33 [34]: 9).

 

في هذه السنة، علَّ السجودَ الإفخارستيَّ خارجًا عن القدّاس يشكّل اهتمامًا خاصًا لدى الجماعات الرعويّة والرهبانيّة! لنمكثنَّ طويلاً سجّدًا أمام يسوعَ الحاضر في الإفخارستيّا، معوّضين هكذا بإيماننا وحبّنا الإهمال والنسيان وحتّى الإهانات التي تلحق بمخلّصنا في العديد من أقطار العالم. في ساعات السجود، علّنا نستطيع التعمّق في تأملنا الشخصيّ والجماعيّ، مستخدمين أيضًا نصوصَ صلواتٍ مفعمةً بكلام الله وباختبار العديد من الصوفيّين القدامى والحديثين! إن الورديّة نفسَها، بمفهومها الأعمق، البيبليِّ والمتمحور حول المسيح، التي أوصيتُ بها في الرسالة الرسوليّة «ورديّة مريمَ العذراء»، يمكنها أن تكون سبيلاً مؤاتيًا للغاية للتأمل الإفخارستيّ، نقوم به برفقة مريم وعلى مثالها[17].

في هذه السنة، علّنا نحيا، في الطواف التقليديّ، وبحرارةٍ مميَّزة، الاحتفالَ بجسد الربّ. إيمانُنا بالله، الذي بتجسّده أصبح رفيق دربنا، فلنُعلنْه في كلِّ مكانٍ، وبالأخصّ في شوارع مدننا وفي منازلنا، كتعبيرٍ لحبّنا المملوءِ عرفانًا، وكينبوعٍ للبركاتِ لا ينضب!

 

الفصل الثالث

الإفخارستيّا ينبوعُ شركة وظهورٌ لها

 

«أثبتوا فيّ كما أنا فيكم» (يو 15: 4).

19-    طلب تلميذا عمّاوس إلى يسوعَ أن يبقى «معهما». فكان جوابُ يسوعَ عطيّةً أعظم: لقد وجدَ سبيلاً إلى أن يقيم «فيهما»، بواسطة سرّ الإفخارستيّا. تناولُ الإفخارستّيا هو الدخول في شركة عميقة مع يسوع. «أثبتوا فيّ كما أنا فيكم» (يو 15: 4). علاقة الوحدة هذه، الحميمة والمتبادلة، تسمح لنا بأن نستبق، نوعًا ما، السماءَ على الأرض. أليس في ذلك رغبةُ الإنسان العظمى؟ أليسَ ذلك ما قصَده الله عندما حقّق في التاريخ تدبيره الخلاصيّ؟ لقد وضع في قلب الإنسان «جوعًا» إلى كلمته (عا 8: 11)، جوعًا سيسدُّه فقط الاتحادُ الكامل معه. أُعطينا تناول الإفخارستيّا كي «نسدَّ جوعنا» إلى الله على هذه الأرض، بانتظار أن يُسَدَّ جوعُنا كليّاً في السماء.

 

خبزٌ واحدٌ، جسدٌ واحدٌ

 

20-    لكنّ هذه الأُلفة الخاصّة التي تتحقّق «بالشركة» الإفخارستيّة لا يمكن أن تُفهم حقَّ الفهم ولا أن تُعاش بالكليّة خارجَ الشركة الكنسيّة. هذا ما أشرتُ إليه مرارًا في الرسالة العامة «الإفخارستيّا حياة الكنيسة». الكنيسة هي جسدُ المسيح: نسير «مع المسيح» بقدر ما نكون في تواصل «مع جسده». والمسيح يوفّر نشأة هذه الوحدة وينمّيها بفيض الروح القدس. ولا يني هو نفسه ينمّيها من خلال حضوره الإفخارستيّ. فإن الخبز الإفخارستيَّ الواحد هو الذي يجعل منّا جسدًا واحدًا. وهذا ما يؤكده الرسول بولس، قائلاً: «فيما أن الخبزَ واحدٌ، فنحن الكثيرين جسدٌ واحدٌ؛ لأنّا جميعًا نشترك في الخبز الواحد» (1 كو10: 17). في سرّ الإفخارستيّا، يبني يسوعُ الكنيسة كشركة، وفقًا للمثال الأسمى الذي عبّر عنه في الصلاة الكهنوتيّة: «فكما أنك أنتَ، أيها الآب، فيّ وأنا فيك، فليكونوا، هم أيضًا، فينا، حتى يؤمن العالم أنك أنت أرسلتني» (يو 17: 21).

 

21-  إذا كانت الإفخارستيّا مصدرَ الوحدة الكنسيّة، فهي أيضًا أعظمُ اعتلان لها: الإفخارستيّا هي ظهورُ الشركة. لذلك تضع الكنيسة شروطًا لإمكان الاشتراك كليّاً في الاحتفال الإفخارستيّ[18]. إن مختلف القيود المفروضة يجب أن تحثّنا دائمًا على أن نعي وعيًا أكبر كلَّ ما تقتضيه الشركة التي يدعونا إليها يسوع. فهناك أولاً الشركة مع السلطة، التي ترتكز على وعيِ مختلفِ الأدوار والمهامّ، شركةٌ تؤكدها دومًا في الصلاة الإفخارستيّة ذكرانيّة البابا والأسقف الأبرشيّ؛ ثم الشركة الأخويّة، تغذّيها «روحانيّة الشركة» التي تحملنا على الشعور بانفتاحٍ متبادَل، ومودّة، وتفهّم وغفران[19].

 

«قلبٌ واحدٌ ونفسٌ واحدة» (أع 4: 32)

22-    في أثناء كلِّ قداس، نُدعى إلى مواجهة مثالٍ أعلى للشركة يقدّمه سفرُ أعمال الرسل نموذجًا للكنيسة الأزليّة. إنها الكنيسة المجتمعة حول الرسل، بدعوةٍ من كلمة الله، القادرةُ على تقاسم ليس فقط المواهب الروحيّة، بل أيضًا الخيرات الزمنيّة (أع 2: 42-47؛ 4: 32-35). في سنة الإفخارستيّا هذه، يدعونا الربّ إلى أن ندنو أكثر ما يمكن من هذا المثال الأعلى. لنعِشَنَّ بالتزام خاصّ الأوقات التي سبقَت واقترحَتها الليترجيّا «القداس الخاصّ بالمزارات»، حيث يحتفل الأسقف في كاتدرائيّته، يعاونه الكهنة والشمامسة الإنجيليّون، بمشاركة شعب الله بجميع مقوّماته. هنا يكمن أهمُّ «مظهر» للكنيسة[20]. لكن من المستحسن أيضًا أن تحدَّد مناسباتٌ أخرى معبِّرة، حتى على صعيد الرعايا، كي يتعاظم معنى الشركة، فيُستمدُّ من الاحتفال الإفخارستيّ حرارةٌ متجدّدة.

 

يـوم الـربّ

23-    في هذه السنة، أرغب بالأخصّ في أن يُلتزم التزامًا مميَّزًا إعادةُ اكتشاف يوم الأحد كيومٍ للربّ ويومٍ للكنيسة، فيُعاشَ كليًّا. ولَيسرّني بأن يُعاوَد التأمّلُ في ما كتبتُ في الرسالة الرسوليّة «يوم الربّ». في الواقع، «في أثناء قداس يوم الأحد، بالضبط، نرى المسيحيّين يعيشون مجدّدًا، بقوّة خاصّة، ما اختبره الرسلُ المجتمعون عشيّة الفصح، عندما ظهر لهم القائم من بين الأموات (يو 20: 19). في هذه النواة الصغيرة من التلاميذ، باكورةِ الكنيسة، كان حاضرًا، بطريقةٍ ما شعبُ الله في كلِّ الأزمان»[21]. في سنة النعمة هذه، على الكهنة، في التزامهم الراعويّ، أن يولوا اهتمامًا متزايدًا قداسَ يوم الأحد، بصفته احتفالاً تلتقي، في أثنائه، الجماعةُ الرعويّة بقلبٍ واحد، إذ ترى فيه أيضًا مشاركةً عاديّةً لمختلف الجماعات والحركات والمنظمات الحاضرة.

 

 

الفصل الرابع

الإفخارستيّا مصدر ومشروع «رسالة»

 

«وقاما على الفور» (لو 24: 33)

24-    بعد أن عرف تلميذا عمّاوس الربّ، «قاما على الفور» (لو 24: 33)، [ورجعا إلى أورشليم] كي يبلّغا [الأحدَ عشر] ما رأَيا وسمعا. عندما يختبر الإنسان [يسوع] القائمَ من بين الأموات اختبارًا حقيقيّاً، بالاغتذاء من جسده ودمه، لا يمكن أن يحتفظ لنفسه وحدَه ما اختبر من فرح. اللقاءُ مع يسوع، وقد دام تعمّقًا في الأُلفة الإفخارستيّة، يثير في الكنيسة وعند كلِّ مسيحيّ الضرورة الملحّة للشهادة والتبشير بالإنجيل. ولقد أشرتُ إلى ذلك بالتحديد في العظة التي أعلنتُ فيها سنة الإفخارستيّا، مستنداً إلى أقوال بولس: «فإنكم كلّما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس، تخبرون بموت الربّ، إلى أن يجيء» (1 كو 11: 26). لقد وثّق الرسولُ الصلة بين الوليمة والبشرى: فالاشتراك مع المسيح في ذكرانيّة الفصح يعني في الوقت عينه اختبارَ ضرورة التبشير بالحدث الذي يؤوّنه هذا الطقس[22]. الإرسالُ في آخر كلِّ قداس يشكّل أمرًا يحثّ المسيحيَّ على التزام نشر الإنجيل وعلى إنعاش المجتمع مسيحيًّا.

25-   لمثل هذه الرسالة، لا تؤمّن الإفخارستيّا القوّة الداخليّة وحسب، بل أيضًا، نوعًا ما، العزم والقصد. إنها في الواقع طريقةُ كينونةٍ تنبعث من يسوعَ إلى المسيحيّ، وتهدف، بشهادة هذا الأخير، إلى أن تنتشر في المجتمع وفي الثقافة. ولكي يتحقّق ذلك، من الضروريِّ أن يستوعب كلُّ مؤمن، في التأمل الفرديّ والجماعيّ، القيمَ التي تعبّر عنها الإفخارستيّا، وما توحي به من سلوك، وما تثيره من عروضِ حياة. لمَ لا نرى في ذلك إيعازًا خاصًّا يمكن أن يتفجّر من سنة الإفخارستيّا؟

 

رفْـع الحمـد

26-    أحد العناصر الأساسيّة التي تكوّن هذا القصد ينجم من معنى كلمة «إفخارستيّا» نفسه: الحمدُ والشكران. في يسوع، في ذبيحته، في «النَعَم» اللامشروط لمشيئة الآب، نجد «النَعَم» و«الشكر» و«آمين» البشريّة بأسرها. إن الكنيسة مدعوّةٌ إلى أن تذكّر البشر بهذه الحقيقة العظمى. ومن الملحّ أن يتحقّق هذا بالأخصّ في ثقافتنا المعلمَنة، المشرَّبة بنسيان الله والداعية إلى اكتفاء الإنسان الذاتيّ الباطل. تجسيدُ القصد الإفخارستيّ في الحياة اليوميّة، في أوساط العمل والحياة – في الأسرة والمدرسة والمصنع، في ظروف الحياة الأكثر تنوّعًا – يعني، في ما يعني، الشهادة بأن الواقع الإنسانيّ لا يمكن تبريرُه بدون الرجوع إلى الخالق. «الخليقة تتلاشى إذا ما انفصلت عن الخالق»[23]. هذه المرجعيّة السامية التي تُلزمنا «بشكر» مستديم – بموقفٍ إفخارستيٍّ بالضبط – على كلّ ما نملك وعلى ما نحن عليه، لا تُلحق ضرراً بالاستقلاليّة الشرعيّة الخاصّة بالشؤون الأرضيّة[24]، بل إنها تركّزها، بالمعنى الأصدق، محدِّدةً  لها، في الوقت عينه حدودَها المشروعة.

في سنة الإفخارستيّا هذه، علَّ المسيحيّين يلتزمون، بما أوتوا من قوّة، فيشهدوا لحضور الله في العالم! لا نخافنَّ من الكلام عن الله، ومن أن نحمل بأنَفَةٍ علاماتِ الإيمان. إن «ثقافة الإفخارستيّا» تعزّز ثقافة الحوار وتمدّها قوّةً وغذاءً. يخطىءُ من يعتقد بأن الرجوع علنًا إلى الإيمان يلحقُ ضررًا بشرعيّة استقلال الدولة والمؤسَّسات المدنيّة، أو أن ذلك يمكن أن يشجّع على مواقف عدم تسامح. وإذا كان التاريخُ لم يخلُ من مثل تلك الأخطاء، حتى في صفوف المؤمنين، كما أتيح لي أن أعترف به أثناء اليوبيل، فهذا يجب ألاّ يُسند إلى «الجذور المسيحيّة»، بل إلى عدم توافق المسيحيّين في ما يخصُّ جذورَهم. من يتعلّم أن «يشكر» على مثال المسيح المصلوب، يمكن أن يصبح شهيدًا، ولكن لن يكون أبدًا سفّاحًا.

 

طريق التضامن

27-    الإفخارستيّا ليست فقط عبارةً عن شركة في حياة الكنيسة؛ إنها أيضًا موضوع تضامن للبشريّة جمعاء. في الاحتفال الإفخارستيّ، تجدّد الكنيسة على الدوام وعيَها بأنها «علامةٌ وأداة ليس فقط للاتحاد الحميم مع الله، بل أيضًا علامةٌ وأداةُ وحدة الجنس البشريّ بأسره»[25]. كلُّ قداس، ولئن أقيم بطريقة خفيّة أو في صُقع ناءٍ من العالم، يحمل دائمًا علامة الشموليّة. بالاشتراك في الإفخارستيّا، يتعلّم المسيحيّ أن يكون فاعلَ شركةٍ وسلامٍ وتضامن، في جميع ظروف الحياة. إن صورة عالمنا الممزَّق، الذي استهلّ الألفيّة الجديدة يهيمن عليه شبحُ الإرهاب ومأساةُ الحرب، يدعو المسيحيّين، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى أن يحيَوا الإفخارستيّا بصفتها مدرسةً للسلام عظيمة، حيث ينشَّأُ رجالٌ ونساءٌ يصبحون فاعلي حوار وشركة، وهم على مختلف أصعدةٍ من المسؤوليّة في الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة والسياسيّة.

 

في خـدمة الأصاغـر

28-    هناك نقطةٌ أودُّ الإشارة إليها لأنْ بها يتبيّن بطريقة مميّزة صدقُ الاشتراك في الإفخارستيّا، المحتفَلِ بها في الجماعة: إنه الزخمُ المنبثقُ منها بغية التزامٍ فعليّ في بناءِ مجتمعٍ أكثر عدالةً وأكثرَ أخوّةً. في الإفخارستيّا، يُظهر إلهنا أعظمَ شكلٍ للمحبة، إذ يقلب رأسًا على عقب جميعَ معايير السلطة التي كثيرًا ما تحدّد العلاقات البشريّة، مؤكدًا بطريقة جذريّة مقياس الخدمة: «إن أراد أحدٌ أن يكون الأول، فعليه أن يكون آخر الكلّ، وخادمًا للكلّ» (مر 9: 35). وليس من باب الصدفة ألاّ نجد، في إنجيل يوحنا، روايةَ تأسيس الإفخارستيّا، بل روايةَ «غسل الأرجل» (يو 13: 1-20): شرح يسوع معنى الإفخارستيّا، بما لا لُبس فيه، عندما جثا ليغسل أرجل تلاميذه. وبدوره، يذكّر القديس بولس بحزمٍ أنه لا يُسمح الاحتفالُ بالإفخارستيّا إذا لم تتجلَّ فيها المحبّة التي يعبَّر عنها بالتقاسم العمليّ مع الأكثر فقرًا (كو 11: 17-22، 27-34).

لماذا إذًا لا يُجعل من سنة الإفخارستيّا هذه زمنًا تقوم في أثنائه، بنوعٍ خاصّ، الجماعاتُ الأبرشيّة والرعائيّة بأعمالٍ أخويّة، فتناهض أحدَ أشكال الفقر الكثيرة في العالم؟ وإني أفكّر بمأساة الجوع التي تبرّح بمئات الملايين من الكائنات البشريّة، أفكّر بالأمراض التي تلوّع البلدان النامية، بعزلة المسنّين، بمشاكل العاطلين عن العمل، بمحَن المهاجرين. إنها لآلام تطال، وإن كان بطرقٍ مختلفة، حتى المناطقَ الأكثرَ يُسرًا. لا مجال هنا للتوهّم: فبالحبّ المتبادَل، وبالأخصّ بالاهتمام، يمكننا أن نُظهر للذين هم في عَوز أنّا بالحقيقة تلاميذُ المسيح (يو 13: 35؛ متى 25: 31-46). ذلك هو المعيارُ الذي يُثبت صدقيّةَ احتفالاتنا الإفخارستيّة.

 

خـاتـمـة

29-    «أيتها الوليمة المقدّسة التي فيها نتناول المسيح!». سنة الإفخارستيّا تتولّد من عجَب الكنيسة إزاءَ هذا السرِّ العظيم. إنه عَجبٌ ما زال يستحوذ على ذهني، ومنه نشأت الرسالة العامّة «الإفخارستيّا حياة الكنيسة». إني أشعر أنها لنعمةٌ عظيمة، تفعم السنةَ السابعة والعشرين لخدمتي البطرسيّة التي أباشرها قريبًا، أني أستطيع الآن أن أدعوَ الكنيسة جمعاء إلى التأمل في هذا السرّ الفائق الوصف، وإلى مدحه والتعبّد له بطريقة مميّزة. علَّ سنة الإفخارستيّا تكون للجميع فرصةً فريدةً تمكّنهم من الوعي دائمًا أكثر للكنز المنقطع النظير الذي ائتمنَه المسيحُ كنيسته. لتكن حافزًا كي يكون الاحتفال بالإفخارستيّا أكثر حيويّةً وحرارةً، فينجم عن ذلك وجودٌ مسيحيٌّ حوَّله الحبّ.

العديدُ من المبادرات يمكن أن يتحقّق من هذا القبيل، وفقًا لحكم رعاة الكنيسة الخاصّة. لن يغفل مجمع شؤون العبادة الإلهيّة وتنظيم الأسرار عن أن يقدّم، في هذا الموضوع، إيحاءاتٍ واقتراحاتٍ ناجعة. إلاّ أني لا أطلب بأن تُقام أشياءُ خارقةُ العادة، بل بأن تتّسم جميعُ المبادرات بروحانيّة داخليّة عميقة. إذا ما اقتصرت ثمرةُ هذه السنة فقط على إحياءِ الاحتفال بقداس يوم الأحد في كلِّ الجماعات المسيحيّة، وعلى إنماءِ العبادة الإفخارستيّة خارجًا عن القداس، فلسوف تحقق سنةُ النعمة هذه نتيجةً بليغة. إلاّ أنه من المستحسن أن تهدف إلى الأسمى فلا نكتفي بتدابيرَ هزيلة، لأنّا نعرف أن نتّكل دومًا على عونه تعالى.

 

30-  إليكم، أيها الإخوة الأحبّاءُ في الأسقفيّة، أعهد بهذه السنة، وأنا على يقين أنكم ستتقبّلون دعوتي بكل ما أوتيتُم من غيرة رسوليّة.

وأنتم، أيها الكهنة، الذين تردّدون كلَّ يومٍ كلماتِ التقديس، أنتم الشهودُ والمعلنون للسرِّ العظيم الذي يتمُّ على أيديكم، أصغوا إلى نداء نعمة هذه السنة الخاصّة، وأقيموا كلَّ يومٍ القداسَ بمثل فرح المرّة الأولى وحرارتها، وبطيبة خاطرٍ الزموا الصلاة أمام بيت القربان.

ولتكن سنةَ نعمةٍ لكم، أيها الشمامسة الإنجيليّون، الملتزمون عن كثبٍ خدمةَ الكلمة وخدمةَ الهيكل. وأنتم أيضًا، ايها القرّاء والخدَم وموزّعو المناولة غيرُ العاديّين، تحلّوا بوعيٍ حيٍّ للعطيّة التي مُنحتموها بأن عُهدت إليكم مهامُّ خدمة، بغية احتفالٍ بالإفخارستيّا لائق.

وأتوجه بالأخصّ إليكم، يا كهنة الغـد: في الحيـاة الإكليريكيّـة إعملوا على اختبار كم هو عذبٌ، ليس فقط الاشتراك كلَّ يوم في القداس، بل أيضًا التوقّفُ طويلاً في الحوار مع يسوعَ الإفخارستيّا.

وأنتم جميعًا، أيها الرجالُ والنساءُ المكرَّسون، المدعوّون بتكرّسكم نفسه إلى تأملٍ أكثر امتدادًا، تذكّروا أن يسوعَ، في بيت القربان، ينتظركم إلى جانبه كي يفيض في قلوبكم اختبار صداقته الحميم، الذي يمكنه وحدَه أن يعطي معنىً وكمالاً لحياتكم.

وأنتم جميعًا، أيها المؤمنون، عاودوا اكتشاف عطيّة الإفخارستيّا بصفتها نورًا وقوّةً لحياتكم اليوميّة في العالم، وفي مزاولة وظيفتكم، وفي الأوضاع الأكثر اختلافًا. عاودوا اكتشافها كي تحيَوا كليّاً جمال الأسرة ورسالتها.

وأخيرًا، إني أنتظر الكثير منكم أيها الشباب، فيما أذكّركم بلقاء اليوم العالميّ للشباب بكولونيا. إن الموضوع المختار - «وافَينا لنسجد له» (متى 2: 2) – يمكنه أن يوحي إليكم بطريقةٍ خاصّةٍ الموقفَ الصحيح لتحيَوا هذه السنة الإفخارستيّة. في لقائكم يسوعَ المحتجبَ تحت أعراض الإفخارستيّا، أجلبوا كلَّ حماس عمركم ورجائكم وطاقتكم في الحبّ.

 

31-    إن مثُلَ القديسين ماثلةٌ أمام أعيننا. لقد وجدوا، في الإفخارستيّا، الغذاءَ في طريقهم إلى الكمال. كم مرّةً ذرّفوا الدموع تأثرًا لدى اختبارهم مثل هذا السرّ العظيم، وكم مرّة قضَوا ساعاتٍ من الفرح «العروسيّ» أمام سرِّ المذبح.

فوق ذلك كلّه، لتعضُدْنا البتول القدّيسة التي جسّدت في حياتها كلّها منطق الإفخارستيّا. «فيما الكنيسة تنظر إلى مريم نظرتها إلى مثالٍ لها، فهي مدعوّة إلى التشبّه بها أيضًا في علاقتها مع هذا السرّ الكلّي القداسة»[26]. الخبزُ الإفخارستيُّ الذي نتناوله هو جسد الابن الطاهر: «السلام عليكَ أيها الجسدُ الحقيقيُّ المولودُ من مريم العذراء».

في سنة النعمة هذه، علَّ الكنيسة، تعاضدُها مريم، تجدُ انطلاقةً جديدةً لرسالتها، وتجدُ دوماً أكثر في الإفخارستيّا مصدرًا وقمةً لحياتها كلِّها.

 

لتكن معكم جميعًا بركتي الحاملةُ نعمةً وفرحًا!

 

أعطي في الفاتيكان، في السابع من تشرين الأول 2004،

في تذكار سيّدة الورديّة، في السنة السادسة والعشرين لحبريّتي.

+ يوحنا بولس الثاني


1 الدستور الراعويّ «الكنيسة في عالم اليوم»: فرحٌ ورجاء، العدد 45.

2 را المرجع نفسه، العدد 22.

3  العدد 55: أعمال الكرسيّ الرسوليّ (AAS) 87 (1995)، ص 38؛ التوثيق الكاثوليكي (La Documentation catholique) 91 (1994)، ص 1030-1031

4  را الأعداد 32-34: أ ك ر 90 (1998)، ص 732-734؛ ت ك 95 (1998)، ص 666-667

5  را الأعداد30-32: أ ك ر 93 (2001)، ص 287-289؛ ت ك 98 (2001)، ص 78-79.

6 «نحو ألفيّة جديدة»، العدد 35: أ ك ر 93 (2001)، ص 290-291؛ ت ك 98 (2001)، ص 80.

7  را الرسالة الرسوليّة «وردية مريم العذراء» (16 تشرين الأول 2002)، الأعداد 19-21: أ ك ر 95 (2003)، ص 18-20؛ ت ك 99 (2002)، ص 958-960.

8  الرسالة العامة «الإفخـارستيّا حيـاة الكنيسـة» (17 نيسان 2003)، العدد 53: أ ك ر 95 (2003)، ص 469؛ ت ك 100 (2003)، ص 387.

9  الدستور العقائدي «الليتورجيّا المقدّسة»، العدد 51.

10 المرجع نفسه، العدد 7.

11المرجع نفسه، العدد 52.

12الرسالة العامة «الإفخارستيّا حيـاة الكنيسة» (17 نيسان 2003)، العـدد 10: أ ك ر 95 (2003)، ص 439؛ ت ك 100 (2003)، ص 371.

 13الرسالة العاممة «الإفخارستيا حياة الكنيسة»، العدد 10: أ ك ر، المرجع السابق نفسه؛ ت ك، المرجع السابق نفسيه؛ مجمع شعائر العبادة الإلهيّة وتنظيم الأسرار: التوجيه «سرُّ الفداء» بشأن أمور من الواجب الحفاظ عليها أو تجنّبها في ما يخصّ الإفخارستيّا المقدّسـة (25 آذار 2004)، العدد 38: ت ك 101 (2004)، ص 468.

14 را الرسالة العامة «سـرُّ الإيمـان» (3 أيلول 1965)، العدد 39: أ ك ر 57 (1965)، ص 764؛ ت ك 62 (1965)، العمود 1643؛ مجمع الطقوس: التوجيه «سرّ الإفخارستيـّا» بشأن عبادة سرّ الإفخارستيّا، العدد 9: أ ك ر 59 (1967)، ص 457؛ ت ك 64 (1967)، العمود 1098-1099.

15 الرسالة «الروح والعروس» (Spiritus et Sponsa)، في الذكرى الأربعين لصدور الدستور الراعوي «الليترجيّا المقدَّسة (4 كانون الأول 2003)، العدد 13: أ ك ر 96 (2004)، ص 425؛ ت ك 101 (2004)، ص 55.

16 التوجيه «سرُّ الفداء» الوارد ذكره في الحاشية (13): ت ك  101 (2004)، ص 458-490.

17المرجع المذكور، العدد 137: الموقع نفسه، ص 483.

18 را الرسالة العامة «اففخارستيّا حياة الكنيسة» (17 نيسان 2003)، العدد 44: أ ك ر 95 (2003)، ص 462؛ ت ك 100 (2003)، ص 383؛ مجموعة الحقّ القانوني، ق 908؛ مجموعة قوانين الكنائس الشرقيّة، ق 702؛ المجلس الحبريّ لتعزيز وحدة المسيحيّين: الدليل المسكونيّ (25 آذار 1993)، الأعداد 122-125، 129-131: أ ك ر 85 (1993)، ص 1086-1089؛ ت ك 90 (1993)، ص 630-631؛  مجمع عـقيـدة الإيمان: Ad exsequendam (18 أيــار 2001): أ ك ر 93 (2001)؛ أ ك ر 93 (2001)، ص 786

19 را يوحنا بولس الثاني: الرسالة الرسوليّة «نحو ألفيّة جديدة» (6 كانون الثاني 2001)، العدد 43: أ ك ر 93 (2001)، ص 297؛ ت ك 98 (2001)، ص 83.

20را الدستور الراعويّ «الليترجيّا المقدّسة»، العدد 41.

21 «يوم الرب»، العدد 33: أ ك ر 90 (1998)، ص 733؛ ت ك 95 (1998)، ص 666-667.

22 را العظة في عيد جسد المسيح ودمه (6 حزيران 2004): ت ك 101 (2004)، ص 602-603.

23 الدستور العقائديّ: الكنيسة في العالم «فرحٌ ورجاء» العدد 36.

24المرجع نفسه.

25الدستور العقائدي «الكنيسة نور الأمم»، العدد 1.

26 الرسالة العامة «الإفخارستيّا حيـاة الكنيسة» (17 نيسان 2003)، العدد 53: ا ك ر 95 (2003)، ص 469؛ ت ك 100 (2003)، ص 387.


الصفحة الرئيسيّة   ||   بطريرك من لبنان    ||   صلاة المجمع البطريركي الماروني